Animation Anglais
Animation Arabe
Home العربية | Arabeاليابان–بكين: إعادة التسلّح اليابانية توقظ أشباح عام 1945، والماضي ينفجر، وآسيا تحبس أنفاسها

اليابان–بكين: إعادة التسلّح اليابانية توقظ أشباح عام 1945، والماضي ينفجر، وآسيا تحبس أنفاسها

ساناي تاكايتشي في مواجهة شي جين بينغ، ودونالد ترامب يتحرّك لإعادة رسم ميزان القوى: كيف تتحوّل اليابان وأستراليا إلى محورين أساسيين في الاستراتيجية الأمريكية تجاه بكين، فيما تضع الطموحات الصينية وذاكرة الحروب والتنافس على النفوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ أمام منعطف تاريخي

0 comments

CPGNNews Strategic Report SR-002/2026 | المؤلف: Yvon Bonhomme | أكتوبر 2026

CPGNNews | شبكة أنباء كاريببلاس العالمية (CaribPulse Global News Network)
إعلام دولي مستقل للمصلحة العامة • أبحاث • تحقيقات • تحليل • صحافة
وُلد في الكاريبي، ومنفتح على العالم!

افتتاحية | آسيا والمحيط الهادئ بين أشباح التاريخ ومجهولات المستقبل

هناك مناطق في العالم تفرض جغرافيتها الحذر، وتشكل الذاكرة التاريخية حساباتها السياسية، ويمكن للقرارات التي تُتخذ في عدد محدود من العواصم أن تغيّر التوقعات الاقتصادية لقارات بأكملها. وتنتمي منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى هذه الفئة. فهي تضم حصة كبيرة من الإنتاج الصناعي العالمي، وتحتضن طرقًا بحرية حيوية، وتتركز فيها تقنيات تقوم عليها بنية الاقتصاد المعاصر، كما تشهد تنافسات استراتيجية تتجاوز تداعياتها حدود الصين واليابان والولايات المتحدة بكثير. وفي هذا الفضاء، يتبلور توتر جوهري: تسعى اليابان إلى تعزيز قدرتها على حماية أراضيها ومصالحها في بيئة تراها أكثر غموضًا واضطرابًا؛ وتعمل الصين على الدفاع عن مطالبها المتعلقة بالسيادة، وتحديث قدراتها، والحفاظ على حرية تحركها؛ وتسعى الولايات المتحدة، في ظل رئاسة دونالد ترامب، إلى الإبقاء على موقع حاسم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بالتوازي مع إعادة تحديد شروط تحالفاتها؛ أما أستراليا، فتعمّق شراكاتها الأمنية مع طوكيو وواشنطن، من دون أن تستطيع تجاهل الأهمية التي تمثلها علاقاتها الاقتصادية مع بكين.

هذه التوجهات ليست جديدة بالكامل، كما أنها لا تتعارض بالضرورة تعارضًا حتميًا. غير أنها تتبلور في مرحلة تراجعت فيها الثقة بين عدد من الأطراف، واتسعت فيها الفجوة بين تفسيرات الأحداث ذاتها، وأصبح القرار الذي تصفه عاصمة ما بأنه دفاعي قابلًا لأن يُنظر إليه في عاصمة أخرى باعتباره تهديدًا. وقد جعلت تصريحات ساناي تاكايتشي بشأن التداعيات المحتملة لأزمة حول تايوان هذه التناقضات أكثر وضوحًا. ففي نوفمبر 2025، أثارت تصريحاتها ردًا حازمًا من بكين، وكشفت مدى استمرار قضية تايوان بوصفها إحدى أبرز نقاط الاحتكاك بين القوتين. ومع ذلك، تشير المبادرات الدبلوماسية والبرلمانية التي تلت ذلك إلى أن قنوات الحوار لم تختفِ تمامًا. وهكذا، تظل المنطقة واقعة بين مسارين متوازيين: تصاعد الاستعدادات الاستراتيجية واستمرار الحاجة إلى منع العلاقات من الانزلاق نحو تدهور يصعب احتواؤه.

ويزيد السياق العسكري من أهمية هذا التحول. فوفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.887 تريليون دولار في عام 2025، مسجلًا ارتفاعًا حقيقيًا بنسبة 2.9% مقارنة بالعام السابق. وقد قُدّر الإنفاق العسكري الصيني بنحو 336 مليار دولار، في حين بلغ الإنفاق الياباني 62.2 مليار دولار. وعلى مستوى آسيا وأوقيانوسيا، ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 8.1% ليصل إلى 681 مليار دولار. وتشير هذه الأرقام إلى تسارع الجهود الدفاعية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس النوايا السياسية أو الفاعلية العملياتية أو المستوى الاستراتيجي للدول المعنية. ومع ذلك، فإنها تؤكد أن الأمن الإقليمي يستقطب موارد متزايدة، وأن الحكومات تعيد ترتيب أولوياتها استجابة لبيئة تعتبرها أكثر غموضًا وعدم يقين.

ويستحضر عنوان هذا التقرير أشباح عام 1945 لأن ذاكرة الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة في السياسة في شرق آسيا. ففي الصين، تحتل ذكريات العدوان الياباني والمعاناة التي لحقت بالسكان المدنيين مكانة محورية في الذاكرة الوطنية. أما في اليابان، فقد أسهمت الهزيمة والقصف وهيروشيما وناغازاكي وتجربة إعادة الإعمار في تشكيل ثقافة سياسية لا يزال ضبط استخدام القوة يحتل فيها أهمية خاصة. وهذه التجارب التاريخية ليست متطابقة من حيث مضمونها أو دلالاتها، لكنها تؤثر جميعًا في التصورات المعاصرة للأمن والشرعية. وقد تغذي الذاكرة التاريخية انعدام الثقة عندما تُستَخدم لتعميق الخصومات، لكنها تستطيع أيضًا أن تذكّر بالتكلفة الإنسانية للصراعات وبضرورة الحفاظ على آليات الدبلوماسية. فالماضي لا يحدد المستقبل بصورة آلية؛ وإنما تكمن المسألة الأساسية في الكيفية التي يجري بها توظيفه سياسيًا.

وعليه، لا يتمثل التحدي في تحديد القوة التي يُفترض أنها مقدّر لها بطبيعتها أن تهيمن على آسيا، بل في فهم كيفية تمكّن أطراف ذات مصالح متعارضة أحيانًا من السعي إلى تحقيق أهدافها من دون تحويل تصوراتها المتبادلة إلى آلية للتصعيد. فلا يجوز اختزال الصين في صورة تهديد مجرد، ولا يصح مساواة اليابان المعاصرة تلقائيًا بالنزعة العسكرية الإمبراطورية، كما أن الولايات المتحدة ليست حكمًا محايدًا يقف خارج هذه التنافسات، ولا طرفًا يخلو من مصالحه الخاصة. أما أستراليا، فلا تمثل مجرد امتداد للاستراتيجية الأمريكية؛ إذ تمتلك أولوياتها وقيودها الاقتصادية وحساباتها الأمنية الخاصة. وفي هذا التوازن بين التاريخ والسيادة والاعتماد المتبادل والتنافس، يتحدد جانب مهم من مستقبل العالم. وتتمثل مسؤولية CPGNNews في تحليل هذه المعادلة من دون تبني رواية عاصمة واحدة، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والتصريحات السياسية والمصالح الوطنية والتفسيرات التي تؤثر في عملية صنع القرار.

اليابان عند منعطف تاريخي: من قوة اقتصادية حذرة إلى فاعل استراتيجي أكثر حزماً

إرث عام 1945 والخصوصية المميزة للدولة اليابانية المعاصرة

لا يمكن فهم التحول الاستراتيجي لليابان من دون العودة إلى النظام السياسي الذي أُرسي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أحدثت هزيمة عام 1945 تحولاً عميقاً في مؤسسات البلاد، وفي علاقتها بالقوة العسكرية، وفي تصورها للدور الذي ينبغي أن تؤديه في العالم. وينص دستور عام 1947، ولا سيما المادة التاسعة منه، على نبذ الحرب بوصفها حقاً سيادياً للأمة، ويرفض الاحتفاظ بقوات مسلحة مخصصة لخوض الحروب. غير أن التفسيرات الدستورية التي تطورت على مدى العقود سمحت عملياً بإنشاء قوات الدفاع الذاتي اليابانية وتوسيع قدراتها. وقد أصبح هذا الإطار القانوني والسياسي إحدى السمات المميزة للقوة اليابانية في مرحلة ما بعد الحرب: إذ أعطت طوكيو الأولوية لإعادة البناء الاقتصادي والتصنيع والابتكار التكنولوجي وتوسيع المبادلات الدولية، في إطار تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة، مع الإبقاء على نقاش داخلي جاد بشأن حدود دورها العسكري.

وهكذا أصبحت اليابان قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى من دون أن تتبنى نموذج القوة العسكرية التقليدي المرتبط عادة بالدول الكبرى. ولا يعني ذلك أنها تخلت عن أمنها، بل إن قدراتها الدفاعية تطورت ضمن إطار سياسي وقانوني وتاريخي خاص. واليوم، يتعرض هذا النموذج لضغوط متزايدة. فالسلطات اليابانية ترى أن بيئتها الاستراتيجية أصبحت أكثر تدهوراً، ولا سيما بسبب التوترات المحيطة بتايوان، والأنشطة العسكرية الصينية، وبرامج الصواريخ الكورية الشمالية، وحالة عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة الأمريكية مستقبلاً. وبناءً على ذلك، تعتبر طوكيو أن حماية أراضيها لم تعد قادرة على الاعتماد حصراً على الافتراضات الاستراتيجية الموروثة من الحرب الباردة. ويفرض هذا التحول على البلاد إعادة النظر في العلاقة بين عقيدتها الدستورية واحتياجاتها الدفاعية ومسؤوليتها عن الاستقرار الإقليمي.

لذلك، لا يقتصر النقاش على تحديد ما إذا كان يتعين على اليابان الاستعداد لعالم أكثر خطورة. فكل دولة تتحمل مسؤولية تقييم المخاطر التي تهدد سكانها. أما الأسئلة الحاسمة فتتعلق بطبيعة هذا الاستعداد وحجمه وحدوده القانونية وآليات الرقابة الديمقراطية عليه، فضلاً عن الإشارات التي يرسلها إلى القوى الأخرى. ويمكن لسياسة دفاعية معززة أن ترفع مستوى الردع وتحد من إغراء ممارسة الإكراه الخارجي؛ لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة مخاوف الدول المجاورة التي تنظر إلى التحولات اليابانية من خلال ذاكرة الماضي. ويتمثل التحدي أمام طوكيو في جعل سياستها ذات مصداقية كافية لحماية البلاد، مع ضمان قدر كافٍ من الشفافية والضوابط حتى لا تتحول التدابير المقدمة باعتبارها دفاعية إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار.

ساناي تاكايتشي وتسييس النقاش الاستراتيجي

تجسد ساناي تاكايتشي توجهاً سياسياً أكثر حزماً في قضايا الأمن القومي. ويولي نهجها أهمية كبيرة لتعزيز القدرات الدفاعية اليابانية، ومتانة التحالف مع الولايات المتحدة، وضرورة التعامل بجدية مع التطورات الاستراتيجية الصينية. ويندرج هذا التوجه ضمن نقاش ياباني أوسع بشأن مسؤولية الدولة في مواجهة بيئة إقليمية يُنظر إليها على أنها أكثر خطورة. غير أن تصريحاتها المتعلقة بتايوان أضفت على هذا التحول بُعداً بالغ الحساسية. فعندما تتناول زعيمة يابانية الظروف التي قد تؤثر فيها أزمة حول الجزيرة على الأمن القومي لبلادها، يتجاوز الأمر نطاق السياسة الداخلية ليطال مصالح بكين، والتزامات واشنطن، واستقرار مضيق تايوان، وتوقعات الدول الأخرى في المنطقة.

