Animation Anglais
Animation Arabe
Home العربية | Arabeإسرائيل وإيران: عندما يصبح العدو هو النظام

إسرائيل وإيران: عندما يصبح العدو هو النظام

الحرب والذكاء الاصطناعي والنظام الإقليمي الجديد: مساهمة من منطقة الكاريبي في النقاش الدولي حول مستقبل الشرق الأوسط. هل يستطيع الشرق الأوسط بناء ميثاق شامل للقرن الحادي والعشرين؟

0 comments

ملف جيوسياسي دولي شامل

بقلم Yvon BONHOMME

باحث مستقل، وكاتب مقالات فكرية، ومحلل جيوسياسي، ومتخصص في الحوكمة رئيس التحرير، CPGNNews

CPGNNews — إعلام دولي مستقل لخدمة الصالح العام │ البحث • الاستقصاء • التحليل • الصحافة

وُلد في منطقة البحر الكاريبي، ومنفتح على العالم!

الشرق الأوسط عند منعطف تاريخي

تحدث في تاريخ المناطق أحيانًا لحظات يصبح فيها ضجيج السلاح حاجبًا للطبيعة الحقيقية للتحول الجاري. تحتل المواجهات شاشات الأخبار، وتتوالى التصريحات الرسمية، وتُعاد مراجعة التحالفات، وتتفاعل الأسواق مع كل تصعيد جديد. غير أن تحولًا أعمق قد يكون جاريًا خلف مظاهر الاستعجال العسكري. فهو يتعلق بالطريقة التي تحدد بها الدول مصالحها، وتبني تحالفاتها، وتنظم أمنها، وتتصور مستقبلها. ويواجه الشرق الأوسط اليوم هذه الحقيقة المزدوجة: أزمة آنية ذات عواقب إنسانية واقتصادية جسيمة، وإعادة تشكّل استراتيجي قد تتجاوز آثاره مدة القتال بكثير.

يمثل الصراع بين إسرائيل وإيران إحدى البؤر الرئيسية لهذا التحول، لكن لا يمكن فهمه بمعزل عن النظامين الإقليمي والدولي اللذين ينتمي إليهما البلدان. فالولايات المتحدة، وممالك الخليج، وتركيا، والقوى الأوروبية، وروسيا، والصين، كلها أطراف تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بيئة تتشابك فيها الروابط بين الأمن العسكري، وإمدادات الطاقة، والممرات البحرية، والبنى التحتية الرقمية، والتوازنات الدبلوماسية. وتضاف إلى هذه العوامل أزمات المياه، والقيود المناخية، والأمن الغذائي، وهشاشة الشبكات الضرورية للحياة اليومية. وهكذا يكشف الصراع عن ترابط متبادل يجعل من الصعب على نحو متزايد النظر إلى الأمن من منظور وطني صرف.

يشكل عام 2026، في هذا السياق، محطة بالغة الأهمية. فقد بدأت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، وأدت إلى مواجهة امتدت تداعياتها إلى ما هو أبعد بكثير من الأراضي الإيرانية. وأسهمت الردود العسكرية، والتوترات مع عدد من دول الخليج، والاضطرابات التي طالت النقل البحري، وحالة عدم اليقين المحيطة بالمفاوضات، في تحويل الأزمة العسكرية إلى اختبار لمنظومة البيئة الاستراتيجية الإقليمية بأكملها. ولم يؤدِّ وقف إطلاق النار المؤقت الذي تحقق في يونيو إلى تسوية مستدامة، كما استؤنفت الضربات المتبادلة. وتكتسب هذه التسلسلات الزمنية أهمية خاصة لأنها تذكرنا بأن الأزمات لا تقتصر على تعاقب الحوادث، بل قد تغيّر حسابات الأطراف، وتعزز منطق انعدام الثقة، وتجعل العودة تدريجيًا إلى الوضع السابق أكثر صعوبة.

وحتى 12 أكتوبر 2026، لا تزال الجهود الدبلوماسية مستمرة عبر قنوات متعددة، ولا سيما من خلال قطر وباكستان، من دون التوصل إلى اتفاق مستدام يحسم الخلافات الجوهرية. ولا تزال إعادة فتح مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة فيه في صميم المناقشات، في حين تواصل الخلافات بشأن موقع البرنامج النووي الإيراني ضمن المفاوضات تعقيد مساعي التوصل إلى تسوية توافقية. ولذلك، فإن محاولات إحياء المسار الدبلوماسي لا تعني أن الأزمة أصبحت تحت السيطرة، ولا أن الأطراف باتت قريبة من تسوية نهائية. بل تشير إلى أن الأطراف، حتى مع استمرار المواجهة العسكرية، تسعى إلى الحفاظ على مساحات للتفاوض تفاديًا لتصعيد قد تصبح تكلفته أعلى بكثير. \

يجسد مضيق هرمز هذا الترابط المتبادل بوضوح خاص. فهو ممر استراتيجي لنقل المحروقات على مستوى العالم، ولا يمثل مجرد ممر بحري عادي. إذ يرتبط أمنه بالدول المنتجة، والاقتصادات المستوردة، وشركات النقل، وشركات التأمين، والأسواق المالية، والسكان الذين تتأثر تكلفة معيشتهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باستقرار إمدادات الطاقة. ويمكن لأي اضطراب طويل الأمد أن ينتقل من قطاع إلى آخر، فيؤثر في الأسعار، ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ويضعف دولًا بعيدة عن مسرح العمليات. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير المؤشرات التي تدل على تعافي بعض تدفقات الطاقة باعتبارها عودة إلى وضع طبيعي ومستقر؛ فالهجمات على السفن، والتهديدات المستمرة، والتوترات العسكرية لا تزال تجعل هذا التعافي عرضة للانتكاس. \

ولفهم عمق الأزمة الراهنة، لا بد أيضًا من العودة إلى تاريخ العلاقات بين إسرائيل وإيران. فالت العداء  القائم بينهما اليوم ليس معطًى ثابتًا في تاريخهما. قبل الثورة الإيرانية عام 1979، أقام البلدان علاقات واسعة، وإن اتسمت في كثير من الأحيان بالسرية والتحفظ، واستندت خصوصًا إلى مصالح استراتيجية مشتركة. وكان نظام الشاه يرى في هذا التعاون وسيلة لتعزيز بعض قدراته، وتنويع شراكاته، واحتواء تهديدات إقليمية. أما إسرائيل، فكانت تبحث عن شركاء في بيئة ظل فيها موقعها الدبلوماسي شديد الصعوبة. ولم تُلغِ تلك العلاقة جميع أوجه الخلاف بين الدولتين، لكنها أثبتت أن الترتيبات الجيوسياسية يمكن أن تختلف اختلافًا جذريًا عن الصورة التي ترسخت بعد عام 1979.

وتتيح وثيقة تاريخية قياس مدى هذا التعاون بصورة ملموسة. ويتعلق الأمر بمذكرة أعدها مكتب الاستخبارات الراهنة التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بتاريخ 29 مايو 1975، ونُشرت ضمن المجموعة الوثائقية Foreign Relations of the United States, 1969–1976 الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية. وتعرض الوثيقة اتساع نطاق العلاقات بين طهران وتل أبيب، ولا سيما في المجالات الدبلوماسية والنفطية والعسكرية والزراعية والتقنية. كما تشير إلى الطابع الحذر لهذا التعاون، إذ ظلت بعض جوانبه بعيدة عن الأنظار العامة. وينبغي تقديم هذا المصدر وفق طبيعته الحقيقية: فهو تحليل أمريكي معاصر لتلك المرحلة، يفيد في فهم المصالح الاستراتيجية آنذاك، لكنه لا يقدم تفسيرًا شاملًا لجميع الدوافع الإيرانية أو الإسرائيلية. ومع ذلك، فإنه يذكّرنا بحقيقة أساسية مفادها أن التحالفات والخصومات ليست تصنيفات أبدية، بل تتغير بتغير الأنظمة، وتصورات التهديد، وحسابات القوة. \

لقد أحدثت الثورة الإيرانية تحولًا عميقًا في هذا التوازن. فقد جعلت إيران تدريجيًا من معارضتها لإسرائيل عنصرًا محوريًا في خطابها الاستراتيجي وتصورها للنظام الإقليمي، في حين اعتبرت إسرائيل الجمهورية الإسلامية تهديدًا رئيسيًا لأمنها. وعلى مدى العقود التالية، تجذرت هذه المواجهة في العقائد العسكرية، والشراكات الإقليمية، والمنظومات الاستخباراتية، واستراتيجيات الردع. وأسهمت المواجهات المباشرة، والعمليات غير المباشرة، والتنافس حول القدرات النووية والصاروخية الباليستية، والتوترات التي شملت أطرافًا حليفة أو شريكة، في ترسيخ حالة مستدامة من انعدام الثقة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا التطور في مسار آلي محتوم؛ فالقرارات التي يتخذها القادة، وموازين القوى، والتصورات الوطنية، والظروف الخاصة بكل أزمة، لا تزال تؤدي دورًا حاسمًا.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال المحوري لهذه الدراسة: ماذا يحدث عندما يتوقف الخصم عن كونه مجرد طرف خارجي، ويصبح أحد المبادئ المنظمة لنظام سياسي وعسكري واستراتيجي؟ إن عبارة «عندما يصبح العدو هو النظام» تمثل هنا فرضية تحليلية، وليست تصنيفًا رسميًا معتمدًا في العلاقات الدولية. وهي تشير إلى وضع يسهم فيه التصور المستمر لوجود تهديد في تشكيل مؤسسات الأمن، والأولويات المالية، والخيارات التكنولوجية، والتحالفات، ومنظومات المراقبة، بل وحتى السرديات الجماعية التي يفسر المجتمع من خلالها العالم. ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء العدو بوصفه خصمًا حقيقيًا؛ لكنه قد يحتل موقعًا مركزيًا إلى حد يجعل النظام بأكمله يعيد تنظيم نفسه حول وجوده.

وتقتضي هذه الفرضية قدرًا كبيرًا من الحذر. فهي لا تعني أن التهديدات وهمية، ولا أن جميع الأطراف تمتلك القدرات نفسها، ولا أن قراراتها ومسؤولياتها ونتائج أفعالها يمكن وضعها في مستوى واحد. فقد تواجه الدول مخاطر حقيقية، وتكون لديها أسباب مشروعة لحماية سكانها. لكن السؤال يتعلق بآثار التعبئة الأمنية المطولة: متى تبدأ الوسائل التي صُممت لمواجهة تهديد ما في جعل خفض التصعيد أكثر صعوبة؟ وكيف يمكن التمييز بين التدابير الضرورية لحماية المجتمع وتلك التي تُبقي منطق المواجهة الدائمة قائمًا؟ وكيف يمكن الحفاظ على القدرة على التفاوض عندما يُفسَّر الاعتراف بالخصم بوصفه طرفًا يمكن التحاور معه، داخل نظام سياسي معين، على أنه علامة ضعف؟

وتكتسب هذه التساؤلات بُعدًا جديدًا مع تحول التكنولوجيا لأساليب إدارة النزاعات. فالأقمار الصناعية، وأنظمة المراقبة، والطائرات المسيّرة، والقدرات السيبرانية، وأدوات المعالجة واسعة النطاق للبيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، كلها تغيّر الظروف التي تراقب الدول في ظلها بيئتها، وتتوقع تحركات خصومها، وتتخذ قراراتها. ويمكن لسرعة جمع المعلومات وتحليلها أن تعزز بعض قدرات الوقاية والاستباق، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى تسريع ردود الفعل، وتقليص الوقت المتاح للتحقق، وزيادة مخاطر التفسيرات الخاطئة. وقد تسهم بيانات غير مكتملة، أو إنذار أسيء تقديره، أو عملية تحليل آلية لم تخضع لرقابة كافية، في اتخاذ قرار تترتب عليه عواقب إنسانية ودبلوماسية جسيمة.

من المهم، مع ذلك، عدم الخلط بين التقنيات التي تؤدي وظائف مختلفة. فالذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه لتحليل الصور، ودعم العمليات اللوجستية، واكتشاف الحالات الشاذة، ونمذجة المخاطر، أو المساعدة في اتخاذ القرارات. أما الأسلحة المستقلة فتثير تساؤلات محددة تتعلق بدرجة الاستقلالية الممنوحة للأنظمة، والرقابة البشرية، والمسؤولية في حال وقوع أضرار. وفي المقابل، يمكن أن تستهدف العمليات السيبرانية شبكات الحاسوب والبنى التحتية وأنظمة الاتصالات، من دون أن تتخذ بالضرورة شكل هجوم عسكري تقليدي. وقد تتداخل هذه المجالات، لكنها ليست قابلة للاستبدال بعضها ببعض. ومن الضروري تناولها بدقة لفهم التحولات التي تشهدها الحروب، من دون المبالغة في قدرات الأدوات المتاحة أو التقليل من المخاطر التي تنطوي عليها.

وبناءً على ذلك، تصبح مسألة الرقابة البشرية أساسية. فكلما ازداد تدخل الأنظمة المؤتمتة في تحديد الأهداف وتقييم التهديدات والتخطيط للعمليات، ازدادت الحاجة إلى تحديد الجهات التي تفهم المعلومات المستخدمة، والجهات التي تصادق على القرارات، والجهات التي تتحمل مسؤولية عواقبها. وتعكس المناقشات الدولية المخصصة للتكنولوجيات الناشئة في مجال منظومات الأسلحة الفتاكة المستقلة حجم هذا الانشغال. وقد واصلت الأعمال التي أُنجزت خلال عام 2026 في إطار فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة دراسة التدابير الممكنة والعناصر المحتملة لصك دولي، من دون أن يكون من الممكن استنتاج اعتماد معاهدة عالمية حتى ذلك التاريخ. وتتجاوز المسألة حدود الابتكار التقني وحده، إذ تتعلق بقدرة المؤسسات الوطنية والدولية على الحفاظ على القواعد وآليات الرقابة والمسؤولية البشرية في بيئة تتخذ فيها القرارات بوتيرة متسارعة باستمرار. 

ومع ذلك، لا تمثل التكنولوجيا سوى جانب واحد من المشكلة. فالتوازنات الإقليمية تعتمد أيضاً على موارد مادية أصبح توافرها أكثر عرضة لعدم اليقين. وتشكل المياه والطاقة والأراضي الزراعية والبنى التحتية للموانئ وشبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات منظومة مترابطة يؤثر كل عنصر فيها في العناصر الأخرى. ويمكن لأزمة سياسية أو عسكرية أن تعطل عمل هذه المنظومة، كما يمكن للنقص المستمر والتفاوت في فرص الوصول إلى الموارد أن يفاقما التوترات الاجتماعية ويسهما في إضعاف استقرار الدول. وفي منطقة تواجه قيوداً مائية شديدة، ونمواً سكانياً متفاوتاً، وآثاراً مناخية متزايدة، لم يعد من الممكن تقييم الأمن بالاستناد حصراً إلى عدد منظومات الأسلحة أو قوة التحالفات. بل ينبغي أيضاً تقييمه انطلاقاً من قدرة المجتمعات على ضمان ظروف عيش كريمة، وحماية مواردها، واستمرار الخدمات الأساسية خلال الأزمات.

وتستحق المياه، في هذا السياق، اهتماماً خاصاً. فهي ضرورية للصحة والزراعة والصناعة وإنتاج الطاقة واستقرار المجتمعات. وعندما يصبح الحصول عليها غير مضمون، قد تمتد العواقب إلى ما هو أبعد بكثير من المناطق المتضررة مباشرة. ولا تؤدي التوترات المرتبطة بالموارد المائية بصورة آلية إلى الحرب، لكنها قد تعزز التنافس القائم بالفعل عندما تكون آليات التعاون ضعيفة أو تتراجع الثقة السياسية. وفي المقابل، يمكن لتبادل البيانات الهيدرولوجية، وتنسيق سياسات إدارة المياه، وتحديث الشبكات، والتعاون العلمي أن تفتح مجالات للحوار بين أطراف لا تزال مختلفة بشأن قضايا أخرى. ولن تكون إدارة المياه وحدها كافية لحل النزاعات الإقليمية، لكنها قد تسهم في الحد من بعض أوجه الهشاشة المشتركة.

وتشهد الطاقة ديناميكية مماثلة. فدول الشرق الأوسط تحتل مواقع مختلفة ضمن سلاسل إنتاج المحروقات وتحويلها ونقلها، في حين تظل اقتصاداتها عرضة لتقلبات الأسواق الدولية. ويمكن لتنويع مصادر الطاقة، وتحسين كفاءة البنى التحتية، والتطوير التدريجي للطاقات المتجددة، والتعاون في مجال البحث العلمي أن يقلل بعض أوجه الهشاشة. غير أن هذه التحولات تتطلب استثمارات وكفاءات وحوكمة موثوقة وخيارات تتناسب مع الواقع الوطني لكل دولة. ولا يجوز تقديمها بوصفها حلولاً فورية لمواجهة عسكرية. وإنما تكمن أهميتها الاستراتيجية في قدرتها المحتملة على توسيع هامش المناورة أمام الدول، وتعزيز قدرتها على الصمود الاقتصادي، والحد من آثار بعض أشكال التبعية.

وينطبق المنطق نفسه على الأمن البحري. فتدفق البضائع، وحماية السفن، ومراقبة البنى التحتية للموانئ والمنشآت الواقعة تحت سطح البحر، وضمان استمرارية الاتصالات الدولية، كلها مسائل تهم عدداً كبيراً من الأطراف. ويمكن لانقطاع التبادل التجاري لفترة طويلة أن يؤثر في اقتصادات لا تشارك في النزاع، ولا تملك مجتمعاتها سوى إمكانات محدودة لامتصاص الصدمات. لذلك، ينبغي النظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره مصلحة مشتركة، من دون استخدامه مبرراً عاماً للجوء إلى القوة بلا حدود. ويمكن لتدابير منع الحوادث، وقنوات الاتصال بين القوات البحرية، وقواعد الإخطار المسبق أن تسهم في تقليل مخاطر التصعيد. غير أن فعاليتها تظل رهناً بالإرادة السياسية للأطراف، ومصداقية التزاماتها، ووجود آليات قادرة على التعامل مع الانتهاكات المزعومة.

وتُظهر التطورات الدبلوماسية لعام 2026 أيضاً أن دول المنطقة تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وإعادة تقييم شراكاتها. ففي السابع من أغسطس، وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مكة، التي قُدّمت باعتبارها التزاماً بالدفاع الجماعي، بحيث يُعدّ أي هجوم مسلح على أحد الموقعين هجوماً على الآخرين. وتعكس هذه الاتفاقية رغبة في تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث وترسيخ قدرتها على الردع. ومع ذلك، ينبغي عدم إضفاء دلالات عليها تتجاوز ما أعلنته رسمياً، إذ أوضح مسؤولون أتراك أن الاتفاقية لا تستهدف إيران ولا أي دولة بعينها. وينبغي تقييم تنفيذها وترتيباتها العملياتية وتداعياتها الإقليمية انطلاقاً من القرارات الفعلية للدول الموقعة، لا من التفسيرات التي تُطرح من خارجها. 

ولا تمثل هذه الاتفاقية، بمفردها، مشروعاً متكاملاً لبنية أمنية تشمل الشرق الأوسط بأسره. فهي تجمع ثلاث دول لكل منها مصالحها الخاصة، وقدراتها المختلفة، وعلاقاتها المميزة مع القوى الإقليمية الأخرى. وقد تؤثر في بعض الحسابات الاستراتيجية، لكنها لا تحل محل آليات الحوار بين جميع الأطراف المعنية، ولا توفر وحدها الضمانات اللازمة لتحقيق استقرار مستدام. والأهم أنها تذكّر بأن السعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية الإقليمية يتقدم في بيئة ترغب فيها الحكومات في الحد من أوجه هشاشتها، وتنويع شراكاتها، والاحتفاظ بحرية أوسع في اتخاذ القرارات. وقد تسهم هذه الديناميكية في توزيع المسؤوليات الأمنية بصورة أكثر توازناً، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تعميق التجزئة الإقليمية إذا تمحورت حصراً حول كتل متنافسة. ولذلك، سيتوقف أثرها على الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وشفافية الالتزامات، والمساحة التي تتيحها للدبلوماسية.

وفي هذا السياق تندرج فكرة «ميثاق إقليمي شامل». ويُقصد بهذا التعبير، في هذه الدراسة، طرح منظور للتفكير ومقترح فكري، لا اتفاقاً قائماً، ولا مفاوضات انطلقت رسمياً بشأنه، ولا مؤسسة تم إنشاؤها بالفعل. وتتمثل الفكرة في بحث إمكانية أن تتمكن دول الشرق الأوسط، في مرحلة لاحقة، من صياغة إطار مشترك يجمع بين منع النزاعات، والأمن الجماعي، وعدم الاعتداء، وحماية الممرات البحرية، واستقرار الطاقة، والتعاون في مجال المياه، والقدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي، والتنمية الاقتصادية، وحوكمة التكنولوجيا. ولا يستلزم مثل هذا الإطار التخلي عن السيادات الوطنية أو اختفاء الخلافات التاريخية. بل يسعى، بالأحرى، إلى تحديد المجالات التي يمكن فيها للتعاون أن يقلل المخاطر المشتركة، حتى عندما تظل الخلافات السياسية عميقة.

ومن الضروري أن يراعي أي ميثاق من هذا النوع واقع المنطقة وظروفها الفعلية. فدولها لا تتبنى الأولويات نفسها، ولا تنظر إلى التهديدات من المنظور ذاته. إذ تعطي بعض الدول الأولوية لحماية أراضيها والحفاظ على أنظمتها السياسية، بينما تولي دول أخرى أهمية خاصة للردع والتحالفات الخارجية وحرية التنقل أو تعزيز نفوذها الإقليمي. كما تتباين القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية وأنظمة الحوكمة تبايناً كبيراً. ومن ثم، سيكون من غير الواقعي افتراض إمكانية التفاوض سريعاً على اتفاق شامل أو تطبيقه بصورة موحدة. أما النهج التدريجي، القائم على التزامات قابلة للتحقق وأهداف محددة وآليات للتشاور، فيوفر أساساً أكثر مصداقية من إعلان طموح يفتقر إلى وسائل التنفيذ.

وتحتل القضية الفلسطينية مكانة لا يمكن تجاوزها في أي تفكير جاد بشأن مستقبل المنطقة. فهي تمس الأمن والحقوق والسيادة والاعتراف السياسي وتهجير السكان ومشروعية الترتيبات المقترحة. وأي بنية للتعاون تتجاهل هذه القضية قد تفتقر إلى المصداقية لدى قطاع واسع من مجتمعات المنطقة. غير أن الاعتراف بأهميتها لا يعني أنها قادرة وحدها على تفسير مجمل التنافسات في الشرق الأوسط. فالتوترات بين إيران وعدد من الدول العربية، والمخاوف الأمنية الإسرائيلية، والطموحات الإقليمية لقوى مختلفة، والتنافس الاقتصادي، والخلافات بشأن البرامج العسكرية، كلها تمتلك ديناميكياتها الخاصة أيضاً. وينبغي للتحليل الدقيق أن يعترف بالروابط بين هذه الملفات من دون الخلط بينها أو اختزال تاريخ المنطقة في سبب واحد.

كما ينبغي مقاومة الميل إلى الحديث عن الشرق الأوسط كما لو كان كياناً متجانساً. فالمنطقة تضم مجتمعات وتقاليد سياسية وهويات واقتصادات ومسارات تاريخية متباينة. ولا تتطابق أولويات دولة خليجية بالضرورة مع أولويات إيران أو تركيا أو إسرائيل أو العراق أو بلدان المشرق العربي. كما أن الرأي العام ليس موحداً، ولا تعكس مواقف الحكومات دائماً مجمل تطلعات شعوبها. ولذلك، يجب أن ينطلق أي اقتراح لأمن مشترك من الاعتراف بهذا التعدد، والإقرار بالتفاوت في موازين القوة، وتجنب إحلال تصور مجرد للمنطقة محل المصالح الملموسة للمجتمعات التي تتكون منها.

ومع ذلك، يمكن أن يبدأ التعاون في المجالات التي تظهر فيها المنافع الجماعية بوضوح، وتكون فيها الالتزامات قابلة للتحقق تدريجياً. فقد تشكل الوقاية من الحوادث البحرية، وحماية البنى التحتية المدنية، وتبادل المعلومات بشأن الكوارث الطبيعية، والبحث في مجال المياه، والأمن الغذائي، والصحة العامة، وبعض الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي، نقاط انطلاق ممكنة. وهذه القطاعات ليست محايدة سياسياً، إذ يمكن أن تتأثر بالتنافس والعقوبات والقيود المفروضة على التكنولوجيا والنزاعات المتعلقة بالسيادة. لكنها تتيح إمكانية تحديد أهداف محدودة النطاق، وتقييم النتائج، وبناء أشكال من الثقة المحدودة عندما تسمح الظروف بذلك. ولن يحل التعاون القطاعي محل المفاوضات السياسية، لكنه قد يسهم في الحفاظ على قنوات الاتصال والحد من بعض التكاليف البشرية والاقتصادية للمواجهة.

ويمكن للتجربة الأوروبية أن تقدم دروساً مفيدة، شريطة عدم نقلها بصورة آلية إلى سياق آخر. فقد تطورت آليات التعاون في أوروبا ضمن ظروف تاريخية خاصة، اتسمت بحروب مدمرة ومؤسسات محددة وتسويات سياسية وظروف اقتصادية تختلف عن تلك القائمة في الشرق الأوسط. كما أن الاختلافات في الحدود والأنظمة السياسية والمسارات الوطنية والتصورات الأمنية تحول دون إجراء مقارنة مبسطة. وتكمن قيمة هذه التجربة، بالأحرى، في دراسة آليات بعينها، مثل الإنشاء التدريجي لقواعد مشتركة، وإقامة مؤسسات للحوار، ووضع إجراءات لتسوية الخلافات، وإمكانية جعل بعض أشكال الترابط المتبادل أقل خطورة من خلال ضمانات موثوقة. وينبغي تكييف الدروس المستخلصة مع واقع المنطقة، بدلاً من تقديمها بوصفها نموذجاً يتعين تكراره.

ويجب كذلك أن تتوافق أي بنية إقليمية مع القانون الدولي والالتزامات المترتبة عليه. فلا يمكن للتعاون في المجال الأمني أن يحل محل مسؤوليات الدول المتعلقة بسير الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، واحترام القواعد المنطبقة على النزاعات المسلحة، والتسوية السلمية للخلافات. كما لا يجوز لاتفاق سياسي أن يلغي الالتزامات القانونية القائمة أو يجعل النظر في الأفعال المتنازع عليها أمراً اختيارياً. ومن ثم، فإن مصداقية أي ميثاق ستعتمد ليس فقط على التزاماته الوقائية، بل أيضاً على آليات التحقق وإجراءات التشاور وقدرته على معالجة الخلافات من دون التخلي عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي. فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على توازن القوى وحده، بل يتطلب أيضاً قواعد يكون تطبيقها قابلاً للتوقع بدرجة كافية حتى تؤخذ على محمل الجد.

وفي جوهر الأمر، يتجاوز التساؤل الذي يطرحه هذا الملف الإمكانية الآنية للتوصل إلى اتفاق بين حكومات يسود بينها انعدام عميق للثقة. فهو يتعلق بقدرة المجتمعات والمؤسسات على منع تصور التهديد من التحول إلى اللغة الوحيدة التي يمكن من خلالها التفكير في الأمن. فعندما يُنظر إلى الخصم باعتباره خصماً دائماً، يمكن تفسير كل تطور من منظور المواجهة، وقد يُنظر إلى كل تنازل باعتباره ضعفاً، كما قد يُشتبه في أن كل مبادرة دبلوماسية تخفي نية عدائية. وهذه الديناميكية ليست حتمية، ولا تتخذ الشكل نفسه في جميع السياقات. لكنها تمثل خطراً استراتيجياً عندما تؤدي تدريجياً إلى تضييق المجال المتاح للتفاوض والتحقق من الوقائع والبحث عن تسويات محدودة.

وينبغي تناول آفاق الأعوام 2030 و2050 و2100 انطلاقاً من هذا المنظور. فهي ليست تواريخ نبوئية يُفترض أن يظهر عندها نظام إقليمي جديد بصورة حتمية. وإنما تتيح دراسة سيناريوهات مختلفة في ضوء القرارات المتخذة اليوم، بما في ذلك استمرار التجزئة، وتعزز الكتل المتنافسة، والتعايش المسلح الذي تتخلله الأزمات، أو التطور التدريجي لآليات التعاون. ولا تستبعد هذه المسارات حدوث تحولات وسيطة، كما يمكن أن تختلف من مجال إلى آخر. فقد يتقدم التعاون في مجال الطاقة في الوقت الذي تستمر فيه التوترات العسكرية، وقد تُنشأ آليات للوقاية من الأزمات من دون التوصل إلى تسوية نهائية للخلافات السياسية. ولذلك، ينبغي للتحليل الاستشرافي أن يميز بين الاتجاهات القابلة للملاحظة والفرضيات المعقولة والخيارات التي لا تزال مفتوحة، من دون تقديم احتمال بوصفه حقيقة مؤكدة.