ومن المهم التمييز بين التصريح السياسي والعقيدة الرسمية والقرار التنفيذي. فقد يشير تصريح ما إلى تحول في التفكير الاستراتيجي للحكومة، من دون أن ينشئ تلقائياً التزاماً قانونياً جديداً أو تعهداً بالتدخل. وتتوقف أهميته على الصياغة الدقيقة، والسياق الذي ورد فيه، والآليات المؤسسية المعمول بها، والتوضيحات اللاحقة الصادرة عن السلطة التنفيذية. ومع ذلك، تكشف ردة الفعل الصينية مدى حساسية هذه القضية. فبكين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، وتعارض أي تدخل خارجي ترى أنه يتعارض مع سيادتها. أما السلطات التايوانية، فلديها مؤسساتها الديمقراطية الخاصة وترفض ادعاء بكين بحقها في تقرير مستقبل الجزيرة بصورة أحادية. وتحافظ الولايات المتحدة بدورها على سياسة مستقلة تستند إلى التزاماتها القانونية وخياراتها الاستراتيجية، في حين تقع اليابان على مقربة مباشرة من نزاع قد تؤثر تداعياته على أراضيها وطرقها البحرية واقتصادها.

وعليه، يتعين على تاكايتشي التعامل مع مطلبين متزامنين. فعلى الصعيد الداخلي، ينبغي لحكومتها أن تثبت أنها تأخذ المخاوف الأمنية على محمل الجد. وعلى الصعيد الدبلوماسي، يجب عليها تجنب التصريحات القاطعة أكثر من اللازم، حتى لا تضيق هامش التفاوض أو تقيد البلاد بموقف يصعب التحكم في عواقبه. فالحزم لا يعني بالضرورة التصعيد؛ إذ يمكنه تعزيز الردع عندما يقترن بأهداف واضحة وتنسيق مؤسسي وقنوات دبلوماسية نشطة. لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تظل الخطوط الحمراء غامضة، أو عندما تُفسر التصريحات العامة باعتبارها التزامات تلقائية، أو عندما تجعل الضغوط السياسية الداخلية تصحيح المسار أمراً بالغ الصعوبة. ولذلك، ينبغي تقييم سياسة تاكايتشي استناداً إلى قراراتها الفعلية، واتساق عمل حكومتها، وقدرتها على الجمع بين الاستعداد الاستراتيجي وضبط النفس الدبلوماسي، لا استناداً إلى تصريح منفرد ومعزول.

الإنفاق الدفاعي وتحول أولويات اليابان

تؤكد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حجم التحول الذي طرأ على ميزانية اليابان. ففي عام 2025، بلغ الإنفاق العسكري الياباني 62.2 مليار دولار، مسجلاً زيادة حقيقية بنسبة 9.7% مقارنة بعام 2024، وارتفاعاً بنسبة 61% مقارنة بعام 2016. ووفقاً للمعهد، مثل هذا الإنفاق نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة منذ عام 1958. ويندرج هذا التطور ضمن برنامج تعزيز الدفاع الذي أُطلق عام 2022، ويعكس إعادة تقييم تدريجية للموارد التي تعتبرها السلطات ضرورية لحماية الأراضي اليابانية. ولا يثبت هذا التطور، في حد ذاته، أن اليابان تخلت عن عقيدتها السلمية في مرحلة ما بعد الحرب؛ بل يشير إلى أن قادتها يسعون إلى تكييف أدوات الأمن مع التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية.

ويأتي هذا الجهد المالي في ظل قيود اقتصادية وديموغرافية. فشيخوخة السكان، والضغوط على المالية العامة، والاحتياجات الاجتماعية، وضرورة دعم الابتكار الصناعي، كلها عوامل تفرض على السلطات المفاضلة بين أولويات متعددة. وقد تستجيب زيادة الإنفاق العسكري لاحتياجات أمنية حقيقية، لكنها تفرض أيضاً خيارات في الميزانية ينبغي تقييم آثارها على المدى الطويل. لذلك، يجب ألا يقتصر النقاش الديمقراطي على حجم الاعتمادات المالية، بل ينبغي أن يشمل الأهداف المنشودة، وفعالية الاستثمارات، ومدى توافقها مع الإطار الدستوري، وجودة الرقابة البرلمانية، وصلتها بالدبلوماسية والتعاون الإقليمي والسياسات المدنية لتعزيز القدرة على الصمود.

ومن الخطأ اعتبار كل زيادة في ميزانية الدفاع دليلاً على النزعة العسكرية، مثلما أن افتراض أن كل إنفاق إضافي يحسن الأمن تلقائياً هو افتراض خاطئ أيضاً. فالقدرة الدفاعية تعتمد كذلك على التدريب، وجودة التخطيط، والاستعداد المدني، واستمرارية المؤسسات، والمرونة الاقتصادية، والقدرة على منع الأزمات. لذلك، يتعين على اليابان الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يمكنها تكييف وسائلها الأمنية من دون التفريط في المكاسب السياسية والدبلوماسية التي أسهمت في استقرارها منذ عام 1945؟ ولا يخص هذا السؤال اليابان وحدها، لأن الطريقة التي تشرح بها طوكيو تحولها وتضبطه وتنفذه ستؤثر في نظرة جيرانها إلى نواياها.

بكين والاستراتيجية الصينية: السيادة والتحديث والنفوذ الإقليمي

قوة صاعدة تدافع عن أولوياتها الخاصة

تمثل الصين القطب الرئيسي الثاني في المعادلة الاستراتيجية الإقليمية. فقد أدى تطورها الاقتصادي، وقدراتها الصناعية، واستثماراتها العلمية والتكنولوجية، وتحديث مؤسساتها الدفاعية، إلى تغيير ميزان القوى في آسيا. وتسعى بكين إلى حماية أراضيها، والحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي، والدفاع عن مطالبها المتعلقة بالسيادة، وتوسيع نفوذها في بيئة تعتبرها محكومة بصورة متزايدة بالتنافس مع الولايات المتحدة. ويتطلب فهم هذه السياسة إدراك أن القادة الصينيين لا ينظرون إلى النظام الإقليمي باعتباره بنية محايدة؛ فهم يرون أن الوجود العسكري الأمريكي، وتحالفات واشنطن، والتعاون الاستراتيجي بين الدول المجاورة، قد تحد من حرية الصين في التحرك. ويساعد هذا التصور على تفسير معارضتهم للترتيبات التي يعتبرون أنها تستهدف احتواء النفوذ الصيني، لكنه لا يبرر تلقائياً جميع الإجراءات التي تتخذها بكين.

إن المخاوف الأمنية لأي دولة لا تلغي حقوق الدول الأخرى ولا الالتزامات المترتبة بموجب القانون الدولي. ويجب تقييم النزاعات البحرية والتوترات المحيطة بتايوان والخلافات بشأن حرية الملاحة على أساس الوقائع والنصوص القانونية ذات الصلة وسلوك جميع الأطراف المعنية. وللصين مصالح مشروعة في الأمن والتنمية، كما أن لجيرانها الحقوق نفسها في الأمن والاستقلال السياسي. ولذلك، يتطلب الاستقرار الإقليمي مناقشة هذه المصالح من دون السماح للقوة الاقتصادية أو العسكرية لأي طرف بمنحه حقاً أسمى في تحديد القواعد المشتركة بصورة أحادية.

وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بسبب استمرار العلاقات الاقتصادية العميقة. فالصين شريك تجاري رئيسي لليابان وأستراليا والعديد من الاقتصادات الآسيوية. وتستفيد الشركات والعمال والمستهلكون من المبادلات التي تربط الأسواق الإقليمية، لكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لا يضمن السلام. فقد يتحول أيضاً إلى أداة ضغط عندما تُستخدم العلاقات التجارية للحصول على تنازلات سياسية. ومن مصلحة بكين أن تثبت أن تعزيز قوتها يمكن أن يترافق مع قدر كافٍ من القدرة على التنبؤ بما يطمئن جيرانها. وعلى هؤلاء، في المقابل، الحفاظ على استقلالية قراراتهم من دون تحويل كل خلاف إلى مواجهة دائمة.

شي جين بينغ والسيادة وحدود الثقة

في عهد شي جين بينغ، تحتل السيادة الوطنية والأمن وتعزيز القوة الصينية مكانة محورية في الخطاب السياسي. ولا يزال تحقيق الوحدة مع تايوان هدفاً رئيسياً لبكين، التي لم تتخل عن خيار استخدام القوة. ويمثل هذا الموقف مصدراً أساسياً للقلق بالنسبة إلى تايوان والدول التي ترى أن تغيير الوضع القائم بالإكراه ستكون له عواقب إقليمية ودولية كبيرة. ومع ذلك، فإن اختزال السياسة الصينية بأكملها في قضية تايوان سيكون تبسيطاً مضللاً. فبكين تسعى أيضاً إلى تحقيق أهداف اقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية ومؤسسية، تشمل توسيع علاقاتها التجارية، وزيادة نفوذها في المنظمات الدولية، وتأمين إمداداتها، والدفاع عن مصالحها في المناطق البحرية الحيوية لاقتصادها.

وتتعزز هذه الأهداف أحياناً بعضها ببعض. فالقدرة الصناعية تدعم الإمكانات الاقتصادية والاستراتيجية، والعلاقات التجارية توفر أدوات للنفوذ، والدبلوماسية تساعد على توطيد الشراكات. غير أن تراكم هذه الموارد لا يضمن قبول الدول الأخرى. فقد تحقق قوة ما مكاسب مادية، لكنها قد تولد في الوقت نفسه انعدام ثقة يحد من هامش تحركها الدبلوماسي. وتجسد اليابان هذا التناقض: فالبلدان يرتبطان بعلاقات وثيقة في مجالات التجارة والاستثمار والتبادل البشري، ولهما مصالح مشتركة في الاستقرار الإقليمي وإمكانية التنبؤ بأوضاع الأسواق. ومع ذلك، أسهمت الخلافات التاريخية والمطالب البحرية والتصريحات المتعلقة بتايوان في تراجع الثقة بينهما.

وقد تعتبر بكين التصريحات اليابانية تدخلاً في قضية تتعلق بالسيادة، بينما ترى طوكيو أن الوضع المحيط بتايوان يؤثر مباشرة في أمنها. ولا يمكن حل هذا الخلاف بمجرد تكرار المواقف الأولية لكل حكومة. فهو يتطلب توضيح النوايا، وتطوير آليات الاتصال، والتمييز بين التصريحات السياسية والالتزامات القانونية والإجراءات التي قد تغير الوضع القائم. ومن ثم، فإن الفاعلية الدبلوماسية لشي جين بينغ ستُقاس أيضاً بقدرته على الدفاع عن المصالح الصينية من دون إغلاق أبواب التسوية. فالسياسة الخارجية يمكن أن تكون حازمة من دون أن تصبح متصلبة؛ ويمكنها التمسك بالمبادئ مع الحفاظ على الآليات اللازمة لمنع الحوادث وإدارة الخلافات.

التحديث العسكري الصيني ومشكلة الشفافية

قدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري الصيني في عام 2025 بنحو 336 مليار دولار، بزيادة حقيقية بلغت 7.4% مقارنة بالعام السابق. ووفقاً لبيانات المعهد، ارتفع الإنفاق العسكري الصيني على مدى واحد وثلاثين عاماً متتالياً، وهو اتجاه يعكس الأولوية المستمرة التي توليها بكين لتحديث دفاعاتها. ومع ذلك، ينبغي قراءة هذه التقديرات بحذر. فاختلاف أساليب المحاسبة، ومدى توافر المعلومات العامة، والفوارق بين الميزانيات المعلنة والنفقات المقدرة، كلها عوامل تعقد المقارنات الدولية. وتمثل بيانات المعهد أساساً منهجياً مفيداً، لكنها لا تشكل حساباً شاملاً ومتكافئاً تماماً لجميع بنود الإنفاق الوطني.