وهنا تحديداً تكمن طموحات هذه الدراسة. فهي لا تسعى إلى التقليل من التهديدات الحقيقية، ولا إلى توزيع المسؤوليات بصورة مصطنعة، ولا إلى اقتراح مصالحة مجردة بين أطراف لا تزال مصالحها متعارضة. بل تسعى إلى فهم كيفية تحول الأنظمة الأمنية، والطريقة التي تغير بها التكنولوجيا موازين القوى، وكيف تؤثر أوجه الترابط الاقتصادي والبيئي في القرارات السياسية، والشروط التي يمكن في ظلها للتعاون أن يقلل بعض المخاطر من دون المطالبة بالتخلي عن السيادات الوطنية. فالشرق الأوسط ليس محكوماً عليه بإعادة إنتاج الترتيبات القائمة إلى ما لا نهاية، لكن لا يمكن تحقيق أي تحول مستدام بمجرد إعلان مثال جديد.

ويصدر هذا التفكير أيضاً من منطقة الكاريبي، وهي فضاء يواجه بدوره أوجه هشاشة خاصة في مجالات الأمن والتبعية للطاقة والقدرة على الصمود المناخي وحركة الملاحة البحرية والسيادة الاقتصادية. ولا تتطابق منطقة الكاريبي والشرق الأوسط في جميع الجوانب، كما أنهما لا تواجهان الترتيبات التاريخية نفسها. لكنهما تتشاركان حقيقة أساسية، وهي أن القرارات المتخذة في مراكز القوى الكبرى قد تترتب عليها عواقب عميقة بالنسبة إلى مجتمعات لا تتحكم دائماً في قواعد النظام الدولي. ومن ثم، فإن الإسهام الكاريبي في النقاش بشأن الشرق الأوسط لا يدعي التحدث باسم شعوب المنطقة أو الحلول محلها. وإنما يهدف إلى المشاركة في تفكير دولي بشأن شروط قيام أمن يحمي السكان، ويعترف بتنوع المسارات الوطنية، ولا يختزل المستقبل في القدرة على ردع الخصم أو هزيمته.

وفي الوقت الذي يراقب فيه العالم التطورات العسكرية والمفاوضات والتحولات التكنولوجية، يظل سؤال مفتوح قائماً: هل تستطيع المجتمعات الحفاظ على قدرتها على تصور مستقبل مختلف عندما تكون مؤسساتها قد انتظمت لعقود حول مفهوم التهديد؟ لن تتوقف الإجابة على صيغة واحدة أو ميثاق يُفرض من الخارج. بل ستعتمد على القرارات السياسية، والضمانات الموثوقة، وتحمل المسؤوليات، والمبادرات الدبلوماسية، والقدرة على الاعتراف بأن أمن طرف لا يمكن أن يُبنى بصورة مستدامة مع تجاهل أوجه الهشاشة لدى الأطراف الأخرى. ويمكن أن يظل الخصم خصماً من دون أن يتحول إلى المبدأ المنظم لجميع أبعاد الحياة الجماعية. وهذا الاحتمال ليس وعداً بالسلام، بل هو سؤال استراتيجي يستحق الدراسة بوعي وصرامة وإحساس بالمسؤولية.

وهكذا، يجد الشرق الأوسط نفسه أمام خيار لا تزال ملامحه غير مؤكدة. فقد يبقى أسير سلسلة متعاقبة من المواجهات التي تعزز انعدام الثقة، وتسرع الإنفاق الأمني، وتجعل احتواء كل أزمة أكثر صعوبة. ويمكنه أيضاً، من دون التخلي عن الدفاع عن مصالحه أو تجاهل خلافاته، أن يسعى تدريجياً إلى إيجاد آليات قادرة على الحد من المخاطر المشتركة والحفاظ على مساحات للتفاوض. وبين هذين المسارين تتعدد السيناريوهات الممكنة، ولا يمكن اعتبار أي منها أمراً محسوماً. غير أن أمراً واحداً بات واضحاً: لم يعد النقاش بشأن مستقبل المنطقة يقتصر على سؤال من سينتصر في المواجهة الراهنة، بل أصبح يتناول أيضاً طبيعة النظام الذي سينشأ عن هذه المواجهة، والقواعد التي ستنظمه، والمكانة التي سيمنحها للسكان والقانون والتكنولوجيا والتعاون.

فالتاريخ لا يقتصر على تعاقب القوى التي تتواجه. بل يتشكل أيضاً في اللحظات التي تختار فيها المجتمعات إعادة النظر في الآليات التي تطيل أمد أزماتها. ولم يحدد الشرق الأوسط بعد ملامح أي ميثاق إقليمي شامل محتمل، ولا تزال العقبات التي تعترض هذا المسار كبيرة. لكن السؤال أصبح يستحق أن يُطرح بجدية: كيف يمكن الانتقال من أمن يُصاغ أساساً في مواجهة الآخر إلى أمن قادر، في بعض المجالات، على حماية الجميع من دون استبعاد الآخرين بصورة منهجية؟ وإلى هذا التساؤل، وشروط إمكان تحقيقه، وحدوده، وتداعياته على النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين، يسعى هذا الملف إلى الإسهام. فالعالم لا يغادر بالضرورة النظام القديم في اللحظة التي يبدأ فيها ذلك النظام بالتزعزع، لكنه يختبر حدوده بالفعل.

إسرائيل وإيران: من التحالف إلى العداء، حين يصبح العدو منظومةً قائمة بذاتها

قبل العدو: التاريخ المنسي لتعاون يكاد يُمحى اليوم من الذاكرة الجماعية

غالبًا ما تُروى قصة الشرق الأوسط المعاصر انطلاقًا من لحظات القطيعة التي شهدها. فتستأثر الحروب والثورات والحدود المتنازع عليها والتحالفات العسكرية والخصومات الأيديولوجية بالاهتمام، إلى حدٍّ يجعل بعض العلاقات القديمة تختفي تدريجيًا من الذاكرة الجماعية. وتندرج العلاقات بين إسرائيل وإيران ضمن هذه الفئة. فمن الصعب اليوم تصوّر أن البلدين تمكّنا، على مدى عدة عقود، من إقامة تعاون وثيق بما يكفي ليشمل الاقتصاد والطاقة والزراعة والمياه والتبادلات العسكرية والاستخبارات. ومع ذلك، تُظهر الأرشيفات المتاحة أن هذه العلاقة كانت حقيقية وطويلة الأمد وذات أهمية استراتيجية.

1. تاريخ كاد الحاضر أن يمحوه

غالبًا ما يُروى تاريخ الشرق الأوسط المعاصر انطلاقًا من صراعاته الأكثر وضوحًا. فالحروب والثورات والتنافسات الدينية والحدود المتنازع عليها والخصومات الأيديولوجية تحتل مكانة محورية في الروايات المخصّصة للمنطقة. وعلى الرغم من أن هذا المنظور ضروري لفهم الأزمات المتعاقبة، فإنه ينطوي على خطر يتمثل في إسقاط الانقسامات الراهنة على الماضي بأكمله، وتصوير العداوات التي تشكّلت تدريجيًا عبر الزمن وكأنها أمر طبيعي وأزلي. وتمثّل العلاقات بين إسرائيل وإيران مثالًا كاشفًا بوجه خاص لهذه الإشكالية. فالبلدان يرتبطان اليوم بإحدى أبرز المنافسات في الشرق الأوسط، لكن علاقاتهما لم تكن قائمة دائمًا على المواجهة. فعلى مدى عدة عقود، أقاما تعاونًا سياسيًا واقتصاديًا وطاقويًا وأمنيًا استجاب لمصالح استراتيجية ملموسة.

ويستحق هذا الواقع التاريخي أن يُستعاد، لا من أجل تمجيد مرحلة مضت أو التقليل من شأن الاختلافات العميقة التي كانت قائمة أصلًا بين المجتمعين، بل لفهم الكيفية التي يمكن بها لعلاقة بين دولتين أن تتغيّر طبيعتها عندما تتعرض الأسس السياسية والاستراتيجية التي تقوم عليها لتحولات جذرية. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، حدّد كلٌّ من إيران التي حكمتها سلالة بهلوي وإسرائيل مجموعة من المصالح المشتركة. واستند تعاونهما، على وجه الخصوص، إلى الموقع الخاص لإيران في العالم الإسلامي، والمخاوف المرتبطة ببعض القوى العربية، والقلق من تنامي النفوذ السوفياتي، فضلًا عن المزايا الاقتصادية لعلاقة تقوم على تبادل النفط والمعدات والخبرات التقنية والاتصالات الأمنية.

وقد غيّر الانقطاع الذي أعقب ذلك بصورة عميقة نظرة كل دولة إلى الأخرى. فمنذ عام 1979، جعلت الدولة الإيرانية الجديدة معارضة إسرائيل عنصرًا محوريًا في خطابها السياسي وموقعها الإقليمي. وفي المقابل، أخذت إسرائيل تنظر تدريجيًا إلى إيران الثورية باعتبارها خصمًا رئيسيًا، ثم تهديدًا استراتيجيًا ينبغي إدراج قدراته وتحالفاته ونواياه المفترضة ضمن حساباتها الأمنية. غير أن هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل تبلور على مدى عقود، تحت تأثير تغيرات سياسية وعسكرية وإقليمية أعادت تشكيل طبيعة المواجهة.

ومن ثم، فإن العودة إلى مرحلة التعاون السابقة تتيح طرح سؤال أعمق من مجرد التناوب بين الصداقة والعداء: كيف تصل دول كانت قد وجدت أسبابًا للعمل معًا إلى تنظيم جانب من سياساتها الأمنية على أساس احتمال أن تصبح إحداها مصدر تهديد للأخرى؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين مصالح الحكومات، والتوجهات الأيديولوجية للأنظمة، وتصورات المجتمعات، والبنى الإقليمية التي تُتخذ القرارات في إطارها. فهذه الأبعاد تتفاعل فيما بينها، لكنها لا تتغير بالضرورة بالوتيرة نفسها.

وهكذا، لا يمكن اختزال التاريخ الإسرائيلي الإيراني في صداقة قديمة محتها الثورة فجأة، ولا في عداوة أزلية لم تكن سوى انتظار لحظة ظهورها. بل يكشف هذا التاريخ عن تحول تدريجي في علاقة قامت على أسس براغماتية، وظل استقرارها مرهونًا بشروط سياسية محددة. ويشكّل فهم هذا التحول الخطوة الأولى نحو تحليل منظومة التنافس التي تطورت لاحقًا.

2. دولتان ومساران مختلفان وبيئة إقليمية مشتركة

نشأت إسرائيل وإيران في ظل تاريخين وطنيين ومرجعيات سياسية ومسارات مؤسسية مختلفة. فقد تأسست إسرائيل عام 1948 في بيئة إقليمية اتسمت بالصراع العربي الإسرائيلي، وتهجير السكان، والحروب المتعاقبة، وتشكيك أطراف إقليمية عدة في شرعيتها. وسرعان ما احتلت أمن الدولة، والسعي إلى الحصول على اعتراف دبلوماسي، والحاجة إلى الحد من عزلتها مكانة مركزية في سياستها الخارجية. أما إيران، فكانت تمتلك تاريخًا دولتيًا أقدم بكثير، وكانت تسعى إلى الحفاظ على استقلال قرارها، وتحديث اقتصادها، وتعزيز مكانتها بوصفها قوة إقليمية. وفي عهد محمد رضا شاه بهلوي، اندرجت هذه الطموحات ضمن سياسة تحديث قادتها الملكية، وفي إطار علاقة وثيقة بالولايات المتحدة.

لم تمنع هذه الاختلافات نشوء نقاط التقاء بين البلدين. ففي العقود التي أعقبت قيام إسرائيل، احتلت إيران موقعًا خاصًا في المنطقة. فقد كانت دولة ذات غالبية مسلمة، لكنها غير عربية، وكان قادتها يطمحون إلى ممارسة نفوذ مهم في الخليج والاحتفاظ بهامش من الاستقلال في مواجهة القوى المجاورة. أما إسرائيل، فكانت تسعى إلى إقامة علاقات مع دول لا تقع في صميم النظام السياسي العربي، ويمكن أن تسهم في الحد من عزلتها الإقليمية. وهكذا، أمكن لمصالح البلدين أن تلتقي من دون أن يتقاسما هوية سياسية مشتركة أو تصورًا متطابقًا للنظام الإقليمي.

وقد عزز سياق الحرب الباردة بعض أوجه هذا التقارب. إذ احتلت الولايات المتحدة مكانة مهمة في الحسابات الاستراتيجية للحكومتين، في حين أثار اتساع النفوذ السوفياتي وتوجهات عدد من الأنظمة العربية مخاوف في طهران وتل أبيب على السواء. كما أسهمت العلاقات مع العراق، والطموحات الإقليمية لمصر في عهد جمال عبد الناصر، والتحولات في التحالفات بالشرق الأوسط، في تقريب قراءاتهما للواقع الإقليمي. ولم يكن هذا التقارب يعني أن البلدين يفسران كل حدث بالطريقة نفسها، بل كان يعني أنهما اعتبرا، في مراحل معينة، أن التعاون المحدود أو الموسع قد يخدم مصالحهما بصورة أفضل من انعدام العلاقات.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصوير الشرق الأوسط في تلك المرحلة على أنه فضاء منقسم إلى كتلتين متماسكتين تمامًا. فقد كانت الحكومات تسعى إلى تحقيق أهداف متعارضة أحيانًا، وكانت التحالفات تتغير، كما كانت العلاقات بين الدول تتوقف على الظروف بقدر ما تتأثر بالتقارب السياسي. وكان بإمكان إيران أن تسعى إلى دعم الولايات المتحدة، وتطوّر علاقاتها مع إسرائيل، وتحاول في الوقت نفسه الحفاظ على شرعيتها لدى جيرانها العرب والمسلمين. وبالمثل، كان بإمكان إسرائيل الاستفادة من علاقاتها مع إيران من دون أن تعتبر هذا التعاون بديلًا عن ضرورة إقامة شراكات إقليمية أخرى. فقد احتفظ كل طرف بأولوياته وحدوده الخاصة.

ويُعدّ هذا التكوين ضروريًا لفهم ما سيأتي لاحقًا. فلم تقم العلاقات بين الدولتين على مصالحة شاملة بين المجتمعين، ولا على تحالف علني يستند إلى قيم مشتركة. بل نشأت ضمن بيئة رأت فيها الحكومتان أن بعض أوجه التقارب يمكن أن تحقق مكاسب استراتيجية مهمة. وطالما ظل هذا التقارب قويًا بما يكفي، أمكن احتواء الخلافات السياسية والتحفظات الداخلية. لكن عندما تعرض الإطار السياسي الإيراني لتحول جذري عام 1979، وُضعت أسس هذا التعاون موضع تساؤل عميق.