ومع ذلك، فإن زيادة الإنفاق الصيني تعكس توجهاً استراتيجياً طويل الأمد. فبكين تسعى إلى تحديث قدراتها وتعزيز موقعها الإقليمي، مستندة إلى احتياجات دفاعية ورغبتها في حماية مصالحها في بيئة تتسم بالوجود الأمريكي وتنامي التعاون بين عدد من الدول الآسيوية. وتكمن المشكلة في الفجوة بين الأهداف المعلنة والطريقة التي يفسر بها الآخرون القدرات التي يجري نشرها. فعندما تكون المعلومات محدودة، تميل الحكومات إلى تقييم نوايا الخصم من خلال أسوأ السيناريوهات المحتملة. وتعزز إحدى القوى قدراتها بدافع الاحتياط، فيفسر جيرانها ذلك باعتباره تهديداً، فيعملون بدورهم على تقوية دفاعاتهم. وقد تؤدي هذه الآلية إلى حلقة من انعدام الثقة، تصبح فيها كل خطوة تُقدَّم باعتبارها دفاعية مبرراً لاتخاذ طرف آخر خطوة إضافية.

لذلك، من مصلحة الصين تحسين الشفافية بشأن توجهاتها الاستراتيجية والحفاظ على آليات الحوار مع جيرانها. ومن مصلحة القوى الأخرى، في المقابل، تجنب اعتبار كل عملية تحديث صيني دليلاً تلقائياً على نية هجومية. فالتحليل الدقيق ينبغي أن يميز بين القدرات المتاحة، والنوايا المعلنة، والسلوكيات القابلة للملاحظة، والافتراضات المتعلقة بالتطورات المستقبلية. ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية لمنع المنافسة الاستراتيجية من التحول إلى نبوءة تحقق ذاتها.

تايوان، بؤرة التوتر المركزية: عندما تتحول السيادة إلى خطر يهدد النظام بأكمله

قضية سياسية تتجاوز تداعياتها حدود المضيق

تُعد تايوان إحدى أبرز بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر، لأن وضعها السياسي وعلاقاتها ببكين وصلاتها بالقوى الغربية تجمع عدداً من الخلافات الجوهرية: السيادة، وتقرير المصير، وسلامة الأراضي، والردع، ودور القانون الدولي في إدارة التنافس بين القوى. وتعتبر جمهورية الصين الشعبية تايوان جزءاً من أراضيها، وتؤكد أن إعادة التوحيد هدف وطني رئيسي. أما سلطات تايوان، التي تدير الجزيرة وتمتلك مؤسساتها السياسية والعسكرية والديمقراطية الخاصة، فترفض إخضاع مستقبلها لقرار أحادي من بكين. وتحافظ الولايات المتحدة، من جانبها، على سياسة خاصة تستند إلى تشريعاتها والتزاماتها وممارساتها الدبلوماسية، من دون أن يعني ذلك اعترافاً دبلوماسياً رسمياً بتايوان بوصفها دولة مستقلة. ولا يزال هذا الإطار معقداً عن قصد، ويعتمد جزئياً على الغموض الاستراتيجي الذي يهدف إلى ردع أي تغيير أحادي للوضع القائم.

وتكمن الصعوبة في أن الأطراف لا تمنح مفهومي الاستقرار والشرعية المعنى نفسه. فقد تعتبر بكين الاتصالات العسكرية أو السياسية بين تايوان والولايات المتحدة تحدياً لمطالبها المتعلقة بالسيادة؛ وقد ترى تايوان في الضغط العسكري الصيني محاولة لتقييد حريتها في اتخاذ القرار؛ وقد تعتبر واشنطن أن الحفاظ على قدرة ردع موثوقة أمر ضروري لمنع تغيير الوضع القائم بالإكراه. أما طوكيو، الواقعة بالقرب من تايوان والمرتبطة بالولايات المتحدة بتحالف أمني، فلا يمكنها تجاهل التداعيات المحتملة لأزمة كبرى في المضيق. ولن يكون من الضروري أن تظل المواجهة محصورة في الأطراف المشاركة مباشرة، إذ قد تؤثر في الطرق البحرية والأسواق المالية والتأمين وسلاسل الإمداد والاستثمارات والتجارة في المنطقة بأكملها.

ومع ذلك، ينبغي تجنب تصوير الأزمة على أنها حتمية. فاختلاف المصالح لا يؤدي تلقائياً إلى الحرب، كما أن القدرات العسكرية لا تحدد وحدها القرارات السياسية. وستكون التكاليف الإنسانية والاقتصادية والدبلوماسية لأي مواجهة كبيرة بالنسبة إلى جميع الأطراف، بما فيها الصين. ولذلك، يتمثل السؤال الحاسم في قدرة القادة على الحفاظ على آليات اتصال وإدارة للخلافات تتمتع بما يكفي من المتانة لمنع حادث أو خطأ في الحسابات أو قرار يُتخذ تحت ضغط داخلي من التسبب في تصعيد. وفي منطقة تُفسر فيها الإشارات العسكرية أحياناً باعتبارها رسائل سياسية، يصبح وضوح الاتصالات وضبط التصريحات العامة أداتين أساسيتين من أدوات الأمن.

لماذا لا تستطيع اليابان البقاء على الحياد

إن القرب الجغرافي لتايوان من الأراضي اليابانية يمنح القضية بُعداً خاصاً. فقد تؤثر أزمة في المضيق في الجزر الجنوبية الغربية لليابان، والطرق البحرية التي تعتمد عليها وارداتها وصادراتها، وسلامة المواطنين اليابانيين الموجودين في المنطقة. كما ستثير تساؤلات بشأن عمل التحالف مع الولايات المتحدة، واحتمال استخدام المنشآت الموجودة في اليابان، وتطبيق القانون الوطني في الظروف الاستثنائية. غير أن القرب الجغرافي لا يعني أن التدخل الياباني سيكون تلقائياً. فأي قرار سيتوقف على الطبيعة الدقيقة للأزمة، والظروف القانونية، وقرارات الحكومة، والإجراءات المؤسسية، والالتزامات المعمول بها. ومن شأن الخلط بين الأهمية الاستراتيجية لتايوان بالنسبة إلى طوكيو والتزام عسكري غير مشروط أن يؤدي إلى المبالغة في دلالة التصريحات السياسية.

وهذا التمييز تحديداً هو ما يجعل تصريحات ساناي تاكايتشي حساسة سياسياً. فعندما تربط أزمة محتملة حول تايوان بأمن اليابان، فإنها تسلط الضوء على واقع جغرافي واستراتيجي لا تستطيع الحكومات اليابانية تجاهله. لكن أي صياغة علنية يمكن أيضاً أن تُفسر في بكين على أنها تغيير في النوايا اليابانية أو إشارة موجهة إلى واشنطن. لذلك، ينبغي للاتصال الاستراتيجي الفعال أن يوضح المصالح الأمنية اليابانية من دون الإيحاء بأن جميع الظروف المستقبلية قد حُسمت سلفاً. وينبغي أن يكون الهدف تعزيز الردع في مواجهة أي عمل قسري، مع الحفاظ على إمكانية التوصل إلى حل سلمي وتجنب تحويل احتمال وقوع أزمة إلى التزام تلقائي.

كما يتعين على اليابان ألا تحصر تحركها في منطق عسكري بحت. فالدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والاتصالات البرلمانية والتبادلات الجامعية وآليات إدارة الحوادث يمكن أن تسهم في الحد من المخاطر، حتى عندما تظل الخلافات السياسية عميقة. ولا تقوم السياسة الأمنية ذات المصداقية على القدرة على الاستجابة للأزمة فحسب، بل أيضاً على القدرة على منع وقوعها. ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى العلاقة بين طوكيو وبكين باعتبارها علاقة طويلة الأمد بين جارين تربطهما مصالح متبادلة، لا مواجهة يتحدد مآلها بالضرورة وفق التفوق العسكري لأحد الطرفين.

التداعيات العالمية لأزمة في المضيق

تتجاوز أهمية تايوان وضعها السياسي بكثير. فالجزيرة تحتل موقعاً محورياً في بعض سلاسل الإنتاج العالمية لأشباه الموصلات المتقدمة، وهي مكونات أساسية لقطاع الاتصالات ومراكز البيانات وصناعة السيارات والمعدات الطبية والعديد من التطبيقات الصناعية. وقد يؤدي توقف الإنتاج أو النقل في المنطقة لفترة طويلة إلى نقص الإمدادات وتأخير الاستثمارات وارتفاع التكاليف في قطاعات بعيدة جغرافياً عن شرق آسيا. ولن تقتصر الآثار على الأضرار المادية المحتملة التي قد تلحق بالبنية التحتية؛ إذ يمكن لحالة عدم اليقين والقيود التجارية والعقوبات وضوابط التصدير والاضطرابات اللوجستية والقرارات الاحترازية التي تتخذها الشركات أن تكون كافية لتعطيل جزء من الاقتصاد العالمي.

كما ستؤدي أزمة كبرى إلى إعادة تقييم المخاطر المالية. فقد تعيد الأسواق النظر في توقعاتها بشأن الشركات المعرضة لمخاطر المنطقة، وقد ينقل المستثمرون جزءاً من رؤوس أموالهم، وقد تعيد شركات التأمين البحري تقييم أقساط السفن التي تمر عبر مناطق تُعتبر خطرة. وستواجه الحكومات مفاضلات صعبة بين أهداف الأمن وحماية شركاتها والحفاظ على المبادلات التجارية. وقد تتعرض الاقتصادات الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة أو المكونات الإلكترونية أو الطرق البحرية الآسيوية لتداعيات غير متناسبة، حتى من دون مشاركة مباشرة في التوترات.

وبالنسبة إلى بلدان منطقة الكاريبي، لن تكون هذه التداعيات مجرد احتمال نظري. فقد تواجه الاقتصادات الجزرية والدول التي تعتمد وارداتها بدرجة كبيرة على النقل البحري ارتفاعاً في تكاليف الشحن وتأخراً في الإمدادات وزيادة في أسعار بعض السلع الأساسية. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والمنتجات المصنعة إلى ضغوط إضافية على الميزانيات العامة والشركات والأسر. وستتوقف الآثار الدقيقة على مدة الأزمة والطرق المتأثرة واستجابة الأسواق وقدرة الحكومات على تنويع مورديها. أما الدرس الاستراتيجي فواضح: حتى عندما لا تكون دولة طرفاً في تنافس بين القوى، فقد تتزايد هشاشتها الاقتصادية إذا اعتمدت إمداداتها على سلاسل عالمية شديدة التركّز أو غير قادرة على الصمود أمام الاضطرابات.

دونالد ترامب والاستراتيجية الأمريكية: التحالفات والضغط الاقتصادي والردع

تحالف أساسي، لكنه خاضع لحالة من عدم اليقين السياسي

لا يزال التحالف بين الولايات المتحدة واليابان عنصراً محورياً في بنية الأمن في شرق آسيا. فهو يوفر لطوكيو إطاراً للتعاون العسكري والاستراتيجي، بينما يتيح لواشنطن الحفاظ على وجودها في منطقة أساسية لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية. ولا تقتصر هذه العلاقة على ضمان أمني، بل تشمل أيضاً التعاون التكنولوجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الدبلوماسي والمشاورات بشأن الاستقرار الإقليمي. ولذلك، فهي أداة مهمة لكلا البلدين، لكن مصداقيتها تعتمد على الطريقة التي ينظر بها إليها قادتهما ومؤسساتهما وشركاؤهما.

في عهد دونالد ترامب، كثيراً ما تُبحث العلاقات مع الحلفاء من منظور يركز على تقاسم الأعباء والمنافع الاقتصادية ومساهمة كل شريك في الأمن الجماعي. وقد يدفع هذا المنطق الولايات المتحدة إلى مطالبة حلفائها ببذل جهود إضافية، لكنه يثير أيضاً تساؤلات بشأن الطريقة التي ترتب بها واشنطن أولويات التزاماتها. وبالنسبة إلى طوكيو، يتمثل التحدي في الحفاظ على متانة التحالف من دون الاعتماد حصراً على تصريحات سياسية قد يتغير معناها العملي تبعاً للظروف. ولذلك، يتعين على اليابان تعزيز قدراتها الوطنية، والحفاظ على تعاون وثيق مع الولايات المتحدة، وتطوير علاقات مكملة مع شركاء آخرين، مع تجنب إعطاء الانطباع بأن تنويع الشراكات يضعف التحالف.

ومع ذلك، سيكون من المبالغة اختزال السياسة الأمريكية في صفقة تجارية. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق مصالح استراتيجية طويلة الأمد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك الحفاظ على نفوذها، وتأمين شركائها، وصون حرية الملاحة، وحماية مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية. وقد تختلف الإدارات الأمريكية بشأن الوسائل والأولويات والنبرة الدبلوماسية، لكن المؤسسات والالتزامات القانونية والمصالح الوطنية تسهم في الحفاظ على قدر من الاستمرارية. ولا ينشأ عدم اليقين بالضرورة من اختفاء الاستراتيجية الأمريكية تلقائياً، بل من التساؤلات بشأن الظروف التي قد تكون فيها واشنطن مستعدة لتخصيص مواردها، أو تحمل تكاليف أزمة، أو قبول تسوية مع بكين.

وبالنسبة إلى اليابان، لا يتمثل الحل في افتراض أن الولايات المتحدة ستتخلى عنها حتماً، ولا في اعتبار الدعم الأمريكي غير مشروط في جميع الظروف. بل يتطلب الأمر تقييماً واقعياً للمصالح المشتركة والالتزامات الرسمية والقدرات المتاحة ومواطن الاختلاف المحتملة. ويكون التحالف أكثر متانة عندما يستند إلى مصالح محددة بوضوح وتخطيط متسق واتصال منتظم، بدلاً من الاعتماد على توقعات لم تُعبَّر عنها صراحة. وعندئذ تصبح القدرة على التنبؤ الاستراتيجي عاملاً من عوامل الردع، لأنها تمكّن الشركاء من فهم حدود تعاونهم وشروطه، وتقلل في الوقت نفسه من احتمال أن يفسر الخصم الغموض بوصفه فرصة لاختبار مدى تصميمهم.

واشنطن بين التنافس مع بكين والسعي إلى اتفاق

تجمع الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين بين أهداف متعددة قد تتعارض أحياناً. فواشنطن تسعى إلى حماية مصالحها الأمنية، والحفاظ على موقعها التكنولوجي، والحد من بعض أوجه الاعتماد الصناعي، ومنع قوة منافسة من فرض قواعدها بصورة أحادية في مجالات تعتبرها أساسية. وفي الوقت نفسه، لا تزال العلاقات الاقتصادية بين البلدين مهمة، كما يتحملان مسؤوليات مشتركة في عدد من القضايا الدولية. لذلك، ينبغي للسياسة الأمريكية الفعالة أن تميز بين المجالات التي يُعتبر فيها التنافس ضرورياً وتلك التي لا يزال التعاون فيها ممكناً. ومن شأن التعامل مع جميع العلاقات مع الصين باعتبارها مواجهة شاملة أن يزيد التكاليف الاقتصادية، ويقلص قنوات الدبلوماسية، ويدفع شركاء واشنطن إلى تبني مواقف أكثر حذراً.

وقد تمنح دبلوماسية دونالد ترامب الشخصية أهمية كبيرة للقاءات القادة والمفاوضات الثنائية. ويمكن لهذه الاتصالات أن تسهّل التوصل إلى اتفاقات، أو تخفض التوتر مؤقتاً، أو توضح بعض النوايا، لكنها لا تحل محل المؤسسات وآليات المتابعة. ولا يصبح التفاهم المعلن في قمة ما مستداماً إلا إذا كانت أحكامه واضحة بما يكفي، وكانت الإدارات قادرة على تنفيذه، وتوافرت لدى الأطراف آليات لمعالجة الخلافات. وفي علاقة معقدة مثل العلاقة بين واشنطن وبكين، ينبغي تقييم التصريحات العلنية على ضوء القرارات الفعلية المتعلقة بالتجارة والتكنولوجيا والأمن الإقليمي وقنوات الاتصال.

ويتعين على اليابان وأستراليا أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار. فقد يؤدي تقارب مؤقت بين الرئيسين الأمريكي والصيني إلى خفض بعض المخاطر المباشرة، لكنه لن يزيل بالضرورة الخلافات البنيوية المتعلقة بتايوان والتكنولوجيات الاستراتيجية وبنية الأمن الإقليمي. وفي المقابل، قد يؤدي تدهور العلاقات بين واشنطن وبكين إلى زيادة الضغوط على الحلفاء الأمريكيين، وإجبارهم على توضيح مواقفهم في مجالات لا تتطابق فيها دائماً مصالحهم الاقتصادية مع متطلباتهم الأمنية. لذلك، ينبغي لشركاء واشنطن الاستعداد لسيناريوهات متعددة، من دون الخلط بين تطور دبلوماسي مؤقت وتحول دائم في ميزان القوى.

الردع لا يحل محل الدبلوماسية

يقوم الردع على الاعتقاد بأن أي عمل عدائي سيترتب عليه قدر من التكاليف يكفي لثني الطرف الذي يفكر في تنفيذه. وهو يعتمد على القدرات المتاحة ومصداقية الالتزامات وتصورات القادة وفهمهم للعواقب. لكنه لا يعمل بصورة آلية. فقد يسيء طرف ما تفسير نوايا خصمه، أو يبالغ في تقدير قدرته على التحكم في الأزمة، أو يعتقد أن اتخاذ قرار سريع سيمنحه أفضلية حاسمة. وعندما تعزز عدة قوى قدراتها رداً على إجراءات بعضها بعضاً، قد يزداد خطر سوء التقدير، حتى إن لم تكن أي حكومة ترغب في البداية في اندلاع نزاع.

لذلك، ينبغي أن تقترن سياسة الردع المسؤولة بأدوات الاتصال وإدارة الأزمات. فقنوات الاتصال بين المسؤولين السياسيين والعسكريين، وإجراءات الإخطار حيثما تكون مناسبة، وآليات منع الحوادث، والاتصالات الدبلوماسية، يمكن أن تحد من عواقب سوء الفهم. وهي لا تضمن السلام، لكنها تقلل احتمال تفسير حدث محلي باعتباره بداية هجوم أوسع. وتكتسب هذه الآليات أهمية خاصة في المجالات البحرية والجوية التي تعمل فيها قوات تابعة لعدة دول على مسافات متقاربة.

وبالنسبة إلى واشنطن وطوكيو وكانبيرا، يتمثل التحدي في الحفاظ على قدرة موثوقة على الاستجابة، مع تجنب خطاب يقلص فرص خفض التصعيد. أما بالنسبة إلى بكين، فالتحدي مماثل: الدفاع عن مصالحها والتعبير عن اعتراضاتها من دون إطلاق إشارات متزايدة يمكن تفسيرها باعتبارها استعداداً لتغيير الوضع القائم بالإكراه. ولذلك، لا يمكن تحميل عاصمة واحدة وحدها المسؤولية. فالاستقرار يعتمد على الطريقة التي تنسق بها جميع الأطراف أهدافها وقدراتها واتصالاتها. ويمكن للقوة أن تسهم في ردع العدوان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المفاوضات الضرورية لتسوية الخلافات السياسية التي تغذي التوترات.

أستراليا، محور استراتيجي بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ وشرق آسيا

جغرافيا تتحول إلى ميزة استراتيجية

تحتل أستراليا موقعاً متميزاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فأراضيها تربط بين المجالين البحريين للمحيط الهندي والمحيط الهادئ، فيما تمنحها علاقاتها الاقتصادية وشراكاتها الأمنية وتعاونها مع الدول الجزرية نفوذاً يتجاوز حجم سكانها. وتحافظ كانبيرا على تحالف وثيق مع واشنطن، وتعمل على تطوير التعاون الدفاعي مع طوكيو، وفي الوقت نفسه يتعين عليها الحفاظ على علاقات اقتصادية مهمة مع الصين، التي لا تزال شريكاً تجارياً رئيسياً لها. ويقتضي هذا التعدد في المصالح سياسة خارجية قادرة على الجمع بين الردع والدبلوماسية والقدرة على الصمود الاقتصادي والتعاون الإقليمي.

ويأتي التقارب الاستراتيجي بين أستراليا واليابان في سياق تحول أوسع تشهده الشراكات الأمنية الآسيوية. فلكلا البلدين مصلحة في الحفاظ على الاستقرار البحري، وتأمين الإمدادات، وتحسين القدرة على الاستجابة للأزمات، والحد من بعض مواطن الضعف الصناعي. ويمكن أن يشمل تعاونهما تبادل المعلومات، والتدريب، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، وحماية البنى التحتية، وتطوير سلاسل إمداد أكثر تنوعاً. غير أن تعزيز التعاون لا يعني بالضرورة إنشاء تحالف عسكري مماثل للتحالف الذي يربط كلاً منهما بالولايات المتحدة. فقد يتخذ هذا التعاون أيضاً شكل اتفاقات قطاعية، ومشاورات منتظمة، ومشروعات مشتركة تتلاءم مع المصالح الخاصة بحكومتي البلدين.

لذلك ينبغي التعامل بحذر مع احتمال إبرام معاهدة أمنية بين كانبيرا وطوكيو. فالمقترحات الداعية إلى تقارب أكثر رسمية تعكس نقاشاً استراتيجياً قائماً، لكنها لا تعني أن اتفاقاً قد أُبرم بالفعل أو أن التزاماً قانونياً أصبح نافذاً. ومن شأن أي معاهدة أن تستلزم خيارات سياسية مهمة، تشمل تحديد الالتزامات، والنطاق الجغرافي، وإجراءات التشاور، والعلاقة مع التحالفات القائمة، وكيفية التعامل مع الحالات التي لا تتطابق فيها المصالح الوطنية بصورة كاملة. وقبل إضفاء مزيد من الطابع المؤسسي على تعاونهما، يتعين على البلدين تحديد ما إذا كان اعتماد أداة قانونية جديدة سيحقق قيمة مضافة كافية مقارنة بالآليات الموجودة بالفعل.

سلاسل الإمداد واقتصاد الأمن

لا يقتصر التعاون بين أستراليا واليابان على المسائل العسكرية. فهو يستجيب أيضاً لاعتبار اقتصادي يتمثل في الحد من المخاطر الناجمة عن التركّز المفرط لبعض مصادر الإمداد، ولا سيما في القطاعات الأساسية للتحول في مجال الطاقة، والصناعة المتقدمة، والتكنولوجيات الاستراتيجية. وتمتلك أستراليا موارد طبيعية وطاقوية مهمة، في حين تتمتع اليابان بقدرات صناعية وتكنولوجية ومالية يمكن أن تدعم معالجة هذه الموارد واستخدامها. ويمكن للشراكات المصممة بعناية أن تساعد على تنويع الموردين، وتطوير قدرات المعالجة، وتعزيز استقرار المبادلات التجارية. غير أن نجاحها سيعتمد على حجم الاستثمارات المطلوبة، والظروف التجارية، والقيود البيئية، وتوافر البنى التحتية، والجدوى الاقتصادية لكل مشروع.

اكتسب مفهوم الأمن الاقتصادي أهمية متزايدة لأن الحكومات باتت تدرك أن الاعتماد التجاري المتبادل قد يتحول إلى مصدر هشاشة في أوقات الأزمات. فقد يكون الاقتصاد مندمجاً بعمق في الأسواق العالمية، ومع ذلك يظل معرضاً لانقطاع الإنتاج أو القيود على الصادرات أو الضغوط السياسية. ولا تقتضي الاستجابة بالضرورة إنهاء التجارة مع الصين أو نقل جميع الأنشطة الإنتاجية إلى داخل البلاد. فالاستراتيجية الأكثر واقعية تقوم على تنويع مصادر الإمداد، وتحديد أوجه الاعتماد الأكثر حساسية، وتكوين احتياطيات عندما تبرر الظروف ذلك، وتطوير بدائل في القطاعات التي يمكن أن يؤدي انقطاعها إلى عواقب بالغة الخطورة.