3. منطق المصالح قبل منطق المواجهة

لفهم العلاقة التي تطورت قبل عام 1979، ينبغي الانطلاق من مبدأ أساسي في العلاقات الدولية: لا تحدد الدول شراكاتها دائمًا على أساس التقارب الأيديولوجي. فقد تتعاون لأنها تتشارك مصدر قلق، أو تحتاج إلى موارد متكاملة، أو لأن علاقة معينة تتيح لها تعزيز موقعها في مواجهة أطراف أخرى. ولا يلغي هذا المنطق الخلافات أو انعدام الثقة، بل يتيح للحكومات ببساطة التمييز بين مواضع اختلافها ومصالحها المباشرة.

في حالة إيران وإسرائيل، تعددت دوافع التعاون. فقد كان بإمكان إسرائيل تقديم خبرات تقنية ومعدات وخدمات تدريب وتجارب في قطاعات مختلفة من الأمن والتنمية. أما إيران، فكانت تمتلك موارد نفطية كبيرة وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية وإمكانات مالية تتيح لها تنفيذ مشاريع للتحديث. ولذلك، استجابت التبادلات في مجال الطاقة والعقود الاقتصادية والعلاقات الأمنية لاحتياجات ملموسة. وإلى جانب هذه الاعتبارات، كانت هناك مخاوف مرتبطة بالعراق، وتطورات القومية العربية، والنفوذ السوفياتي في المنطقة.

ومع ذلك، ينبغي عدم اختزال هذا التعاون في مجرد تبادل تجاري. فالعلاقات الاقتصادية قد تسهم في تقريب الحكومات، لكنها تكتسب دلالة استراتيجية خاصة عندما تندرج ضمن تصور مشترك للبيئة الإقليمية. وعندئذ، يمكن لإمدادات الطاقة، ونقل الخبرات، والاتصالات بين المسؤولين، والعلاقات بين الأجهزة الأمنية، أن تسهم في بناء منظومة أوسع للتعاون. كما أنها تنشئ أنماطًا من العمل المشترك وشبكات مهنية ومصالح مؤسسية تجعل العلاقة أكثر عمقًا من مجرد اتفاق عابر.

لكن هذه الروابط لم تُلغِ القيود التي واجهها الشاه. فقد ظلت إيران دولة مسلمة تقع ضمن بيئة إقليمية تحتل فيها القضية الفلسطينية مكانة سياسية بارزة. وكان من شأن إقامة علاقة علنية أكثر مما ينبغي مع إسرائيل أن تعقّد علاقات طهران بعدد من الدول العربية، وأن تغذي انتقادات المعارضة الإيرانية. ولذلك، كان على النظام الملكي أن يوازن بين فوائد التعاون والتكاليف السياسية المحتملة الناجمة عن إظهاره علنًا. ومن ثم، لم تكن السرية مجرد تفصيل بروتوكولي، بل عنصرًا من عناصر العلاقة ذاتها.

وكانت إسرائيل بدورها معنية بالحفاظ على هذه المرونة. فقد أتاح لها التعاون مع إيران فرصًا اقتصادية واستراتيجية مهمة، ومكّنها من تطوير علاقات تتجاوز الدائرة التقليدية لشركائها. غير أن غياب تحالف علني ورسمي حدّ أيضًا من المدى السياسي لهذه الروابط. فقد استطاعت الحكومتان الاستفادة من تعاون معمق من دون تحمّل جميع التداعيات الدبلوماسية المترتبة على التزام رسمي.

وتجسد هذه العلاقة، إذن، تمييزًا أساسيًا بين التعاون والتحالف. فالتعاون يعني تنفيذ أنشطة في مجال أو أكثر تتقاطع فيه المصالح. أما التحالف الرسمي، فينطوي عادة على التزامات أكثر وضوحًا قد تتجاوز الظروف المباشرة التي نشأت في ظلها العلاقة. وقد طورت إيران الشاه وإسرائيل علاقة استراتيجية وثيقة، لكنها ظلت خاضعة لحدود سياسية ودبلوماسية. كما اعتمدت على استمرار النظام الإيراني، وتطور البيئة الإقليمية، وقدرة الحكومتين على الموازنة بين مصالحهما المشتركة وقيودهما الخاصة.

ويساعد هذا التمييز أيضًا على فهم سبب عدم ضمان التبادلات المهمة استمرار أي علاقة دولية إلى الأبد. فقد تستمر البنى التحتية والعقود والشبكات رغم الخلافات المؤقتة، لكنها لا تكفي لتحييد تحول عميق في النظام السياسي. فعندما يعيد نظام ما تعريف هويته وشرعيته وتصوراته للخصم، قد يُدان ما كان يُعدّ في السابق علاقة مفيدة باعتباره غير متوافق مع النظام الجديد. وستقدم الثورة الإيرانية مثالًا واضحًا على هذه الآلية.

4. تعاون حقيقي، لكنه لم يكن غير قابل للانعكاس

إن الاعتراف بأهمية التعاون الإسرائيلي الإيراني قبل عام 1979 لا يعني تصوير تلك المرحلة على أنها عصر ذهبي خالٍ من التوترات. فقد كانت العلاقة حقيقية، لكنها ظلت غير متكافئة ومحاطة بالسرية وخاضعة لحسابات سياسية قابلة للتغير. وكان الشاه يسعى إلى تحقيق طموحاته الوطنية والإقليمية، في حين كانت إسرائيل تعمل على تعزيز أمنها وتطوير علاقاتها الاقتصادية والحد من عزلتها. ولذلك، امتلك الطرفان أسبابًا للتعاون، لكن أيًا منهما لم يجعل سياسته الخارجية قائمة على ولاء غير مشروط للطرف الآخر.

وكان على إيران، على وجه الخصوص، الموازنة بين علاقاتها بإسرائيل وطموحها إلى أن يُعترف بها قوة رئيسية في العالم الإسلامي ومنطقة الخليج. ومع تطور موقعها الإقليمي، كان من الممكن أن تتغير أيضًا الأهمية الاستراتيجية النسبية لبعض شراكاتها. وقد أدى تحسن علاقاتها مع عدد من الدول العربية، إلى جانب اتفاق الجزائر الذي أُبرم مع العراق عام 1975، إلى تغيير جانب من البيئة الإقليمية التي كان التعاون الإسرائيلي الإيراني يجري ضمنها. ولم تُنهِ هذه التطورات التبادلات فورًا، لكنها تذكّر بأن أهميتها كانت مرتبطة بتوازن إقليمي لم يكن ثابتًا.

وتمثلت إحدى القيود الأخرى في الاختلاف بين سياسات الدولة الملكية والتوجهات السائدة داخل المجتمع الإيراني. فقد أثار التعاون مع إسرائيل انتقادات لدى بعض التيارات الدينية والقومية والمعارضة للملكية. وكان روح الله الخميني، على وجه الخصوص، ينتقد علاقات الشاه بإسرائيل والولايات المتحدة قبل الثورة بسنوات. ومن ثم، فإن العداء الذي أصبح سياسة رسمية بعد عام 1979 لم ينشأ في فراغ سياسي، بل كان امتدادًا لمعارضة موجودة من قبل، غير أن مؤسسات النظام الملكي وخياراته كانت تحدّ من تأثيرها.

وعليه، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات. يتعلق الأول بالعلاقات بين الحكومات، التي تنظّمها المصالح الاستراتيجية وقرارات القادة. ويتصل الثاني بالتيارات السياسية والاجتماعية التي كانت تعارض هذا التعاون أو تمنحه دلالة أيديولوجية مختلفة. أما الثالث، فيتعلق بالتحولات المؤسسية التي تستطيع نقل توجه سياسي من موقع المعارضة إلى مرتبة العقيدة الرسمية للدولة. وقد جمعت ثورة عام 1979 هذه الأبعاد في قطيعة ذات آثار عميقة.

ويحول هذا المنظور دون الوقوع في تبسيطين متعارضين. يتمثل الأول في اعتبار إيران وإسرائيل دولتين كان مقدرًا لهما أن تصبحا عدوّتين بطبيعتهما، وكأن تعاونهما السابق لم يكن سوى استثناء عابر بلا دلالة. أما الثاني، فيتمثل في اعتبار العلاقة القديمة دليلًا على أن التنافس المعاصر بينهما لا يستند إلى أي عامل مستدام. ويتجاهل التفسيران دور التحول السياسي والمصالح الإقليمية والتصورات الاستراتيجية في تشكيل العلاقات الدولية.

وتُظهر الوقائع، بدلًا من ذلك، أن الشراكات تقوم على توازنات قد تكون عميقة لكنها ليست نهائية. فقد تستمر علاقة عدة عقود، وتُنشئ شبكات اقتصادية وأمنية مهمة، وتؤدي دورًا في الاستراتيجية الإقليمية لدولتين، ثم تتغير جذريًا عندما تختفي الأسس السياسية التي أتاحت التعاون. ولا تمحو القطيعة الماضي، بل تغيّر معناه. فما كان يُقدَّم باعتباره تقاطعًا للمصالح قد يتحول، في خطاب النظام الجديد، إلى رمز للتبعية أو لنظام سياسي مرفوض.

ومن هذا المنطلق ينبغي تناول تاريخ إيران الشاه وإسرائيل. فلم يكن تعاونهما عرضيًا ولا مطلقًا، بل نتج عن التقاء المصالح الوطنية والمخاوف الأمنية واستراتيجية إقليمية محددة. ولفهم أبعاده، ينبغي الآن دراسة الظروف العملية التي أتاحت تطوره، ومكانة الشاه في هذه العلاقة، والأهداف التي سعت إليها إسرائيل، والمجالات التي تعاون فيها البلدان بالفعل. فهذا التاريخ المادي والاستراتيجي هو ما سيسمح لاحقًا بتقدير حجم القطيعة التي حدثت عام 1979.

5. إيران الشاه وإسرائيل

تمثل العلاقة بين إيران الملكية وإسرائيل أحد الأمثلة الأكثر دلالة على الكيفية التي يمكن بها للمصالح الاستراتيجية أن تقرّب بين دول لا يوجد ما يفرض اعتبارها حليفتين طبيعيتين. فقد اعترفت الحكومة الإيرانية بإسرائيل اعترافًا فعليًا في 6 مارس 1950، من دون أن تقيم بذلك علاقات دبلوماسية رسمية مكتملة التطبيع. وأثار هذا الاعتراف معارضة داخل إيران وفي العالم العربي، الأمر الذي أسهم في إحاطة العلاقات الثنائية بقدر من السرية. وفي عهد محمد رضا بهلوي، تطور التعاون تدريجيًا، ولا سيما ابتداءً من النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، قبل أن يكتسب بُعدًا استراتيجيًا أكثر أهمية خلال ستينيات القرن نفسه وسبعينياته. ولذلك، فإن غياب التطبيع الدبلوماسي الكامل لا يعني غياب علاقات جوهرية بين البلدين.

وبالنسبة إلى الشاه، كانت إسرائيل شريكًا يمتلك خبرات تقنية وعسكرية وأمنية يمكن أن تخدم طموحات إيران في التحديث وتعزيز قوتها الإقليمية. كما تقاسم البلدان بعض المخاوف المرتبطة بالقومية العربية، وتطور ميزان القوى الإقليمي، والنفوذ السوفياتي. أما إسرائيل، فكانت ترى في إيران قوة غير عربية تمتلك موارد طاقة مهمة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وعلاقات وثيقة بواشنطن. ولم يقم هذا التقارب على تصور مشترك للنظام السياسي الإقليمي، بل على إمكانية الدفاع عن مصالح متكاملة في بيئة غير مستقرة.

ومع ذلك، ظلت الحيطة الإيرانية أمرًا أساسيًا. فقد أراد الشاه تعزيز مكانة بلاده في الشرق الأوسط والخليج من دون تعريض علاقاتها بالدول العربية للخطر أو التخلي عن موقعها بوصفها قوة إسلامية مستقلة. ولذلك، كان لا بد أن يظل التعاون مع إسرائيل متوافقًا مع سياسة إقليمية أوسع. وكان بإمكان طهران الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية والحفاظ على تبادلات اقتصادية أو أمنية من دون تحويل العلاقة إلى تحالف معلن. ولم تكن السرية هنا تناقضًا بقدر ما كانت شرطًا لاستمرار التعاون.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد استجابت هذه العلاقة لهدف بالغ الأهمية يتمثل في تقليص عزلتها الإقليمية من خلال تطوير روابط مع قوى تقع خارج النظام العربي. واندرجت هذه العلاقة ضمن توجه استراتيجي ارتبط بما عُرف بعقيدة المحيط، التي تطورت خلال العقود الأولى من قيام الدولة الإسرائيلية. واحتلت إيران موقعًا مهمًا في هذا التصور، إلى جانب شركاء غير عرب آخرين، وفي مقدمتهم تركيا. ولم يكن المقصود إنشاء كتلة متجانسة، بل توسيع شبكة العلاقات التي يمكن أن تعزز الموقع الاستراتيجي لإسرائيل.

وهكذا، كان التعاون الإسرائيلي الإيراني في عهد الشاه عميقًا، لكنه لم يقم على تحالف أيديولوجي أو التزام علني بالدفاع المتبادل. واستمرت العلاقة بفضل تقاطع مصالح متعددة، غير أن هذه الخاصية نفسها كشفت حدودها. فقد ظلت مرهونة بالنظام الإيراني، وبالتكوين الإقليمي، وبالتصور الذي تحمله كل حكومة عن أولوياتها الخاصة. ويُعدّ فهم هذه البنية ضروريًا لإدراك سبب اختفائها السياسي السريع بعد ثورة عام 1979، رغم أهمية الروابط التي أُنشئت على مدى العقود السابقة.

6. العقيدة الإسرائيلية للمحيط

تساعد عقيدة المحيط على توضيح المنطق الاستراتيجي الذي دفع إسرائيل إلى منح إيران هذه الأهمية. ففي العقود الأولى من وجودها، كانت إسرائيل تتحرك في بيئة إقليمية اتسمت بالصراعات مع عدد من الدول العربية، وبغياب علاقات طبيعية مع قسم كبير من جيرانها. وفي هذا السياق، كان تطوير العلاقات مع قوى غير عربية قادرًا على الإسهام في الحد من العزلة، وتنويع الشراكات، وفتح فرص للتعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية.