وبالنسبة إلى اليابان وأستراليا، سيتوقف نجاح هذا النهج على قدرتهما على تجنب طرفين متناقضين. يتمثل الأول في اعتبار الاعتماد الاقتصادي مشكلة لا يمكن حلها إلا بقطع شامل للعلاقات مع الصين، بما يفرض تكاليف كبيرة على الشركات والمستهلكين. أما الطرف الثاني فيتمثل في افتراض أن المكاسب التجارية كافية لتحييد المخاطر الاستراتيجية. وتتطلب سياسة تعزيز القدرة على الصمود تحليلاً قطاعياً يستند إلى بيانات قابلة للتحقق، وتقييمات للتكاليف، وفهماً دقيقاً للعواقب المحتملة لأي انقطاع. كما ينبغي أن تأخذ في الحسبان أن التنويع قد ينشئ بدوره أشكالاً جديدة من الاعتماد إذا استند إلى عدد محدود للغاية من الموردين البديلين.

يجب ألا تتحول دول جزر المحيط الهادئ إلى مجرد أدوات في التنافس

لا يقتصر تصاعد التنافس بين القوى الكبرى على طوكيو وبكين وواشنطن وكانبيرا. فدول جزر المحيط الهادئ تتأثر مباشرة بالقرارات المتعلقة بالأمن البحري، والبنى التحتية، والاتصالات، والتمويل، والوصول إلى الموارد. وتسعى حكوماتها إلى جذب الاستثمارات، وتعزيز قدراتها المؤسسية، ومواجهة مواطن ضعف تشمل تغير المناخ، والكوارث الطبيعية، والديون، وتكاليف النقل، ومحدودية الأسواق الداخلية. وفي هذا السياق، فإن تقديم العلاقات الدولية باعتبارها اختياراً إلزامياً بين الصين والولايات المتحدة قد يحد من استقلالية هذه الدول الدبلوماسية ويتجاهل أولوياتها الخاصة.

ولأستراليا واليابان مصلحة في تطوير شراكات مع هذه الدول تحقق نتائج ملموسة، مثل توفير بنى تحتية موثوقة، والتدريب المهني، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على الصمود، وتحسين الاتصال الرقمي، والإدارة المستدامة للموارد البحرية، ودعم القدرات الإدارية. ولا يمكن أن يكون الأمن مستداماً إذا اقتصر على التعاون العسكري وأغفل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد استقرار المجتمعات. فالدولة التي تعاني هشاشة البنى التحتية وارتفاع تكاليف النقل ومحدودية الموارد المتاحة للخدمات العامة تظل عرضة للضغوط الخارجية، أياً كانت طبيعة شراكاتها العسكرية.

ويجب كذلك أن تتمكن الدول الجزرية من تحديد أولوياتها والتفاوض مع شركاء متعددين دون أن تُتهم تلقائياً بخدمة مصالح قوة منافسة. وينبغي للسياسة الإقليمية التي تحترم سيادتها أن تعطي الأولوية لشفافية العقود، وتقييم التكاليف على المدى الطويل، وتعزيز القدرات المحلية، وإشراك المجتمعات المعنية. وإذا أرادت أستراليا واليابان ترسيخ نفوذهما، فلا يمكن أن تقوم ميزتهما على القرب الاستراتيجي من واشنطن وحده. بل يجب أن تُقاس أيضاً بجودة المشروعات التي تعرضانها، واستمراريتها، وقدرتها على تلبية الاحتياجات التي تعبر عنها حكومات المحيط الهادئ ومجتمعاته.

تقارب مفيد ينبغي ألا يتحول إلى منطق الكتل المتنافسة

يمكن لتطوير التعاون الأسترالي الياباني أن يسهم في الاستقرار إذا كانت أهدافه واضحة وظلت أدواته متوافقة مع الالتزامات الدولية للبلدين. فتعزيز المشاورات قد يحسن التنسيق، ويحد من الغموض، ويقوي القدرة على الاستجابة للأزمات. كما يمكن أن يحقق منافع مدنية في مجالات البحث والتكنولوجيا والإغاثة عند الكوارث وحماية البنى التحتية. غير أن الشراكة لا تصبح عاملاً للاستقرار تلقائياً لمجرد أنها تعزز قدرات أعضائها. إذ يتوقف أثرها أيضاً على الطريقة التي تنظر بها الدول الأخرى إليها، وعلى الإشارات السياسية المصاحبة لتنفيذها.

إذا فسرت بكين كل تعاون بين طوكيو وكانبيرا وواشنطن على أنه إطار يستهدف إقصاء الصين بصورة دائمة من النظام الإقليمي، فقد يتصاعد انعدام الثقة وتتقلص فرص الحوار. أما إذا أوضحت الحكومات الشريكة أهدافها، وحافظت على قنوات الاتصال، وأكدت أن تعاونها يستهدف تعزيز الأمن والقدرة على الصمود بدلاً من جعل المواجهة أمراً حتمياً، فإنها تستطيع الحد من مخاطر سوء الفهم. ولا يعني ذلك أن الخلافات الجوهرية ستختفي، بل إن الهدف هو منع نشوء وضع تُفسر فيه كل مبادرة تتخذها مجموعة من الدول تلقائياً باعتبارها استعداداً للمواجهة من جانب المجموعة الأخرى.

وقد تتمثل أهم مساهمة لأستراليا في الاستقرار الإقليمي في الربط بين الشراكات الأمنية وآليات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي. إذ تتمتع كانبيرا بقدرة خاصة على الحوار مع شركاء تختلف مصالحهم وأنظمتهم السياسية، حتى عندما تصبح العلاقات معهم صعبة. ويمكن لليابان أن تقدم موارد صناعية وتكنولوجية ومالية مكملة. وبإمكان البلدين معاً تعزيز الاستعداد لمواجهة الأزمات، مع دعم آليات إقليمية شاملة. وينبغي ألا يكون هدفهما بناء هيكل يجعل الحوار مع الصين مستحيلاً، بل الإسهام في إيجاد بيئة لا يستطيع فيها أي طرف أن يعتقد بصورة معقولة أن الإكراه سيحقق له مكاسب دائمة من دون أن تترتب عليه عواقب مهمة.

الجغرافيا الجديدة للإنفاق العسكري: ما الذي تكشفه الأرقام وما الذي لا تقوله؟

ارتفاع الإنفاق العالمي رغم تباين المسارات الوطنية

تؤكد البيانات التي نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في أبريل 2026، ضمن دراسته Trends in World Military Expenditure, 2025، حقيقة أساسية مفادها أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.887 تريليون دولار في عام 2025، بعد زيادة حقيقية قدرها 2.9% مقارنة بالعام السابق. وكانت هذه الزيادة السنوية الحادية عشرة على التوالي، كما سجل الإنفاق أعلى مستوى رصده المعهد. وخلال العقد الممتد من 2016 إلى 2025، ارتفع الإنفاق العالمي بنسبة 41%. وارتفعت حصة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 2.4% في عام 2024 إلى 2.5% في عام 2025، في حين بلغ متوسط الإنفاق العسكري العالمي للفرد 352 دولاراً. وتعكس هذه الأرقام اتجاهاً بنيوياً يتمثل في تخصيص الحكومات موارد كبيرة للأمن، في ظل بيئة دولية تتسم بالنزاعات، والتنافس بين القوى الكبرى، وعدم اليقين بشأن متانة بعض الالتزامات الدفاعية.

لكن الارتفاع العالمي لا يعني أن جميع الدول تسير في الاتجاه نفسه، ولا أن كل زيادة تعكس استعداداً من النوع ذاته. فقد انخفض الإنفاق الأمريكي بنسبة 7.5% بالقيمة الحقيقية في عام 2025، ليبلغ 954 مليار دولار، ويُعزى ذلك، على وجه الخصوص، إلى تراجع بعض نفقات المساعدات العسكرية التي كانت ممولة باعتمادات استثنائية في السنوات السابقة. وعلى العكس من ذلك، رفعت الصين إنفاقها التقديري بنسبة 7.4% ليصل إلى 336 مليار دولار، بينما خصصت روسيا نحو 190 مليار دولار لجهدها العسكري، بزيادة قدرها 5.9%. وسجلت أوروبا ارتفاعاً بنسبة 14% ليبلغ إنفاقها 864 مليار دولار، في حين ارتفع إنفاق آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 8.1% ليصل إلى 681 مليار دولار. ومن ثم، فإن الإجمالي العالمي يعكس مسارات مختلفة ترتبط بالظروف الوطنية والنزاعات وتصورات التهديد والخيارات المالية، ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد.

أكبر خمسة عشر إنفاقاً عسكرياً في عام 2025

يعرض الجدول التالي تقديرات معهد SIPRI. وتُعبَّر المبالغ بمليارات الدولارات الأمريكية بالأسعار الجارية، أما التغيرات السنوية فتعكس معدلات النمو الحقيقي التي حسبها المعهد بعد احتساب التضخم. وتظل أرقام بعض الدول تقديرية، ولا سيما عندما تكون البيانات العامة غير مكتملة. وتتيح هذه الأرقام إجراء مقارنات مفيدة، لكنها لا تمثل قياساً مثالياً لكل الموارد التي تُخصص فعلياً للدفاع الوطني.

الترتيبالدولةالإنفاق في 2025، بمليارات الدولاراتالتغير السنوي الحقيقي
1الولايات المتحدة954.0−7.5%
2الصين336.0+7.4%
3روسيا190.0+5.9%
4ألمانيا114.0+24.0%
5الهند92.1+8.9%
6المملكة المتحدة89.0−2.0%
7أوكرانيا84.1+20.0%
8المملكة العربية السعودية83.2+1.4%
9فرنسا68.0+1.5%
10اليابان62.2+9.7%
11إسرائيل48.3−4.9%
12إيطاليا48.1+20.0%
13كوريا الجنوبية47.8+2.6%
14بولندا46.8+23.0%
15إسبانيا40.2+50.0%

المصدر: معهد SIPRI، دراسة Trends in World Military Expenditure, 2025، أبريل 2026. وينبغي التعامل مع الأرقام التي حددها المنشور الأصلي بوصفها تقديرات على هذا الأساس.

ويكتسب تركّز الإنفاق أهمية خاصة: إذ تمثل الدول الخمس الأولى، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا والهند، مجتمعةً 58% من الإجمالي العالمي. أما الدول الخمس عشرة الأولى فتستحوذ على نحو 80%. ويكشف هذا التوزيع عن تفاوت كبير بين الموارد المتاحة للقوى الرئيسية وتلك التي تمتلكها الدول ذات الإمكانات المالية المحدودة. لكنه لا يعني أن الدول الخمس الأولى تتمتع بنفوذ متكافئ، أو أن الدول الواقعة في مراتب أدنى تفتقر إلى القدرات الاستراتيجية. فالجغرافيا والتحالفات وجودة المؤسسات والبنى التحتية والقاعدة الصناعية والتكنولوجيا والقدرة على تعبئة الشركاء، كلها عوامل تسهم في تحديد الوزن الفعلي للدولة.

كما ينبغي قراءة الترتيب في سياقه. فالزيادة الألمانية تأتي ضمن التحول في أولويات الدفاع الأوروبية، بينما يرتبط ارتفاع الإنفاق الأوكراني مباشرة بالحرب وحجم الجهد الدفاعي الوطني. أما المسار الياباني فيعكس إعادة تقييم للمخاطر الإقليمية، في حين تندرج الزيادة الصينية ضمن مسار تحديث طويل الأجل. ولذلك قد تعكس نسب الزيادة المتساوية أو المتقاربة أوضاعاً مختلفة جذرياً. فقد تنتج الزيادة السريعة عن انطلاق الإنفاق من قاعدة منخفضة نسبياً، أو عن حالة نزاع، أو عن قرار استثنائي؛ لكنها لا تثبت أن القدرات العسكرية للدولة قد تطورت بالنسبة نفسها.

اليابان والصين في السياق الإقليمي

بلغ الإنفاق العسكري الياباني، وفق تقديرات عام 2025، نحو 62.2 مليار دولار، مسجلاً زيادة حقيقية بنسبة 9.7%. ومثّل هذا الإنفاق نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة تسجلها اليابان منذ عام 1958 وفقاً لمعهد SIPRI. وتندرج هذه الزيادة ضمن تنفيذ برنامج تعزيز الدفاع الذي أُطلق في عام 2022. وهي تعكس رغبة طوكيو في تكييف قدراتها مع بيئة إقليمية تراها أكثر صعوبة، ولا سيما في ظل التوترات حول تايوان والمخاوف المرتبطة بكوريا الشمالية. ومع ذلك، يتطلب تقييم دلالة هذا التحول النظر أيضاً في الموارد المخصصة للسياسات العامة الأخرى، والقيود الديموغرافية، والاحتياجات الاجتماعية، والحدود المؤسسية التي تؤطر الخيارات الدفاعية اليابانية.

أما الصين، التي يُقدَّر إنفاقها العسكري بنحو 336 مليار دولار، فتملك موارد مالية تفوق بكثير ما تمتلكه اليابان. لكن المقارنة القائمة على المبالغ المطلقة وحدها لا تكفي لقياس القدرات النسبية بدقة. فبنية التكاليف، والموارد البشرية، والبنى التحتية، والأولويات التكنولوجية، والاحتياجات الإقليمية، والتوزيع الجغرافي للقوات، كلها عوامل حاسمة. كما ينبغي التمييز بين الإنفاق السنوي والنتائج المتحققة: إذ يمكن للميزانية الكبيرة أن تدعم تحديثاً واسع النطاق، لكن فعاليتها تعتمد على جودة التخطيط والتدريب والتنظيم ومدى توافر القدرات المعنية.

لذلك لا يتمثل التحدي الإقليمي في تحويل الإحصاءات إلى تصنيف مبسط للتهديدات. فالإنفاق مؤشر مفيد إلى الأولويات السياسية والجهد المالي، لكنه لا يكشف بصورة كاملة نيات الحكومات. وقد يمول الدفاع عن الأراضي، أو تحديث البنى التحتية، أو الوفاء بالتزامات دولية، أو تعزيز القدرة على إسقاط القوة خارج الحدود. ويتطلب تفسيره تحليلاً مشتركاً للعقائد الرسمية والقرارات المؤسسية والسلوكيات القابلة للملاحظة والعلاقات الدبلوماسية. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تكتسب هذه المنهجية أهمية أساسية لتجنب أن تؤدي القراءة الكمية وحدها إلى تعميق انعدام الثقة الذي يُفترض أن تساعد البيانات على فهمه.

ثلاثة سيناريوهات لآسيا والمحيط الهادئ: ردع منضبط، أو تجزؤ ممتد، أو أزمة ناجمة عن سوء التقدير

لا تسمح التطورات التي تناولها هذا التقرير بالتنبؤ بيقين بمسار منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المستقبل. فالقرارات السياسية والتغيرات الاقتصادية والانتخابات والحوادث والمفاوضات قد تغير التوقعات بسرعة. لذلك ينبغي للتحليل الاستشرافي المنهجي أن ينظر في عدة سيناريوهات متماسكة، من دون تقديم أي منها بوصفه أمراً حتمياً. ويمكن تنظيم التفكير في ثلاثة مسارات محتملة: تنافس تضبطه آليات الردع والحوار، ومنافسة ممتدة تؤدي تدريجياً إلى تجزئة العلاقات الاقتصادية، وأزمة تنشأ عن خطأ في التقدير أو سلسلة من الحوادث.

السيناريو الأول: ردع منضبط وحوار عملي

في هذه الفرضية الأولى، تواصل الحكومات السعي إلى تحقيق أهدافها الأمنية، لكنها تدرك أن المواجهة المفتوحة ستفرض تكاليف باهظة. وتواصل اليابان تكييف قدراتها الدفاعية في إطار مؤسساتها والتزاماتها القانونية؛ وتحافظ الولايات المتحدة على تحالفاتها وآليات التعاون الإقليمي؛ وتدافع الصين عن مواقفها مع الإبقاء على القنوات الدبلوماسية؛ فيما تعمّق أستراليا شراكاتها من دون التخلي عن مصالحها الاقتصادية. وتستمر الخلافات بشأن تايوان والقضايا البحرية، لكن الأطراف تتجنب القرارات الأحادية التي قد تحول التوتر السياسي إلى أزمة يصعب احتواؤها.

ويتطلب هذا المسار آليات اتصال موثوقة، واتصالات منتظمة بين المسؤولين السياسيين والعسكريين، وقدرة على التمييز بين التصريحات الموجهة إلى الرأي العام والقرارات التي تلزم الحكومات فعلياً. كما يتطلب انضباطاً استراتيجياً يمنع الخلط بين الحزم وإذلال الخصم، وبين التسوية والهزيمة، ويحول دون الاستخدام المنهجي للعلاقات الاقتصادية أدواتٍ للانتقام. ولن يؤدي التعاون إلى إزالة التنافس، لكنه قد يساعد على احتواء آثاره والحفاظ على مساحات للتفاوض.

وستكون المكاسب كبيرة. فاستمرار التجارة سيحد من مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد، وستحصل الشركات على رؤية أوضح لاستثماراتها، كما ستتمكن الحكومات من تخصيص موارد أكبر للابتكار والتعليم والصحة وتعزيز قدرة البنى التحتية على الصمود. ولا يفترض هذا السيناريو أن القوى الكبرى تتبنى رؤية واحدة للنظام الدولي. بل يستند إلى إقرار أكثر محدودية، لكنه أساسي: يمكن إدارة المصالح المتعارضة عندما يدرك كل طرف أن المكاسب المحتملة من التصعيد لا تعوض التكاليف وحالة عدم اليقين التي قد يخلقها.

السيناريو الثاني: تنافس ممتد وتجزؤ اقتصادي تدريجي

في السيناريو الثاني، لا تندلع حرب كبرى، لكن المنافسة بين القوى الكبرى تصبح أكثر رسوخاً في بنية العلاقات الدولية. وتعزز الحكومات سياساتها المتعلقة بالأمن الاقتصادي، وتنّوع الشركات مورديها، وتخضع التكنولوجيات الحساسة لمزيد من القيود. وتواصل الولايات المتحدة والصين واليابان وأستراليا علاقاتها التجارية، لكن المبادلات تصبح أكثر تأثراً بالاعتبارات الاستراتيجية، وضوابط التصدير، والسياسات الصناعية، والمخاوف المرتبطة بالاعتماد على مصادر حيوية. وتصبح سلاسل الإنتاج أكثر تعدداً واحتياطاً، وقد ترتفع تكلفتها أحياناً، لأن الشركات تسعى إلى تقليل مخاطر الانقطاع حتى عندما يؤدي التنويع إلى خفض الكفاءة الاقتصادية على المدى القصير.

ولا يعني هذا التطور بالضرورة نهاية العولمة. بل قد يؤدي إلى عولمة أكثر تجزؤاً، تُنظَّم فيها التدفقات التجارية بصورة متزايدة وفقاً للثقة السياسية، والقرب الاستراتيجي، وأمن الإمدادات. وقد تتمكن الدول القادرة على تمويل بنى تحتية بديلة، وتطوير تكنولوجيات وطنية، والتفاوض مع شركاء متعددين، من الحفاظ على هامش معين للمناورة. أما الاقتصادات الأصغر والأكثر اعتماداً على الواردات، فقد تتحمل حصة غير متناسبة من التكاليف، من دون أن تمتلك الموارد المالية اللازمة لإعادة إنتاج القدرات الصناعية للقوى الكبرى.

وقد تشمل الآثار على الشركات ارتفاع تكاليف الاستثمار، وإطالة آجال الإنتاج، وتزايد المتطلبات التنظيمية. أما الحكومات فستواجه مفاضلات بين القدرة التنافسية والسيادة التكنولوجية والأمن الوطني. وقد يغير هذا التجزؤ أيضاً العلاقات بين الدول النامية والقوى الكبرى، إذ قد تسعى بعض الدول إلى الحصول على استثمارات أو مزايا تجارية مقابل التقارب السياسي. وسيكون السؤال المركزي هو ما إذا كان التنويع يعزز القدرة على الصمود فعلاً، أم أنه يستبدل شكلاً من الاعتماد بآخر. فالاستراتيجية المستدامة تقتضي تقييم المخاطر والتكاليف والمنافع، بدلاً من التعامل مع الاستقلال الاقتصادي باعتباره هدفاً مطلقاً منفصلاً عن القيود العملية.

السيناريو الثالث: أزمة إقليمية ناجمة عن سوء التقدير

يتمثل السيناريو الأكثر خطورة في نشوء أزمة بسبب حادث، أو قرار أسيء تفسيره، أو سلسلة من الإجراءات التي اتُّخذت تحت الضغط. فقد تؤدي عملية عسكرية، أو حادث بحري، أو تصريح سياسي شديد اللهجة، أو قرار متعلق بتايوان إلى رد تعتبره الجهة الأخرى غير متناسب. وقد تسعى كل حكومة عندئذ إلى إثبات حزمها، فيما تضيق فرص التسوية تحت ضغط توقعات الرأي العام والخشية من الظهور بمظهر الضعف. وهكذا قد يصبح وضع بدأ محدوداً أكثر صعوبة في السيطرة عليه، لا بالضرورة لأن الأطراف سعت إلى مواجهة شاملة، بل لأن القرارات المتعاقبة قد تحاصرها داخل ديناميكية تصعيدية.

وستتوقف العواقب على طبيعة الأزمة ومدتها، لكن المخاطر ستكون كبيرة على المنطقة بأكملها. فقد تتعطل حركة النقل البحري، وتعاد مراجعة تقديرات المخاطر في الأسواق المالية، وتعلق الشركات بعض استثماراتها، وتتبنى الحكومات تدابير طارئة. كما قد تتأثر المبادلات التكنولوجية وإمدادات الطاقة وحركة السلع الأساسية. وحتى الدول التي لا تشارك مباشرة في الأزمة ستتعرض لعواقب اقتصادية، ولا سيما إذا كانت وارداتها تعتمد على طرق أو موردين يتركزون في شرق آسيا.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذا السيناريو وبين التنبؤ. فلا يوجد ما يبرر الجزم بأن أزمة كبرى أمر حتمي، كما أن تعزيز الدول لقدراتها الدفاعية لا يثبت أنها ترغب في نشوب نزاع. وتقوم الوقاية تحديداً على التعرف إلى المخاطر قبل تحققها. ويمكن لقنوات الاتصال، وإجراءات إدارة الحوادث، والشفافية حيثما أمكن، واستمرار الاتصالات الدبلوماسية أن تقلل احتمال التصعيد. ويجب أن تدعم هذه الآليات قيادة سياسية قادرة على مقاومة إغراء تقديم استعراض القوة على حساب السيطرة على عواقبه.

المؤشرات التي ينبغي مراقبتها لفهم المسار الإقليمي

لتحديد السيناريو الذي تقترب منه المنطقة، ينبغي مراقبة القرارات الفعلية بدلاً من الاعتماد على التصريحات السياسية وحدها. وتشمل المؤشرات الأولى تطور ميزانيات الدفاع والعقائد العسكرية، وآليات التعاون بين اليابان والولايات المتحدة وأستراليا، والتدابير التي تتخذها بكين حول تايوان وفي المناطق البحرية المتنازع عليها. كما ستوفر اللقاءات الدبلوماسية، والاتصالات العسكرية، وإجراءات منع الحوادث، وقدرة الحكومات على توضيح نياتها، مؤشرات مهمة. ويمكن أن يرتفع الإنفاق العسكري بالتوازي مع نشاط دبلوماسي مكثف؛ وعلى العكس، قد تخفي فترة من الهدوء الظاهري تراجعاً في الثقة إذا ضعفت آليات الاتصال.