وقد انسجمت إيران مع هذا التوجه من دون أن تنحصر فيه. فالملكية الإيرانية كانت تسعى إلى تعزيز قوتها، والحفاظ على استقلال قرارها الإقليمي، وترسيخ مكانتها في مواجهة جيرانها. واستجاب التقارب مع إسرائيل لمصالح إيرانية محددة، لا سيما في مجالات الأمن والتحديث والتعاون التقني. كما أسهمت القومية العربية والمخاوف المرتبطة بالعراق والعلاقات مع القوى الكبرى في هذا التقارب، لكنها لم تكن دوافعه الوحيدة.

ولذلك، ينبغي عدم التعامل مع عقيدة المحيط باعتبارها تفسيرًا شاملًا للسياسة الإسرائيلية. فهي تشير إلى إطار استراتيجي يوضح السعي إلى بناء شراكات خارج قلب النظام العربي، لكنها لا تلغي الحسابات الخاصة بالشاه، ولا الاعتبارات الاقتصادية، ولا دور العلاقات مع الولايات المتحدة. وقد نتج التعاون بين طهران وتل أبيب عن تفاعل هذه العوامل المختلفة، التي تفاوت وزنها بحسب الظروف.

وتوضح هذه العلاقة مبدأ أساسيًا في العلاقات الدولية: ليس من الضروري أن تتشارك الدول القيم السياسية نفسها حتى تطور تعاونًا طويل الأمد. فقد تتقارب لأنها تتعرف على مخاطر مشتركة، أو لأن مصالحها متكاملة، أو لأن بيئتها الاستراتيجية تجعل بعض الشراكات مفيدة. غير أن هذا التقارب يظل مشروطًا، إذ يعتمد على استمرار المصالح التي تدعمه وقدرة الحكومات على التوفيق بينه وبين التزاماتها الأخرى.

وهكذا، تساعد عقيدة المحيط على فهم نشأة الشراكة الإسرائيلية الإيرانية، لكنها تكشف أيضًا عن مواطن هشاشتها. فعندما تغيّر النظام الإيراني، وأعادت ثورة عام 1979 تعريف الأسس الأيديولوجية للسياسة الخارجية في طهران، لم تفقد العلاقة مجرد شريك حكومي، بل فقدت الإطار السياسي الذي جعل هذا التقارب مقبولًا ومفيدًا في نظر الدولتين. ولذلك، لا يمكن فهم القطيعة اللاحقة من دون التمييز بين المصالح التي أتاحت التقارب والشروط السياسية التي ضمنت استمراره.

7. النفط والتسليح والزراعة والاستخبارات

شكّل التعاون في مجال الطاقة أحد الأعمدة المادية للعلاقات بين إيران وإسرائيل في عهد الشاه. فقد زوّدت إيران إسرائيل بجزء مهم من احتياجاتها النفطية، كما طوّر البلدان حلولًا للنقل تتلاءم مع مصالحهما. وأدى إغلاق قناة السويس عقب حرب عام 1967 إلى زيادة أهمية المسارات البديلة. وفي هذا السياق، اكتسب خط الأنابيب الذي يربط إيلات بعسقلان أهمية خاصة لنقل النفط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. واندرجت هذه البنية التحتية ضمن تعاون أوسع في مجال الطاقة، من دون أن يعني ذلك أن إغلاق قناة السويس كان السبب الوحيد وراء جميع التبادلات النفطية بين البلدين.

لكن الطاقة لم تكن تختزل العلاقة. فقد شملت التبادلات أيضًا تعاونًا تقنيًا في الزراعة وإدارة الموارد المائية، فضلًا عن خدمات الصيانة والإصلاح في مجال الطيران. وتشير الوثائق الأمريكية التي تناولت العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في منتصف سبعينيات القرن العشرين إلى وجود اتصالات عسكرية منتظمة، وأنشطة تدريب، وتبادل للأفراد، ومشتريات من المعدات. وتُظهر هذه العناصر أن التعاون امتد إلى قطاعات متعددة مرتبطة بتحديث إيران وبالاحتياجات التشغيلية للدولتين.

أما البعد الأمني فكان أكثر حساسية. وتشير دراسات تاريخية إلى وجود اتصالات بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية والإسرائيلية، فضلًا عن وجود مستشارين وخبراء إسرائيليين في إيران. غير أن هذا التعاون ينبغي وصفه بدرجة من الحذر تتناسب مع طبيعة المصادر المتاحة. فوجوده العام موثّق، لكن كل عملية على حدة، وكل مؤسسة مشاركة، وكل ادعاء يتعلق بالتفاصيل الدقيقة لهذه التبادلات، يحتاج إلى مراجع محددة. وينبغي عدم تحويل استنتاج تاريخي ثابت إلى وصف تفصيلي لا يستند إلى أدلة كافية.

كما أسهمت التبادلات الاقتصادية والتقنية في إقامة روابط بين الحكومتين والشركات والمهنيين. فقد أتاحت المشاريع الزراعية والصناعية ومشاريع البنية التحتية فرصًا لتبادل المهارات والخبرات العملية. وتفاوت الحجم الدقيق لهذه الأنشطة باختلاف القطاعات والفترات، لكن تنوعها يبيّن أن الشراكة لم تقتصر على الاتصالات الدبلوماسية أو الاعتبارات العسكرية.

ويكتسب هذا البعد المادي أهمية خاصة لفهم عمق العلاقة. فالسياسات الخارجية تتجسد من خلال القرارات الرسمية، ولكنها تتشكل أيضًا عبر البنى التحتية والعقود والمعدات والتبادلات المهنية وشبكات التعاون. ويمكن لهذه الروابط أن توفر قدرًا من الاستمرارية ما دامت الحكومات تعتبرها مفيدة، لكنها لا تشكل ضمانة ضد القطيعة السياسية الكبرى. وقد أظهرت الثورة الإيرانية أن العلاقات الاقتصادية والأمنية، حتى عندما تكون متطورة، يمكن أن تتعرض لاضطراب سريع إذا رفض النظام السياسي الجديد الأسس التي قام عليها التعاون السابق.

8. تعاون استراتيجي من دون تحالف رسمي

يمكن تعريف العلاقة بين إسرائيل وإيران في عهد الشاه بأنها تعاون استراتيجي من دون تحالف رسمي. فقد أقام البلدان روابط مهمة في مجالات متعددة، لكنهما لم يرتبطا بمعاهدة دفاع متبادل معلنة، ولم يتبعا سياسة إقليمية متطابقة. وكان على الشاه التوفيق بين تعاونه مع إسرائيل وعلاقاته بالعالم العربي وطموحه إلى ترسيخ إيران بوصفها قوة إسلامية مستقلة. أما إسرائيل، فكانت تسعى إلى تعزيز أمنها وتنويع شراكاتها من دون أن تشترط بالضرورة أن تحوّل طهران تعاونها السري إلى اعتراف دبلوماسي كامل.

وقد أتاح هذا التكوين هامشًا من المناورة للحكومتين. إذ مكّن إيران من متابعة أهدافها الإقليمية الخاصة مع الاستفادة من علاقاتها بإسرائيل، كما مكّن إسرائيل من الحفاظ على شراكة مهمة من دون الاعتماد على الإعلان عنها علنًا. وأضافت علاقات كل دولة بواشنطن بُعدًا آخر إلى هذه المنظومة، من دون أن تكون كافية وحدها لتفسير جميع القرارات الثنائية. فقد ظلت المصالح المتعلقة بالطاقة والمخاوف الأمنية والاعتبارات المرتبطة بالسياسة الداخلية ذات أهمية مستقلة.

ولذلك، سيكون من قبيل الإسقاط التاريخي أن تُنقل إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بنية المواجهة التي تميز العلاقات الإسرائيلية الإيرانية المعاصرة. فقد كانت الدولتان قائمتين بالفعل، لكن بيئتهما الاستراتيجية وأولوياتهما وتصوراتهما المتبادلة للتهديد كانت مختلفة. وكان بإمكان إيران الشاه أن تنظر إلى إسرائيل بوصفها شريكًا مفيدًا من دون التخلي عن علاقاتها بأطراف إقليمية أخرى. كما كان بإمكان إسرائيل أن ترى في إيران عنصرًا مهمًا في منظومتها الاستراتيجية من دون امتلاك تحالف علني يضمن استمرار هذه العلاقة.

وهكذا، يتيح التمييز بين التعاون والتحالف الرسمي فهم عمق الشراكة وحدودها في الوقت نفسه. فقد تكون العلاقة جوهرية من دون أن تكون غير قابلة للانعكاس. ويمكنها الصمود أمام خلافات محدودة، لكنها تظل عرضة لتغير النظام السياسي أو ميزان القوى الإقليمي أو المبادئ التي تنظّم السياسة الخارجية. وفي الحالة الإيرانية، جاءت ثورة عام 1979 لتقلب هذه الأسس تحديدًا. ولذلك، يتطلب فهم القطيعة النظر في ما بناه البلدان، وكذلك في الظروف التي سمحت باستمرار تعاونهما.

9. المصالح المشتركة في مواجهة السياق الإقليمي

استند التعاون بين إسرائيل وإيران إلى تقاطع مصالح جعل الشراكة مفيدة في نظر الحكومتين على مدى عدة عقود. وكانت القومية العربية والمخاوف المرتبطة بالعراق والنفوذ السوفياتي وأمن الطاقة من بين العوامل التي أسهمت في تقريب حساباتهما. ولم تُلغِ هذه العوامل اختلافاتهما السياسية أو القيود الخاصة بكل مجتمع، لكنها أوجدت مساحة واسعة بما يكفي لإتاحة تبادلات اقتصادية وتقنية وأمنية طويلة الأمد.

ومع ذلك، ظل هذا التقارب مرهونًا بسياق سياسي محدد. فقد استطاع الشاه اعتبار العلاقة مع إسرائيل متوافقة مع طموحاته الإقليمية ما دام قادرًا على إبقاء مسافة علنية عنها والحفاظ على علاقات دبلوماسية أخرى. أما إسرائيل، فاستفادت من شراكة مع قوة إقليمية مهمة عززت مواردها وعلاقاتها بواشنطن قيمتها الاستراتيجية. ولذلك، لم يعتمد استمرار التعاون على المصالح المشتركة فحسب، بل أيضًا على قدرة كل حكومة على إدارة تكاليفه السياسية.

وقد قلبت ثورة عام 1979 هذا التكوين رأسًا على عقب، إذ غيّرت أسس الشرعية السياسية في إيران والمبادئ المعلنة لسياستها الخارجية. ولم يقتصر النظام الثوري الجديد على إعادة تقييم بعض العقود أو الشراكات، بل رفض جانبًا من البنية السياسية المرتبطة بالملكية، وحوّل العلاقة مع إسرائيل إلى رمز للقطيعة مع النظام السابق. ولم يكن بوسع الروابط المادية التي أُنشئت خلال العقود السابقة أن تعوّض هذا التحول بمفردها.

ومن ثم، فإن الدرس التاريخي أدق من مجرد القول بحدوث انتقال مفاجئ من الصداقة إلى العداء. فالعلاقة الدولية قد تكون عميقة من دون أن تكون دائمة، لأن متانتها تعتمد على شروط سياسية واستراتيجية قابلة للتغير. وفي الحالة الإسرائيلية الإيرانية، لم تغيّر الثورة شركاء السلطة فحسب، بل غيّرت أيضًا الطريقة التي عرّفت بها الدولة الجديدة سيادتها وهويتها الإقليمية وخصومها.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز الحالة الثنائية نفسها: كيف يمكن لتحول ثوري أن يغيّر تعريف الصديق والعدو والأمن ذاته؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي الآن دراسة أحداث عام 1979، ثم تتبّع الكيفية التي اكتسبت بها قطيعة سياسية وأيديولوجية، بصورة تدريجية، بُعدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

1979: التحول التاريخي

10. الثورة الإسلامية

لم يكن القطيعة بين إيران وإسرائيل نتيجة قرار منفرد، بل حصيلة تحول عميق في النظام السياسي الإيراني وفي المبادئ التي بات النظام الجديد يستند إليها في توجيه سياسته الخارجية. فحتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، أقامت الملكية البهلوية مع إسرائيل تعاونًا استراتيجيًا مهمًا، ولا سيما في مجالات الطاقة والأمن والاستخبارات والتحديث التقني. وظلت هذه العلاقة حساسة سياسيًا، ولم تبلغ قط مستوى التطبيع الدبلوماسي الكامل. كما تزامنت مع طموحات الشاه الإقليمية، ورغبته في الحفاظ على استقلالية قراره، وحاجته إلى الإبقاء على علاقات مع الدول العربية. وفي الوقت نفسه، كانت معارضة إسرائيل والنفوذ الأمريكي عنصرًا حاضرًا في خطاب آية الله روح الله الخميني قبل وصوله إلى السلطة بوقت طويل. ومن ثم، لم تُنشئ الثورة هذه المعارضة، بل أتاحت لها التحول إلى توجه رسمي للدولة الإيرانية.

جرت الأحداث الحاسمة بين يناير وفبراير 1979. غادر الشاه إيران في 16 يناير، وعاد الخميني من المنفى في الأول من فبراير، فيما أخذت حكومة شابور بختيار تفقد السيطرة على الوضع تدريجيًا. وفي 11 فبراير، مثّل إعلان القوات المسلحة الحياد في الصراع السياسي والعسكري الانهيار الفعلي للحكومة الملكية. ويُعد هذا التاريخ المحطة الحاسمة في سقوط النظام، مع أن ترسيخ المؤسسات التابعة للنظام الثوري الجديد استمر بعد ذلك. لذلك، من الضروري التمييز بين مغادرة الشاه، وعودة الخميني، وسقوط الحكومة، والتأسيس التدريجي لمؤسسات الجمهورية الإسلامية، بدلًا من التعامل مع الثورة باعتبارها حدثًا واحدًا وقع في لحظة منفردة.

تجسدت القطيعة مع إسرائيل بسرعة. ففي 7 فبراير 1979، بعد ستة أيام من عودة الخميني، سُلّم مقر البعثة الإسرائيلية السابقة في طهران إلى ياسر عرفات، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت لهذه الخطوة دلالة رمزية بالغة الأهمية. فقد أصبح المكان الذي كان يجسد التعاون السري في عهد الملكية مرتبطًا بتمثيل حركة تحتل القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في هويتها السياسية. كما أُطلق اسم شارع فلسطين على الشارع الذي كان يقع فيه مقر البعثة. وهكذا تحولت القطيعة الدبلوماسية إلى فعل لإعادة تعريف الهوية السياسية: فالسلطة الجديدة لم تكتفِ بإنهاء علاقة قائمة، بل أرادت أن تعلن على الملأ رفضها للتوجه الخارجي الذي اتبعه النظام السابق.

ولا يعني هذا التحول أن جميع أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية تغيرت في الوقت نفسه. فقد ظلت الدولة الجديدة مضطرة إلى التعامل مع القيود الجغرافية، وموازين القوى الإقليمية، والاحتياجات الاقتصادية، ومتطلبات الأمن. غير أن الثورة غيّرت الإطار الأيديولوجي الذي تُفسَّر من خلاله هذه القيود. فلم تعد إسرائيل شريكًا يمكن أن تتلاقى المصالح معه رغم الخلافات السياسية، بل أصبحت خصمًا محددًا رسميًا ضمن الرؤية الثورية للنظام الإقليمي. وستتوقف المراحل اللاحقة من التاريخ على كيفية تفاعل هذا التوجه الجديد مع الحروب والتحالفات والتحولات الاستراتيجية التي شهدتها العقود التالية.

11. الخميني والقطيعة مع إسرائيل

لفهم عمق هذه القطيعة، ينبغي وضع المسألة الإسرائيلية في سياق التصور السياسي الذي دافع عنه الخميني. فالسلطة الجديدة لم تتعامل مع إسرائيل باعتبارها مجرد ملف دبلوماسي ورثته عن الملكية، بل ربطت معارضتها للدولة الإسرائيلية برفض أوسع للنظام الإقليمي، وللنفوذ الغربي، ولشرعية الحكومات الإسلامية التي تقيم علاقات مع إسرائيل. وهكذا اكتسبت القضية الفلسطينية مكانة مركزية في الخطاب الخارجي للجمهورية الإسلامية. وما كان في السابق موقفًا يتبناه أحد معارضي الشاه أصبح عنصرًا من عناصر الشرعية التي سعت الدولة الجديدة إلى ترسيخها.

وعزز توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979 هذا التمايز السياسي. فقد أدان الخميني الاتفاق علنًا في مايو، واضعًا موقفه ضمن معارضته للتطبيع مع إسرائيل. وتجاوزت الرسالة إطار العلاقات الثنائية؛ إذ أرادت طهران أن تميز نفسها عن الحكومات التي تفضل الترتيبات الدبلوماسية مع الدولة الإسرائيلية، وأن تقدم نفسها مدافعًا عن القضية الفلسطينية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تاريخ توقيع المعاهدة وتاريخ إدانة الخميني لها، تفاديًا للخلط بين حدثين منفصلين.

ولا يعني التوجه الجديد أن السياسة الإيرانية أصبحت أيديولوجية حصرًا. فقد كان على القادة الثوريين الحفاظ على وحدة أراضي البلاد، وترسيخ نظام لا يزال في طور التشكّل، والاستجابة للقيود الاستراتيجية المباشرة. وسرعان ما أظهرت الحرب الإيرانية العراقية، التي اندلعت في سبتمبر 1980، مدى الثقل الذي يمكن أن تكتسبه اعتبارات الأمن القومي في قرارات طهران. لذلك، لم تُلغِ العداوة الرسمية لإسرائيل الحسابات البراغماتية، بل غيّرت الإطار السياسي الذي يتعين تبرير هذه الحسابات وتنفيذها ضمنه.

ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية لفهم بقية الملف. فقد أحدثت الثورة تحولًا جذريًا في الخطاب الإيراني الرسمي، وقطعت العلاقات السياسية مع إسرائيل، لكنها لم تُنتج فورًا نمط المواجهة الذي تطور خلال العقود التالية. وظلت السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية محكومة بتداعيات الثورة، والتنافسات الداخلية، والحرب مع العراق، والسعي إلى بلورة موقع إقليمي جديد. أما الآليات التي ستمنح هذه المعارضة أثرًا استراتيجيًا طويل الأمد، فقد تشكلت تدريجيًا عند تقاطع متطلبات الأمن والتحولات التي شهدتها البيئة الإقليمية.

12. مناهضة الإمبريالية ومعاداة الصهيونية والعقيدة الإيرانية الجديدة

تبلورت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية حول إرادة القطيعة مع النظام السياسي المرتبط بالملكية، ومع التبعية للقوى الغربية التي نسبها الخطاب الثوري إلى النظام السابق. وأُدرجت معارضة إسرائيل ضمن هذه الرؤية، التي ربطت بصورة وثيقة بين السيادة الإيرانية، ومناهضة النفوذ الأمريكي، والدعم المعلن للقضية الفلسطينية. كما سعت الثورة إلى منح إيران دورًا إقليميًا لم يعد قائمًا على القومية الملكية التي تبناها الشاه، بل على تصور ثوري وإسلامي لمكانة البلاد في العالم الإسلامي.

وقد غيّر هذا التوجه حسابات الفاعلين الإقليميين الآخرين. ففي وثيقة دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 16 فبراير 1979، تناولت آثار الثورة الإيرانية على مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، جرى بحث انعكاسات التحول الإيراني على مواقف إسرائيل ومصر. وأسهمت المخاوف المرتبطة بأمن إمدادات النفط، وموثوقية الترتيبات الإقليمية، والغموض الذي أحاط بالنظام الإيراني الجديد، في التأثير على مسار المفاوضات. وتؤكد هذه الوثيقة أن تداعيات الثورة على الدبلوماسية الإقليمية كانت محسوسة قبل أن تستقر التوجهات المستقبلية للجمهورية الإسلامية بصورة كاملة.

ومع ذلك، ينبغي تحديد نطاق هذا التحول بدقة. ففي عام 1979، كانت القطيعة السياسية واضحة، لكن الأبعاد العسكرية والتكنولوجية والإقليمية للتنافس المعاصر لم تكن قد اجتمعت بعد. لذلك، سيكون من قبيل إسقاط مفاهيم لاحقة على الماضي اعتبار البرامج النووية والصاروخية، والشبكات المسلحة الإقليمية، والعمليات السرية التي شهدتها العقود التالية نتائج تلقائية للثورة. فهذه الظواهر استجابت لسياقات مختلفة، وينبغي دراستها وفق التسلسل الزمني الخاص بكل منها. لقد أنشأت الثورة إطارًا أيديولوجيًا ودبلوماسيًا جديدًا، لكنها لم تحدد وحدها جميع القرارات اللاحقة.

وتتمثل المسألة التحليلية الأساسية تحديدًا في فهم كيفية تطور هذا الإطار الأولي تحت تأثير الأحداث. فقد تظل المعارضة السياسية، خلال فترة معينة، في حدود التصريحات والمواقف المعلنة، ثم تكتسب بعدًا عمليًا عندما تتغير المصالح الاستراتيجية والقدرات العسكرية والتحالفات الإقليمية. وتجسد العلاقة الإسرائيلية الإيرانية هذا المسار؛ إذ شكّلت قطيعة عام 1979 نقطة انطلاق لتصور جديد للخصم، بينما منحت العقود التالية هذا التصور تدريجيًا مضمونًا استراتيجيًا أوسع.

13. من شريك استراتيجي إلى خصم أيديولوجي

شكّل عام 1979 تحولًا جوهريًا في الطريقة التي باتت إيران الرسمية تنظر بها إلى إسرائيل، لكنه لا يكفي لتفسير مجمل التنافس الذي تطور لاحقًا. فقبل الثورة، أقام البلدان تعاونًا استراتيجيًا استند إلى بعض المصالح المشتركة. وبعد الثورة، أصبح هذا التعاون متعارضًا سياسيًا مع الهوية التي أعلنها النظام الجديد. وهكذا انتقلت إسرائيل من فئة الشركاء المفيدين إلى فئة الخصوم الأيديولوجيين. وأثر هذا التحول بعمق في العلاقات الدبلوماسية والتصورات السياسية والحسابات الإقليمية، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة ودائمة بين البلدين.

وتُذكّر الحرب الإيرانية العراقية، التي بدأت في سبتمبر 1980، بأن الأولويات الأمنية لطهران كانت تتحدد أولًا ببقاء النظام، والدفاع عن الأراضي الإيرانية، والحفاظ على التوازن الإقليمي المباشر. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد كان العراق بدوره مصدر قلق عسكري رئيسيًا في تلك المرحلة. وتحول هذه الحقيقة دون قراءة ثمانينيات القرن العشرين باعتبارها فترة اتخذ فيها التنافس الإسرائيلي الإيراني بالفعل الصورة التي سيبلغها لاحقًا. فالخطابات العدائية والمصالح الاستراتيجية والسلوكيات العملياتية لا تتطابق بالضرورة، وينبغي تحليل العلاقة بينها مع مراعاة سياق كل قرار.

وحدث تحول بنيوي مهم في نهاية الحرب الباردة. فقد غيّر تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 والهزيمة العسكرية العراقية خلال حرب الخليج موازين القوى الإقليمية. ولم يعد العراق، الذي أُضعف إلى حد كبير، يؤدي الدور نفسه في توزيع القوة، في حين غيّر اختفاء الاتحاد السوفييتي البيئة الدولية التي تحركت ضمنها إيران وإسرائيل. وأسهمت هذه التحولات في تقليص بعض أوجه التقارب السابقة، وفي بروز مخاوف جديدة بشأن النفوذ الإقليمي لطهران. لكنها لا تمثل سببًا وحيدًا ولا تحولًا موحدًا في جميع المجالات؛ إذ ظلت توجهات الحكومات والمفاوضات الإقليمية والتطورات الداخلية عوامل مؤثرة في مسار التنافس.

وشهدت المرحلة التالية تزايد التداخل بين المعارضة الأيديولوجية والمخاوف المتعلقة بالقدرات العسكرية والشراكات الإقليمية وتغير ميزان القوى. واحتلت المسألة الإيرانية مكانة متنامية في النقاشات الاستراتيجية الإسرائيلية، بينما طورت طهران أدواتها الخاصة للنفوذ والردع في بيئة اعتبرتها غير مواتية لها. وهكذا أصبح التنافس أكثر تنظيمًا وترابطًا، من دون أن يكون من الممكن اختزاله في تصريح واحد أو صراع واحد أو قرار اتُّخذ عام 1979.

ومن ثم، يتيح التمييز بين القطيعة السياسية والتنافس الاستراتيجي فهم الاستمرارية التاريخية بصورة أفضل. فقد غيّرت الثورة الفئة السياسية التي أدرجت الدولتان علاقتهما ضمنها. ثم منحت الأزمات والتحولات الإقليمية هذه المعارضة أثرًا عملياتيًا متزايدًا. وكان هذا التراكم، لا الانتقال الفوري من الصداقة إلى الحرب، هو ما مهّد لتشكل منظومة من التصورات المتبادلة، احتلت فيها قدرات الخصم وتحالفاته مكانة متزايدة.

14. نشأة تصور جديد للعدو

فتحت ثورة عام 1979 مرحلة جديدة في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية، من خلال تغيير الإطار السياسي والأيديولوجي الذي يفسر البلدان في ضوئه مصالحهما. فبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، أصبحت إسرائيل خصمًا رسميًا مرتبطًا بالنظام الإقليمي الذي تعارضه الثورة وبالقضية الفلسطينية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد مثّل سقوط نظام الشاه خسارة شريك استراتيجي مهم وظهور دولة يرفض خطابها الرسمي شرعية إسرائيل. وشكّل هذا التباين نقطة انطلاق لتحول أطول أمدًا، أخذت خلاله المعارضة السياسية ترتبط تدريجيًا بمخاوف أمنية أكثر تحديدًا.

ومع ذلك، ينبغي تجنب إسقاط جميع أبعاد المواجهة المعاصرة بأثر رجعي على عام 1979. فتطور البرنامج النووي الإيراني، وتنامي القدرات الصاروخية، وتصاعد أهمية حزب الله، والحروب في لبنان، والمواجهات المرتبطة بالأراضي الفلسطينية، والعمليات السرية، تنتمي إلى مراحل تاريخية مختلفة. وقد تفاعلت هذه العناصر مع مرور الزمن، لكنها لم تكن تشكل منظومة مكتملة لحظة اندلاع الثورة. ويتطلب تحليلها التمييز بين الأسباب الأولية والتطورات الوسيطة والقرارات المتخذة في سياقات استراتيجية محددة.

وكان أبرز ما أنتجته ثورة 1979 هو تغيير دائم في إطار التصور المتبادل. فقد بدأ البلدان ينظران إلى جانب من بيئتهما من خلال علاقة أصبحت متعارضة سياسيًا. ويمكن لهذا التصور أن يؤثر لاحقًا في العقائد الأمنية والخيارات الدبلوماسية وتقييمات أجهزة الاستخبارات والقرارات المتعلقة بالشراكات الإقليمية. وهو لا يحدد آليًا كل سياسة، لكنه يسهم في تشكيل الطريقة التي تُحدَّد بها المخاطر وتُرتب وفق أولوياتها.

ومن هنا، يصبح السؤال المركزي هو كيفية الانتقال من الخصم السياسي إلى التهديد الاستراتيجي، ثم من التهديد الاستراتيجي إلى التهديد الذي يُنظر إليه باعتباره وجوديًا. ولا يمكن تفسير هذا الانتقال بالأيديولوجيا وحدها، بل يتوقف أيضًا على تطور القدرات، والنوايا المنسوبة إلى الطرف الآخر، والذاكرة التاريخية، والتحولات في ميزان القوى الإقليمي. لذلك، ينبغي دراسة كيفية تراكم هذه العوامل وتعزيز بعضها بعضًا، مع مراعاة أنها لا تتمتع جميعها بالمكانة نفسها من حيث الوقائع المثبتة، ولا بالوزن ذاته في قرارات الدولتين.

وسيتناول الفصل التالي هذا التحول، محاولًا فهم الكيفية التي يتوقف بها الخصم عن كونه مجرد طرف خارجي يُقاتَل أو يُعارَض، ليصبح مرجعًا دائمًا في تعريف الأمن القومي. وليس الهدف افتراض حتمية المواجهة، بل تحديد الآليات التي يمكن من خلالها لتصورات التهديد والعقائد والاستجابات الاستراتيجية أن تسهم في إدامة التنافس.

من القطيعة السياسية إلى التهديد الوجودي

15. العدو ليس مجرد الطرف الذي نحاربه

لا تكفي القطيعة الدبلوماسية وحدها لإنشاء عدو دائم. فقد تقطع الدول علاقاتها، أو تتعارض مصالحها الأساسية، أو تمر بفترات من المواجهة، ثم تغير مواقفها عندما تتبدل بيئتها الاستراتيجية. وفي الحالة الإسرائيلية الإيرانية، يتمثل السؤال الحاسم في فهم الكيفية التي اندمجت بها المعارضة التي نشأت بعد عام 1979 تدريجيًا في التصورات الأمنية للبلدين. عندئذ يصبح الخصم أكثر من مجرد طرف توجد خلافات معه؛ إذ تدخل قدراته ونواياه المفترضة وشراكاته وإمكاناته العملية ضمن الحسابات التي تعتمد عليها كل دولة لتقييم أمنها.