وستكون المؤشرات الاقتصادية بالقدر نفسه من الأهمية. وينبغي متابعة القيود التجارية والتكنولوجية، وتنويع سلاسل الإمداد، وتكاليف النقل البحري، وأقساط التأمين، والاستثمارات في القطاعات الحساسة، وقرارات الشركات بشأن وجودها في المنطقة. وقد يشير تراكم القيود إلى تجزؤ أعمق، بينما يمكن لاتفاقات التعاون وآليات الشفافية أن تحد من آثار التنافس. ومع ذلك، لن يكون أي مؤشر منفرد كافياً لإثبات اتجاه نهائي؛ إذ تتطلب الاستنتاجات الأكثر متانة النظر في تفاعل المؤشرات، واستمرارها، ومدى اتساقها مع القرارات السياسية.

ويجب أن يظل التحليل الاستشرافي منفتحاً على الأحداث غير المتوقعة. فقد يؤدي تغير السياق الاقتصادي العالمي، أو تبدل القيادة، أو نجاح وساطة دبلوماسية، أو تحول في الأولويات الوطنية إلى تعديل المسار الإقليمي. ومن ثم، لا تكمن جودة التحليل في إعلان مستقبل واحد، بل في تحديد الظروف التي تجعل كل سيناريو أكثر احتمالاً، والإشارات التي تسمح باكتشافه، والتدابير التي يمكن أن تحد من عواقبه السلبية. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول التي لا تمتلك وسائل التأثير المباشر في القرارات الاستراتيجية الكبرى، لكنها تحتاج إلى استباق انعكاساتها.

التداعيات العالمية: التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن الاقتصادي

سلاسل الإمداد في مواجهة المخاطر الجيوسياسية

لا يمكن تحليل التنافس بين الصين والولايات المتحدة واليابان وشركائها بمعزل عن طريقة تنظيم الاقتصاد العالمي. فشبكات الإنتاج تربط الشركات والموردين ومراكز البحث والبنية التحتية للنقل والأسواق الموزعة على قارات متعددة. وقد يعتمد منتج يُصنَّع في بلد ما على مكونات صُممت في بلد آخر، ومواد أولية استُخرجت من بلد ثالث، ومعدات يتركز إنتاجها في عدد محدود من المواقع. وقد أسهم هذا التخصص في خفض بعض التكاليف وزيادة الإنتاجية، لكنه أوجد أيضاً أشكالاً من الاعتماد المتبادل تتضح خطورتها بصورة خاصة عندما تتدهور العلاقات السياسية.

وقد تؤدي أزمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى اضطراب هذه الشبكات من خلال آليات متزامنة متعددة، منها تعطل النقل، وارتفاع تكاليف التأمين، وفرض قيود على الصادرات، والعقوبات، والإغلاق المؤقت للمنشآت، أو القرارات الاحترازية التي تتخذها الشركات. ولن تقتصر التداعيات بالضرورة على القطاعات المرتبطة مباشرة بالدفاع. فقد تتأثر أيضاً الإلكترونيات والاتصالات وصناعة السيارات والمعدات الطبية وتقنيات الطاقة إذا أصبح الحصول على المكونات أو المواد الضرورية أكثر صعوبة. وستحدد مدة الاضطرابات وحجم المخزونات المتاحة والقدرة على اللجوء إلى موردين بديلين جانباً كبيراً من الأثر الاقتصادي.

وهكذا تواجه الحكومات تحدياً في مجال السياسة الصناعية: كيف يمكن الحد من الاعتماديات الحرجة من دون تحمل تكاليف مفرطة أو تقويض مزايا التجارة الدولية؟ يمكن للتنويع الموجَّه أن يعزز القدرة على الصمود، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمكونات يصعب استبدالها أو بمنتجات ضرورية لاستمرار عمل البنية التحتية. غير أن نقل الإنتاج على نطاق واسع إلى الداخل قد يرفع تكاليف التصنيع، ويضعف المنافسة، ويتطلب موارد عامة كبيرة. وتعتمد الاستجابة الأكثر فاعلية على تقييم دقيق للمخاطر، ومدى توافر البدائل، والأهمية الاقتصادية أو الاجتماعية لكل سلسلة إمداد.

التكنولوجيا وأشباه الموصلات والسيادة الصناعية

أصبح التنافس التكنولوجي أحد أبرز ميادين التنافس بين القوى الكبرى. وتؤدي أشباه الموصلات ومعدات التصنيع والبرمجيات المتقدمة والبنية التحتية الرقمية وقدرات معالجة البيانات دوراً أساسياً في الإنتاجية الصناعية والبحث العلمي وتطوير العديد من التقنيات المعاصرة. ويؤدي التركز الجغرافي لبعض مراحل الإنتاج إلى تعريض الاقتصاد العالمي لمخاطر خاصة عندما تؤثر التوترات السياسية في التجارة أو الاستثمار. ولا يقتصر السؤال على تحديد البلد الذي يصنع مكوناً معيناً، بل يشمل أيضاً معرفة أماكن وجود الخبرات والمعدات والمواد الأولية والبرمجيات والبنية التحتية الضرورية لإنتاجه.

تمتلك اليابان نقاط قوة صناعية وتكنولوجية مهمة في بعض حلقات سلاسل القيمة، بينما تسعى الصين إلى تعزيز قدراتها الوطنية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى امتلاك زمام بعض التقنيات باعتباره مسألة تتعلق بالتنافسية والأمن القومي. ويمكن لهذه السياسات أن تدعم البحث والتنويع، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى توترات عندما تقيد الوصول إلى الأسواق أو المعدات أو الخبرات. وينبغي تقييم فاعليتها استناداً إلى النتائج الفعلية والتكاليف والتأثيرات في التعاون العلمي والاقتصادي.

ولا تعني الاستقلالية التكنولوجية بالضرورة الاكتفاء الذاتي الكامل. ففي قطاعات عديدة، يعتمد الإنتاج على تعاون دولي معقد وعلى خبرات موزعة بين بلدان متعددة. وقد يصبح السعي إلى إزالة جميع أشكال الاعتماد مكلفاً للغاية، بل غير واقعي أحياناً. وتتمثل السياسة الأكثر متانة في تحديد مواطن الضعف الحرجة، والحفاظ على قدرات بديلة، وتنويع الموردين، والاستثمار في التدريب والبحث والبنية التحتية. كما ينبغي وضع قواعد شفافة تحول دون تحول القيود الأمنية إلى أداة عامة للحمائية أو وسيلة لتقييد المنافسة بصورة تعسفية.

الطاقة والنقل البحري وهشاشة الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد

يمثل أمن الطاقة بُعداً أساسياً آخر من أبعاد التنافس الآسيوي. فالاقتصادات المندمجة بقوة في التجارة البحرية تعتمد على استمرار طرق النقل لضمان وصول الطاقة والمواد الأولية والسلع المصنعة. وقد تؤدي أزمة في الممرات البحرية لشرق آسيا إلى تغيير مسارات السفن ووقوع تأخيرات وارتفاع التكاليف اللوجستية، حتى إن لم تتعرض منشآت الإنتاج لأي أضرار مباشرة. وستعتمد الآثار على مدة الاضطرابات والمسارات المتأثرة والقدرة المتاحة للموانئ والقرارات التي يتخذها مشغلو النقل وشركات التأمين.

وستكون التداعيات أكثر حساسية بالنسبة إلى الاقتصادات التي تمتلك احتياطيات محدودة أو هامشاً مالياً ضيقاً أو اعتماداً مرتفعاً على الواردات. فقد تنتقل الزيادة في تكاليف الطاقة إلى النقل والإنتاج الزراعي والخدمات والكهرباء وأسعار السلع الاستهلاكية. وقد تضطر الشركات الأكثر هشاشة إلى تقليص نشاطها أو تحميل المستهلكين التكاليف الإضافية، بينما قد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى زيادة بعض النفقات العامة أو تعديل أولويات الميزانية. ولن تكون الآثار متطابقة بين البلدان؛ إذ ستتوقف، من بين عوامل أخرى، على مزيج مصادر الطاقة، وتنوع الموردين، وهيكل الواردات، وقدرة المؤسسات على امتصاص الصدمات.

ولذلك ينبغي تصميم القدرة على الصمود في مجال الطاقة بوصفها سياسة طويلة الأمد. ويتطلب ذلك تنويع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتعزيز البنية التحتية للتخزين عندما يكون ذلك مبرراً اقتصادياً، وتطوير مصادر طاقة تتلاءم مع الموارد والاحتياجات المحلية. ويمكن للشراكات الدولية أن تسهم في تحقيق هذا الهدف، لكنها لا تحل محل التخطيط الوطني. وستكون الدول التي تستبق المخاطر، وتنشر بيانات موثوقة، وتطور آليات للتنسيق، أكثر قدرة على الحد من آثار الأزمات الخارجية.

منطقة الكاريبي وهايتي في مواجهة تنافس القوى الكبرى

لا ينبغي لدول الكاريبي أن تنظر إلى التنافس بين واشنطن وبكين باعتباره مجرد مواجهة دبلوماسية بعيدة. فقد تظهر آثاره في تمويل البنية التحتية، وشروط الوصول إلى الأسواق، والاستثمارات في الموانئ، وتقنيات الاتصالات، وإمدادات الطاقة، والعلاقات التجارية. ومن مصلحة البلدان الكاريبية تطوير شراكات متنوعة، وتقييم الالتزامات المالية على المدى الطويل، والحفاظ على قدرتها على اتخاذ القرار. ولا يعني التنويع رفض التعاون مع قوة كبرى، بل يعني أن تستند الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية إلى الاحتياجات الوطنية وشفافية العقود والمصلحة العامة.

وتواجه هايتي هذه الضرورة بصورة خاصة. فهشاشة البنية التحتية، والقيود المفروضة على المالية العامة، وضعف سلاسل الإمداد، والحاجة إلى تعزيز القدرات الإنتاجية، كلها عوامل تحد من هامش استجابتها للصدمات الدولية. ولن تؤدي أزمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تلقائياً إلى تعطيل مباشر لكل واردات هايتي، لكنها قد تسهم في رفع بعض التكاليف أو تعقيد الحصول على منتجات تعتمد على سلاسل إنتاج عالمية شديدة التركز. لذلك، سيكون من غير الحكيم الإعلان عن آثار رقمية محددة من دون بيانات دقيقة عن طرق التجارة والموردين وهيكل الواردات. ومع ذلك، فمن المعقول والضروري إدراج مخاطر الاضطرابات الدولية في التخطيط الاقتصادي وسياسات ضمان الإمدادات.

وينبغي أن تندرج الاستجابة الهايتية ضمن استراتيجية أوسع للتنمية البشرية والسيادة الاقتصادية. ويمكن لتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية وتحديث البنية التحتية وتحسين الخدمات اللوجستية والاستثمار في التدريب وتنويع الشركاء أن يحد من بعض مواطن الضعف. كما يكتسب التعاون الإقليمي أهمية كبيرة، لأن عدداً من اقتصادات الكاريبي يواجه قيوداً متشابهة في النقل والطاقة والتمويل والتعرض للصدمات الخارجية. ويمكن لصوت إقليمي أكثر تنسيقاً أن يسهل تبادل المعلومات وآليات التعاون وأن يعزز مراعاة مصالح الدول الصغيرة في المناقشات الدولية.

ويتمثل التحدي الأساسي في عدم الخلط بين الاستقلالية والعزلة. فلا تستطيع أي دولة إزالة جميع أشكال اعتمادها في اقتصاد معولم، لكن بإمكان كل دولة أن تفهم هذه الاعتماديات على نحو أفضل، وأن تنوع المخاطر، وأن تعزز قدرتها على اتخاذ القرار. وبالنسبة إلى هايتي وسائر دول الكاريبي، ينبغي أن تستند السياسة الخارجية المتماسكة إلى أولويات واضحة، وإدارة قادرة على تقييم الاتفاقات، ومؤسسات تتحمل مسؤولية الخيارات التي تتخذها. ويمكن للقوى الكبرى أن تعرض التمويل والشراكات والتكنولوجيا، لكن تحديد الشروط التي تجعل هذه العروض خادمة لأهداف التنمية يظل من مسؤولية الدول المستفيدة.