ومع ذلك، لم يحدث هذا التحول في مسار خطي متواصل. فخلال جزء من ثمانينيات القرن العشرين، مثّل العراق بقيادة صدام حسين مصدر قلق عسكري مباشر وكبير بالنسبة إلى إسرائيل. كما وضعت الحرب الإيرانية العراقية بقاء النظام الإيراني والدفاع عن أراضيه في صدارة اهتمامات طهران. ولذلك، لم تكن الحسابات الاستراتيجية تتطابق دائمًا مع التصنيفات الأيديولوجية المعلنة على الملأ. فاستمرار العداء السياسي لإسرائيل لم يكن يعني أن إيران أصبحت بالفعل، في نظر جميع المسؤولين الإسرائيليين، التهديد الأول في كل مجال من مجالات الأمن.

ثم أدت نهاية الحرب الباردة إلى تغيير جانب من هذه البيئة. فقد غيّر تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 والضعف الكبير الذي أصاب العراق بعد حرب الخليج توزيع القوى في الشرق الأوسط. واضطرت إيران وإسرائيل إلى إعادة تقييم موقعيهما ضمن نظام إقليمي تراجعت فيه أهمية بعض القيود السابقة. وتشير موسوعة إيرانیکا (Encyclopaedia Iranica) إلى أن هذه المرحلة مثّلت منعطفًا رئيسيًا، تميز بضعف العوامل التي كانت تسمح سابقًا لبعض المصالح الإيرانية والإسرائيلية بالتعايش رغم المعارضة السياسية بين البلدين. ومع ذلك، ينبغي فهم عام 1991 بوصفه تحولًا بنيويًا أخذت آثاره تتكشف تدريجيًا، لا باعتباره تاريخًا يفسر وحده جميع التطورات اللاحقة.

وشهدت السنوات التالية اكتساب التنافس أهمية استراتيجية أكبر. فقد تداخلت المخاوف الإسرائيلية بشأن النفوذ الإقليمي الإيراني تدريجيًا مع التساؤلات حول القدرات العسكرية لطهران، في حين سعت إيران إلى ترسيخ موقعها في بيئة اعتبرتها خاضعة للهيمنة الأمريكية ومتميزة بالتفوق العسكري الإسرائيلي. ولم يستجب البلدان لهذه التحولات بالطريقة نفسها، لكن كليهما أصبح مضطرًا إلى أخذ إمكانات الطرف الآخر في الحسبان بدرجة أكبر.

وهكذا أصبح العدو عنصرًا دائمًا في التخطيط الاستراتيجي. ولا يعني ذلك أن كل قرار بات محكومًا بالتنافس، أو أن الحرب أصبحت حتمية، بل يعني أن المسؤولين السياسيين والأمنيين أخذوا يقيّمون عددًا متزايدًا من القرارات في ضوء آثارها المحتملة على قدرات الخصم ونواياه. وهذا الانتقال من المعارضة السياسية إلى اتخاذ الخصم مرجعًا أمنيًا دائمًا يساعد على فهم التشكّل التدريجي لمنظومة التنافس.

16. كيف يتحول الخصم إلى تهديد وجودي؟

يتطلب مفهوم التهديد الوجودي تعريفًا دقيقًا. فهو لا يشير ببساطة إلى دولة معادية أو منافس إقليمي أو خصم يمتلك قدرات عسكرية كبيرة، بل إلى تهديد يُنظر إليه على أنه قادر على تقويض الشروط الأساسية لبقاء الدولة أو أمنها أو استمرارها. وفي التنافس الإسرائيلي الإيراني، تشكل هذا التصور تدريجيًا انطلاقًا من عناصر عدة، من بينها التصريحات السياسية العدائية، وتطور القدرات العسكرية، والشراكات الإقليمية، والتقييمات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والذاكرة التاريخية الخاصة التي يستند إليها القادة الإسرائيليون في تفسير المخاطر الأمنية.

ولتحليل هذا التطور بدقة، ينبغي التمييز بين أربع فئات. تتعلق الأولى بالقدرات القابلة للرصد، مثل المعدات والبنى التحتية والبرامج التكنولوجية ووسائل العمل التي تمتلكها الدولة بالفعل. وتتعلق الثانية بالنوايا المنسوبة إليها، والتي تُقيَّم استنادًا إلى تصريحاتها وسلوكها والمعلومات المتاحة. وتشمل الثالثة المواقف السياسية والعقائد المعلنة رسميًا من جانب القادة. أما الرابعة فتتمثل في التصورات الاستراتيجية الناتجة عن تفسير هذه العناصر مجتمعة. وتتفاعل هذه الفئات، لكنها ليست مترادفة ولا يمكن إحلال إحداها محل الأخرى. فامتلاك قدرة معينة لا يثبت تلقائيًا وجود نية لاستخدامها، كما أن صدور تصريح عدائي لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة عملياتية.

وقد أضفت المسألة النووية الإيرانية عمقًا خاصًا على هذه الديناميكية. ففي عام 2002، أسهم الكشف العلني عن مواقع نووية لم يكن قد أُعلن عنها سابقًا، ولا سيما في نطنز وآراك، في تكثيف التحقيقات الدولية والجدل بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني ومدى شفافيته. وأفضت المفاوضات اللاحقة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). وكان الاتفاق يهدف، من بين أمور أخرى، إلى فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني وإنشاء إطار للتحقق. غير أن التطورات السياسية والخلافات المتعلقة بتنفيذه أبقت حالة من عدم اليقين بشأن آفاق التوصل إلى تسوية مستدامة لهذا الملف.

وأكدت إيران رسميًا أن برنامجها النووي يهدف إلى تحقيق أغراض سلمية، وأن الأسلحة النووية لا تدخل ضمن عقيدتها المعلنة. وينبغي نقل هذا الموقف بوصفه تصريحًا رسميًا، لا اعتباره دليلًا كافيًا لحسم جميع الأسئلة المتعلقة بالنوايا أو القدرات. وفي المقابل، يجب التمييز بين المخاوف التي تعبر عنها إسرائيل وأطراف دولية أخرى، والوقائع المثبتة تقنيًا، والتقييمات المتعلقة بالمخاطر المستقبلية. ويتعين على التحليل الدقيق أن يوضح ما أثبتته عمليات التفتيش والتقييمات الدولية بالفعل، وما لا يزال موضع خلاف، وما يندرج ضمن التوقعات الاستراتيجية.

وعليه، لا يمكن اختزال مفهوم التهديد الوجودي في مجرد وجود برنامج نووي. فهو ينشأ من الطريقة التي تُجمع بها القدرات والنوايا المنسوبة والتصريحات والتطورات الإقليمية ضمن تقدير استراتيجي واحد. وبالنسبة إلى إسرائيل، أصبح احتمال امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية يُنظر إليه تدريجيًا باعتباره خطرًا جسيمًا. أما إيران، فقد تقدم تطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية باعتباره وسيلة لحماية سيادتها وتعزيز ردعها والحد من تعرضها للضعف أمام خصوم أقوى منها. وينبغي دراسة هذه التصورات من دون افتراض أن الدولتين تمتلكان القدرات نفسها أو تسعيان إلى الأهداف ذاتها أو تتحملان المسؤوليات نفسها.

ويساعد مفهوم معضلة الأمن على تفسير الكيفية التي يمكن أن تعزز بها هذه التصورات بعضها بعضًا. فعندما تعزز دولة قدراتها لحماية نفسها، قد تفسر دولة أخرى هذا التعزيز باعتباره تهديدًا، فتتخذ بدورها تدابير أمنية إضافية. وعندئذ قد تبدو استجابة الطرف الثاني، في نظر الطرف الأول، تأكيدًا لمخاوفه الأصلية. ويمكن أن تستمر هذه الديناميكية حتى عندما يقدم كل طرف قراراته باعتبارها دفاعية. وليس المقصود من ذلك القول إن جميع الأفعال مشروعة أو إن المسؤوليات متناظرة بالضرورة، بل فهم الكيفية التي يمكن بها للتدابير الرامية إلى الحد من مواطن الضعف أن تسهم في خلق بيئة يراها الطرف الآخر أكثر خطورة.

17. الذاكرة والأيديولوجيا والأمن القومي

لا يمكن فهم التنافس الإسرائيلي الإيراني من خلال القدرات العسكرية وموازين القوى وحدها. فالذاكرة التاريخية والأيديولوجيا تؤثران أيضًا في الطريقة التي يفسر بها القادة الأحداث ويرتبون المخاطر وفق أولوياتها. ففي إسرائيل، تحتل تاريخية الاضطهادات المعادية للسامية والمحرقة النازية مكانة محورية في الوعي الجماعي وفي التفكير المتعلق ببقاء الدولة. ولا تحدد هذه الذاكرة قرارات الحكومة بصورة آلية، لكنها تساعد على تفسير الجدية التي تُستقبل بها بعض التهديدات التي يُنظر إليها على أنها تمس وجود إسرائيل. وفي إيران، أسهمت الثورة عام 1979، ورفض الملكية، والحرب الإيرانية العراقية، والتصور القائل باستمرار الضغوط الخارجية، في تشكيل التصورات الرسمية للسيادة والأمن.

وتمنح الأيديولوجيا هذه التجارب معنى سياسيًا. فمنذ عام 1979، أصبحت معارضة إسرائيل عنصرًا دائمًا في الخطاب الإيراني الرسمي، واندُمجت في التصور الإقليمي للجمهورية الإسلامية. ومع مرور الوقت، تداخل هذا التوجه مع السعي إلى بناء شراكات وعلاقات مع أطراف يمكن أن تعزز النفوذ الإيراني وقدرته على مواجهة الضغوط الخارجية. ويحتل حزب الله اللبناني مكانة مهمة في هذا التطور. فقد ارتبط ظهوره بالحرب الأهلية اللبنانية، والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتأثير الثورة الإيرانية في جانب من المجتمع الشيعي اللبناني. ثم تطورت الحركة لتصبح فاعلًا سياسيًا وعسكريًا يمتلك هياكله ومصالحه الخاصة، مع احتفاظه بعلاقة استراتيجية وثيقة مع طهران.

ولا يمكن وصف هذه العلاقة بدقة عبر اختزال حزب الله في أداة بسيطة تفتقر إلى الاستقلالية. فالدعم الإيراني والتقارب الأيديولوجي والمصالح الاستراتيجية المشتركة عوامل مهمة، لكنها لا تلغي حسابات الحركة الخاصة، أو جذورها في المجتمع اللبناني، أو القيود التي تفرضها بيئتها الوطنية. والأدق هو فهم العلاقة بوصفها شراكة غير متكافئة تتلاقى فيها بعض المصالح، مع بقاء هوامش لاتخاذ القرار وأولويات خاصة بكل طرف. ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية لتجنب الخلط بين النفوذ والتبعية والسيطرة العملياتية.

ويؤثر تنامي أهمية هذه الشبكات في الطريقة التي تقيّم بها إسرائيل التهديد الإيراني. فلم يعد بوسع المسؤولين الإسرائيليين الاقتصار على دراسة القدرات الوطنية لإيران، بل بات عليهم أيضًا مراعاة علاقات طهران مع فاعلين مسلحين موجودين في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. وفي المقابل، يسهم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وشراكات إسرائيل، وتفوقها التكنولوجي، في تشكيل تصور إيراني أوسع للبيئة الاستراتيجية. وهكذا لا تلغي المسافة الجغرافية بين البلدين احتمالات المواجهة غير المباشرة، بل تساعد على نشوء وضع يمكن أن تظهر فيه تداعيات التنافس في أراضٍ منفصلة عن أراضي الخصمين الرئيسيين.

وأسهم التحول الإقليمي خلال تسعينيات القرن العشرين في تعزيز هذا المسار. فقد أدى تفكك الاتحاد السوفييتي وضعف العراق إلى تغيير القيود التي كانت تنظم الحسابات الإقليمية في السابق. وفي الوقت نفسه، اكتسبت المخاوف المتعلقة بالقدرات الصاروخية الإيرانية، ثم بالبرنامج النووي، أهمية متزايدة في النقاش الاستراتيجي الإسرائيلي. وهكذا اكتسبت المواجهة بُعدًا يجمع بين التصورات الأيديولوجية والشراكات الإقليمية وتقييم القدرات العسكرية.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل هذا المسار إلى سردية حتمية يُفضي فيها كل حدث بالضرورة إلى الحدث الذي يليه. فالأولويات الحكومية قابلة للتغير، وقد تتناوب فترات التوتر مع محاولات خفض التصعيد، كما قد تقود المصالح الاستراتيجية إلى خيارات لا تتطابق تمامًا مع الخطابات العامة. ولا تحل الذاكرة والأيديولوجيا محل الحساب الاستراتيجي، بل تسهمان في توفير الإطار الذي يُفسَّر من خلاله. ويكمن تفسير استمرار التنافس، حتى في غياب حرب مفتوحة بين الدولتين، في التفاعل بين هذه العوامل والقدرات والتحالفات.

وهنا تكتسب فكرة «منظومة العدو» معناها الكامل. فهي لا تفترض أن البلدين محكوم عليهما بمواجهة دائمة، ولا أن العداء يحدد جميع قراراتهما، بل تصف وضعًا يؤثر فيه وجود الخصم بصورة مستمرة في تعريف المخاطر وخيارات الشراكة والعقائد الأمنية. وهكذا يصبح التنافس مرجعًا بنيويًا، حتى عندما تسعى الحكومات إلى تجنب التصعيد المباشر.

18. عندما يعتمد أمن أحد الطرفين على إضعاف الآخر

يبلغ التنافس الإسرائيلي الإيراني درجة من التعقيد على نحو خاص عندما يبدأ كل طرف في اعتبار أن تعزيز قدرات الآخر ينتقص مباشرة من أمنه. وعندئذ لا تعود المنافسة مقتصرة على أرض أو مفاوضات أو مصلحة عابرة، بل تتعلق بإمكانية السماح للخصم بتوسيع وسائل عمله أو نفوذه الإقليمي أو قدرته على الردع. ويظهر هذا المنطق خصوصًا في المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وفي سعي إيران إلى تطوير قدرات وطنية وشراكات من شأنها الحد من مواطن ضعفها الاستراتيجية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأهداف المعلنة، والقدرات المتاحة فعليًا، والآثار التي تترتب على قرارات كل طرف. فقد تعتبر إسرائيل بعض القدرات الإيرانية تهديدات كبرى، وتسعى إلى الحد من تطورها. وقد تقدم إيران، من جانبها، قدراتها وعلاقاتها الإقليمية باعتبارها وسائل للردع في مواجهة التفوق العسكري لخصمها. ولا تكفي هذه التبريرات وحدها لإثبات الطبيعة الحقيقية لكل نية، لكنها تساعد على فهم سبب تفسير قرارات أحد الطرفين مرارًا من خلال مخاوف الطرف الآخر.