رؤية CPGNNews | لا يمكن للكاريبي أن يبقى متفرجاً على عالم يعيد رسم موازين القوى

يذكّر التنافس بين اليابان والصين والولايات المتحدة وشركائها بحقيقة لا تستطيع الاقتصادات الصغيرة تجاهلها: فالقرارات التي تتخذها القوى الكبرى كثيراً ما تتجاوز آثارها الحدود الجغرافية التي صدرت فيها. وقد تؤثر أزمة في مضيق تايوان في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وتكاليف النقل البحري وشروط تمويل الشركات. كما يمكن للتفتت المستدام للتجارة العالمية أن يغير الاستثمارات والعلاقات الصناعية وإمكانية الوصول إلى تقنيات معينة. ولن تكون هذه الآثار متطابقة أو تلقائية، لكنها تؤكد أن الهشاشة الاقتصادية تعتمد أيضاً على عوامل خارجية لا تستطيع أي حكومة التحكم فيها بالكامل.

ويفرض هذا الواقع على منطقة الكاريبي تفكيراً يتجاوز الاصطفافات الدبلوماسية. إذ ينبغي لدول المنطقة أن تتمكن من إقامة علاقات مع الولايات المتحدة والصين واليابان وأستراليا وأوروبا وشركاء آخرين، من دون اختزال كل تعاون في الاختيار بين كتل متنافسة. غير أن هذه الحرية تتطلب مؤسسات قادرة على تقييم المشاريع، والتفاوض على شروط متوازنة، والإعلان عن الالتزامات المالية طويلة الأمد. ولا يكون تنويع الشركاء ذا معنى إلا إذا ترافق مع تنويع القدرات المحلية، بما يشمل الإنتاج والمهارات والبنية التحتية والبحث والتعليم وجودة الحوكمة.

وفي هذا السياق، ينبغي لهايتي أن تتعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها مجالاً يتطلب استعداداً تقنياً ومؤسسياً مستداماً. فلا يمكن اختزال الأمن الاقتصادي في الاستجابة لارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات. إنه يتطلب معرفة الاعتماديات، وسياسة تجارية متماسكة، وتنسيقاً أفضل بين المؤسسات العامة، وقدرة على تحديد القطاعات التي يشكل استمرار عملها شرطاً أساسياً لعمل الدولة. كما يتطلب دبلوماسية تدافع عن المصالح الوطنية بالاستناد إلى بيانات موثوقة وأهداف صريحة، لا إلى تقاربات رمزية تفتقر إلى استراتيجية طويلة الأمد.

ويكتسب دور وسائل الإعلام ذات المصلحة العامة أهمية مماثلة. فالتغطية الدولية الجيدة ينبغي أن تشرح علاقات القوة من دون إعادة إنتاج الخطابات الرسمية بصورة آلية، وأن تميز الوقائع عن التفسيرات، وأن تبرز التداعيات الإنسانية والاقتصادية للقرارات الاستراتيجية. كما ينبغي أن تساعد المجتمعات ذات الموارد الدبلوماسية أو الاقتصادية المحدودة على فهم كيفية تأثير التحولات العالمية في خياراتها. ولا ينبغي حصر المعلومات الدولية في العواصم الكبرى أو الأسواق المالية أو المؤسسات المتخصصة؛ بل يجب أن تسهم في تعزيز قدرة المواطنين وصانعي القرار على الاستشراف ومقارنة الخيارات ومناقشة المصلحة الجماعية.

ولا تستطيع منطقة الكاريبي وحدها تحديد مسار العلاقات بين واشنطن وبكين، كما لا تستطيع منع أزمة إقليمية في شرق آسيا. لكنها تستطيع تعزيز قدرتها على فهم التداعيات والدفاع عن مصالحها وتطوير شراكات تقلل مواطن ضعفها. وبالنسبة إلى هايتي، يتطلب هذا الطموح جعل التعليم والمعرفة والقدرة على الصمود الاقتصادي وجودة المؤسسات أولويات استراتيجية. فالهدف ليس اختيار معسكر في كل تنافس عالمي، بل الحفاظ على حرية القرار الضرورية لتحقيق تنمية مستدامة تحفظ الكرامة.

وانطلاقاً من الكاريبي وانفتاحاً على العالم، تسعى CPGNNews إلى الإسهام في فضاء إعلامي لا يُحكم على أي منطقة فيه بالبقاء متفرجة على مستقبلها.

تحدي القرن الحادي والعشرين: تعزيز الأمن من دون جعل الصراع حتمياً

يعكس تعزيز اليابان لقدراتها العسكرية، وتحديث الصين لقواتها المسلحة، وإعادة تأكيد الولايات المتحدة لأولوياتها، والتقارب الاستراتيجي بين طوكيو وكانبيرا، تحولاً عميقاً في البيئة الدولية. فقد أصبحت منطقة آسيا والمحيط الهادئ فضاءً تتداخل فيه السيادة والتكنولوجيا والتجارة والطاقة والأمن، ويعزز كل منها تأثير الآخر. وستترتب على القرارات المتخذة في هذه المنطقة آثار على الاقتصاد العالمي والتوازنات الدبلوماسية وقدرة الدول على الحفاظ على استقلاليتها في نظام دولي يزداد تنافساً. وتظل ذاكرة عام 1945 حاضرة، لكن لا ينبغي استخدامها لإصدار إدانة تاريخية للمجتمعات المعاصرة. بل ينبغي أن تذكّر بكلفة الأخطاء السياسية وهشاشة التوازنات وضرورة التمييز بين الدفاع المشروع عن المصالح الوطنية وإغراء فرض الإرادة بالقوة.

يجب أن تتمكن اليابان من تكييف قدراتها الدفاعية مع بيئتها الاستراتيجية، مع الحفاظ على القيود الدستورية والمساءلة الديمقراطية والحذر الدبلوماسي التي تشكل هويتها السياسية بعد الحرب. ويحق للصين الدفاع عن مصالحها الأمنية، لكن قوتها لا تمنحها حقاً غير محدود في تحديد مستقبل جيرانها. وينبغي للولايات المتحدة الحفاظ على مصداقية التزاماتها من دون إغفال أثر قراراتها في ثقة شركائها. أما أستراليا وسائر دول المنطقة، فمن مصلحتها تطوير شراكات تعزز قدرتها على الصمود من دون اختزال علاقاتها الدولية في منطق الكتل المتنافسة. ولا يمكن تحقيق أي من هذه الأهداف على نحو مستدام إذا جرى التضحية بآليات الحوار لصالح استعراض القوة.

وتتركز في قضية تايوان مخاطر كثيرة من هذه المرحلة، لكنها لا تختزل مجمل العلاقات بين القوى الكبرى. فسلاسل الإمداد وأمن الطاقة والتقنيات المتقدمة والبنية التحتية البحرية مجالات أخرى يتعايش فيها التعاون والتنافس. وينبغي لسياسة واقعية أن تقر بأن الدول قد تكون متنافسة في قطاعات وشريكة في قطاعات أخرى. وسيكون الفصل الاقتصادي الكامل مكلفاً وصعب التحقيق، غير أن الاعتماد المتبادل الشامل من دون آليات للحماية من المخاطر الحرجة قد يتحول بدوره إلى مصدر للهشاشة. ويتمثل المسار الأكثر استدامة في تنويع الاعتماديات الأساسية، وتحسين الشفافية، والحفاظ على آليات تعاون تحد من تداعيات الأزمات.

ولن يتحدد مستقبل آسيا والمحيط الهادئ بالميزانيات العسكرية أو القوة الاقتصادية وحدهما. بل سيتوقف أيضاً على جودة القرارات السياسية، وقدرة القادة على ضبط تصريحاتهم، ومتانة المؤسسات، واستعدادهم للاعتراف بحدود الإكراه. ويمكن للردع أن يقلل بعض المخاطر، لكنه لا يحل محل الدبلوماسية أو الثقة اللازمة لإدارة الخلافات. ولا تعني الاستقرار غياب التنافس، بل تعني أن يجري احتواء التنافس ضمن إطار لا تقود فيه المصالح المتعارضة تلقائياً إلى التصعيد.

وبالنسبة إلى الاقتصادات الصغيرة، ولا سيما في منطقة الكاريبي، يمثل هذا التحول خطراً ودعوة إلى الاستعداد في آن واحد. فقد لا تمتلك هذه الاقتصادات وسائل التأثير المباشر في قرارات القوى الكبرى، لكنها تستطيع تحسين فهمها للاعتماديات وتنويع شراكاتها والاستثمار في القدرات التي تعزز استقلاليتها. وينبغي لهايتي، على وجه الخصوص، أن تجعل الصمود الاقتصادي والتدريب والبنية التحتية وجودة المؤسسات مكونات أساسية لاستراتيجية وطنية طويلة الأمد. ففي عالم مترابط، لا تُقاس السيادة بحرية إعلان الخيارات وحدها، بل أيضاً بالقدرة على تنفيذها وتحمل تبعاتها وحماية السكان من الصدمات الخارجية.

ومن ثم، لا تتمثل نقطة التحول التاريخية الحقيقية في آسيا والمحيط الهادئ في مجرد عودة القوة العسكرية إلى صدارة المشهد. بل تتمثل في قدرة المجتمعات والحكومات على تقرير ما إذا كان التنافس سيصبح المبدأ المهيمن على علاقاتها، أم يمكن إخضاعه لمؤسسات وقواعد وآليات للحوار. ولا ينبغي لأشباح عام 1945 أن تملي المستقبل، لكنها يجب أن تذكّر بكلفة الفشل السياسي. ولا يكمن التحدي في إنكار التنافسات، ولا في المثالية بشأن نوايا القوى الكبرى، بل في ضمان ألا يؤدي السعي المشروع إلى الأمن، بفعل تراكم الشكوك وأخطاء الحساب، إلى إنتاج انعدام الأمن الذي يزعم كل طرف أنه يريد تجنبه.

المصادر والمراجع الوثائقية

  1. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). Trends in World Military Expenditure, 2025، أبريل 2026. المصدر الرئيسي للبيانات المقارنة المتعلقة بالإنفاق العسكري العالمي والوطني والإقليمي.
    https://www.sipri.org/publications/2026/sipri-fact-sheets/trends-world-military-expenditure-2025
  1. SIPRI. Global military spending rise continues as European and Asian expenditures surge، بيان صحفي بتاريخ 27 أبريل 2026. عرض للاتجاهات الرئيسية المسجلة في عام 2025.
    https://www.sipri.org/media/press-release/2026/global-military-spending-rise-continues-european-and-asian-expenditures-surge
  1. SIPRI. SIPRI Yearbook 2026, Summary. بيانات إضافية عن الإنفاق العسكري وتوزيعه على مستوى العالم.
    https://www.sipri.org/sites/default/files/2026-06/yb26_summary_en_1.pdf
  1. اليابان. دستور اليابان، ولا سيما المادة التاسعة؛ والوثائق الاستراتيجية الوطنية الصادرة في عام 2022، ومنها استراتيجية الأمن القومي، واستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية.
  1. الأمم المتحدة. ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المبادئ المتعلقة بالتسوية السلمية للنزاعات وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها.
  1. مصادر مؤسسية ودبلوماسية تكميلية. الوثائق الرسمية الصادرة عن حكومات اليابان والصين والولايات المتحدة وأستراليا بشأن سياساتها الأمنية وعلاقاتها الثنائية ومواقفها من استقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ملاحظة تحريرية: النفقات العسكرية المعروضة لعام 2025 هي تقديرات نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في أبريل 2026. الاستنتاجات الاستشرافية في هذا التقرير هي مجرد تحليلات وليست تنبؤات مؤكدة. قبل النشر، يجب مطابقة التصريحات السياسية المؤرخة في عامي 2025 و2026، وأحدث التطورات الدبلوماسية، وأي إعلانات عن اتفاقيات بين الحكومات مع الوثائق والمصادر الأولية المقابلة لها.

Yvon Bonhomme
Editor-in-Chief
CaribPulse Global News Network

وُلد في الكاريبي، ومنفتح على العالم!

CPGNNews Strategic Report SR-002/2026 | أكتوبر 2026

© CPGNNews. جميع الحقوق محفوظة.

You may also like

Leave a Comment