ويشكل حزب الله أحد الأبعاد الإقليمية الرئيسية لهذه الديناميكية. فبالنسبة إلى إسرائيل، تسهم القدرات العسكرية للحركة في لبنان وشراكتها مع طهران في توسيع نطاق التهديد المرتبط بإيران. أما بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، فإن علاقاتها مع فاعلين إقليميين تتيح لها امتلاك وسائل للنفوذ والضغط لا تعتمد حصرًا على قواتها الوطنية. ولا يعني هذا الترتيب أن جميع عمليات حزب الله تُقرَّر في طهران، بل يعكس وجود مصالح متلاقية وعلاقات دعم وتبعية، إلى جانب حسابات خاصة بفاعلين يحتفظون بأهداف مستقلة.

وهكذا يتجاوز التنافس الإطار الثنائي ويسهم في تشكيل عدد من الأزمات الإقليمية. ففي لبنان وسوريا والعراق والأراضي الفلسطينية، يمكن تفسير قرارات الفاعلين المحليين في ضوء علاقاتهم بإيران أو إسرائيل أو شركائهم. ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الحالات في مواجهة واحدة بين طهران وتل أبيب. فلكل ساحة تاريخها ومؤسساتها وفاعلوها وصراعاتها الداخلية. ويتفاعل التنافس الإسرائيلي الإيراني مع هذه الديناميكيات، لكنه لا يمثل بالضرورة تفسيرها الوحيد.

ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية لفهم تشكل منظومة إقليمية للمواجهة. فقد تعزز الأزمات بعضها بعضًا، لكنها لا تخضع جميعها لقيادة مركزية واحدة. فالحكومات والحركات المسلحة والفاعلون الآخرون يسعون إلى تحقيق أهداف قد تتلاقى مؤقتًا أو تتباعد أو تتغير مع مرور الوقت. لذلك، ينبغي للتحليل المتين أن يدرس الروابط التي تجمعهم، إلى جانب العوامل المحلية التي تحد من تنسيقهم.

ويمكن أن يستمر التنافس أيضًا في غياب حرب مفتوحة. فقد تُستخدم الاستخبارات والدبلوماسية والتحالفات والتكنولوجيا واستراتيجيات النفوذ للحد من إمكانات الخصم من دون إشعال مواجهة شاملة. ولا يمثل هذا الوضع بالضرورة سلامًا مستقرًا، بل قد يعكس توازنًا هشًا يسعى فيه الفاعلون في الوقت نفسه إلى تعزيز مواقعهم وتجنب عواقب تصعيد يخرج عن السيطرة.

ويكمن الخطر خصوصًا في تراكم قرارات تُتخذ كل على حدة. فقد يُفسَّر إجراء يُقدَّم باعتباره دفاعيًا على أنه هجومي، وقد تثير استجابة تهدف إلى استعادة الردع ردًا جديدًا، كما قد تكتسب أزمة محلية بُعدًا إقليميًا عندما يرى عدة فاعلين أن مصداقيتهم أو أمنهم على المحك. وهكذا قد تصبح مواجهة أوسع ممكنة من دون أن تكون هدفًا أوليًا لكل قرار على حدة. ولا تجعل هذه الآلية الحرب حتمية، لكنها توضح أهمية إدارة التصورات والإشارات والعتبات التي يمكن أن تؤدي إلى التصعيد.

ويتمثل التحول التحليلي الحقيقي إذن في تحول الخصم إلى مرجع دائم للحساب الاستراتيجي. فتقيّم إسرائيل جانبًا من أمنها في ضوء القدرات الإيرانية والنفوذ الإقليمي لطهران والشراكات التي قد تزيد المخاطر التي تواجهها. كما تقيّم إيران جانبًا من أمنها في ضوء التفوق العسكري الإسرائيلي والوجود الأمريكي في المنطقة وإمكانات الضغط الممارس عليها. ولا تعني هذه العلاقة السلبية أن مصالح البلدين متعارضة في جميع الظروف، بل تعني أن جانبًا مهمًا من قراراتهما بات يتأثر بالطريقة التي يتوقع بها كل منهما ردود فعل الآخر.

وانطلاقًا من هذه الآلية، يمكن دراسة الحرب في الظل. فلدى الدولتين أسباب تدفعهما إلى الحد من تكاليف الحرب الشاملة، مع سعي كل منهما إلى منع الآخر من تعزيز قدرات معينة أو تحسين موقعه الإقليمي. وقد ينتقل التنافس عندئذ إلى مجالات الاستخبارات والعمليات السرية والبنى التحتية الاستراتيجية والفضاء السيبراني والساحات الإقليمية المختلفة. ولا ينبغي النظر إلى هذه الأبعاد بوصفها مظاهر لآلية واحدة؛ إذ لكل منها فاعلوها وقيودها ومخاطرها الخاصة. ومع ذلك، تساعد دراستها على فهم كيفية تحول التنافس إلى حالة مستدامة من دون أن يتجسد باستمرار في حرب معلنة رسميًا.

وسيتناول الفصل التالي هذا التطور من خلال وضع الساحات الإقليمية المختلفة ضمن سياقاتها الخاصة. وسيركز خصوصًا على دور لبنان وسوريا، وديناميكيات الأراضي الفلسطينية، والوضع العراقي، وغيرها من المناطق التي تتلاقى فيها المصالح الإيرانية والإسرائيلية أو تتصادم. والهدف هو توضيح كيفية اندراج التنافس بين دولتين ضمن بيئة إقليمية أوسع، من دون اختزال الفاعلين المحليين في مجرد أدوات، أو الخلط بين تصورات التهديد والوقائع المثبتة.

الحرب في الظل

19. حزب الله وحماس وسوريا والعراق واليمن

لم يتطور التنافس الإسرائيلي الإيراني داخل أراضي الدولتين وحدها. فمن أبرز سماته انتقاله إلى مناطق تستطيع فيها إسرائيل وإيران ممارسة النفوذ ودعم الشركاء والضغط استراتيجيًا، من دون الدخول فورًا في حرب تقليدية مباشرة. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، وبصورة أوضح بعد نهاية الحرب الباردة، عملت طهران على تطوير شبكة علاقات مع فاعلين سياسيين ومسلحين مختلفين في الشرق الأوسط. ويؤدي الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، ولا سيما فيلق القدس التابع له، دورًا مهمًا في هذا الامتداد الإقليمي. وتمتد هذه الشبكة إلى لبنان والأراضي الفلسطينية والعراق وسوريا واليمن، لكن مكوناتها ليست متطابقة ولا تخضع جميعها لقيادة طهران بصورة كاملة. فالعلاقات تقوم، بحسب الحالات، على التقارب السياسي أو الدعم المالي والعسكري أو نقل الخبرات أو المصالح المشتركة، مع احتفاظ الفاعلين المحليين بهوامش متفاوتة من الاستقلالية.

ويحتل حزب الله اللبناني مكانة خاصة ضمن هذه البنية. فقد نشأ في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، والغزو الإسرائيلي عام 1982، وتعبئة تيارات شيعية متعددة. وأقام الحزب روابط وثيقة مع إيران الثورية، ثم أصبح تدريجيًا أحد أبرز شركائها الإقليميين. وقد منح حضوره السياسي والاجتماعي والعسكري في لبنان التنافس الإسرائيلي الإيراني عمقًا جغرافيًا جديدًا. إذ بات على إسرائيل أن تأخذ في الحسبان احتمال ظهور تداعيات هذا التنافس من أراضٍ تقع بالقرب من حدودها الشمالية. وهكذا أصبحت العلاقة بين طهران وحزب الله عنصرًا دائمًا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، رغم أن قرارات الحزب ترتبط أيضًا بمصالحه الخاصة والوضع الداخلي اللبناني وتطور الصراع مع إسرائيل.

وتضيف القضية الفلسطينية بُعدًا آخر إلى هذه البنية. فإيران تقدم دعمًا سياسيًا وماديًا لعدد من التنظيمات الفلسطينية، ولا سيما حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني. غير أنه لا ينبغي مساواة هذه العلاقات بسلسلة قيادة موحدة. فحماس تنتمي إلى تقليد سياسي وديني يختلف عن تقليد الجمهورية الإسلامية، وترتبط قراراتها أساسًا بتفسيرها الخاص للنضال الوطني الفلسطيني، وأهدافها التنظيمية، وبيئتها السياسية. ويمكن للعلاقات مع طهران أن تعزز بعض قدرات الحركة من دون أن تلغي استقلالية قراراتها. وبعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 واندلاع الحرب في غزة، أصبح هذا البُعد الإقليمي أكثر وضوحًا. فقد أسهمت المواجهات التي شارك فيها حزب الله، وجماعات مسلحة في العراق وسوريا، والحوثيون في اليمن، في ربط عدة ساحات كانت حتى ذلك الحين منفصلة نسبيًا.

وتشكل سوريا ساحة أساسية أخرى، ولكن وفق منطق مختلف. فعلى مدى عقود، وفر نظام بشار الأسد لطهران شريكًا سياسيًا وأرضًا تشكل ممرًا استراتيجيًا يربط إيران بالعراق ولبنان. ثم حولت الحرب الأهلية السورية، التي بدأت عام 2011، هذه العلاقة إلى تعاون عسكري أعمق بكثير. فقد دعمت إيران وحزب الله نظام الأسد، في حين نفذت إسرائيل عمليات عديدة ضد منشآت وعمليات نقل أسلحة ومواقع اعتبرتها مرتبطة بالوجود الإيراني أو بتعزيز قدرات حزب الله. وأدى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 إلى إحداث تغيير كبير في هذه البنية، إذ أضعف أحد أهم قنوات النفوذ الإقليمي لطهران. غير أن ذلك لا يسمح باستنتاج أن النفوذ الإيراني اختفى فورًا وبالكامل من الأراضي السورية.

ويوسع العراق واليمن النطاق الجغرافي لهذا التنافس. فبعد الغزو الأمريكي عام 2003 وتحول النظام العراقي السابق، طورت عدة ميليشيات شيعية علاقات وثيقة مع إيران واكتسبت نفوذًا مهمًا في المشهد السياسي والأمني العراقي. ومع ذلك، لا تشكل هذه الجماعات كتلة موحدة؛ إذ تختلف علاقاتها بمؤسسات الدولة وأهدافها المحلية ودرجة اعتمادها على طهران. أما في اليمن، فقد اتبعت العلاقات بين إيران والحوثيين مسارًا مختلفًا، متجذرًا في تاريخ البلاد السياسي والاجتماعي. ويسهم الدعم الإيراني في تعزيز بعض قدرات الحركة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير خياراتها أو جميع عملياتها. ومنذ عام 2023، منحت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر وعملياتهم الموجهة ضد إسرائيل هذا التنافس بُعدًا بحريًا وتجاريًا يتجاوز بكثير المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران.

لذلك، لا يمكن وصف هذه الشبكة بأنها مجرد «جيش خارجي» لإيران. فمثل هذا التصور من شأنه أن يمحو تنوع المجتمعات والصراعات والمصالح المحلية التي تتجذر فيها هذه الجهات. والأدق هو الحديث عن بنية للنفوذ والشراكات المسلحة، تسعى طهران من خلالها إلى تعزيز عمقها الاستراتيجي وتوسيع خيارات الضغط على خصومها. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تنوع هذه الجهات لا يلغي التحدي العملياتي؛ إذ تقيم عدة تنظيمات معادية للدولة الإسرائيلية علاقات مع الجمهورية الإسلامية وتمتلك قدرات على التحرك في ساحات بعيدة عن الأراضي الإيرانية. وهكذا لم يعد التنافس مسألة ثنائية محضة، بل أصبح مجموعة من الصراعات المترابطة.

20. منطق الشبكات والجهات الحليفة

لا تكمن الجدة الاستراتيجية في وجود حلفاء بحد ذاته، بل في إمكانية توزيع الضغط على عدة ساحات. فقد تسعى دولة تعتقد أنها غير قادرة على منافسة خصم متفوق عليها عسكريًا بصورة مباشرة إلى توسيع هامش حركتها من خلال تطوير علاقات مع فاعلين موجودين في بيئات جغرافية متعددة. وبالنسبة إلى طهران، توفر هذه الاستراتيجية عمقًا لا تستطيع قدراتها الوطنية وحدها تحقيقه. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي تعني أن التهديد لا يمكن تقييمه فقط انطلاقًا من المسافة التي تفصل بين الدولتين. فقد يوجد شركاء إيران بالقرب من الأراضي الإسرائيلية أو يعملون على طرق بحرية أساسية للتجارة الدولية. وهكذا أصبحت الشبكة نفسها معطًى استراتيجيًا قائمًا بذاته.

وتتسم هذه البنية بعدم التكافؤ العميق. فحزب الله يمتلك تنظيمًا سياسيًا وعسكريًا متجذرًا في لبنان؛ وتستجيب الجماعات الفلسطينية لديناميكيات مرتبطة بخصوصية القضية الوطنية الفلسطينية؛ وتتحرك الميليشيات العراقية داخل نظام سياسي تتداخل فيه المؤسسات الحكومية والمصالح المحلية والتأثيرات الأجنبية؛ بينما يسعى الحوثيون إلى تحقيق مشروعهم الخاص للسلطة في اليمن. ويمكن استخدام مصطلح «المحور» لوصف بعض أوجه التقارب السياسي والاستراتيجي، لكنه يصبح مضللًا عندما يوحي بوجود تنظيم مركزي كامل، تنفذ كل مكوناته قرارات طهران بصورة آلية. والأفضل هو تحليل مجموعة من الشركاء تختلف درجات التنسيق والاعتماد والاستقلالية بينهم بحسب الفترات والظروف.

وتشكل مرونة هذه الشبكة إحدى مزاياها المحتملة. إذ يمكن نقل الضغط من ساحة إلى أخرى من دون أن يستلزم ذلك تدخلًا عسكريًا إيرانيًا مباشرًا في كل مرحلة. ويمكن للفاعلين المختلفين متابعة مصالحهم الخاصة مع تقاسم بعض التوجهات الاستراتيجية مع طهران. لكن هذه المرونة تنطوي أيضًا على نقطة ضعف؛ فكلما اتسعت الشبكة، ازدادت صعوبة التحكم في جميع نتائج أفعالها. وقد تؤدي عملية تُتخذ في بيروت أو غزة أو بغداد أو صنعاء إلى ردود فعل في تل أبيب أو واشنطن أو طهران لم يكن صاحبها قد توقعها بالضرورة. ومن ثم، قد يترافق العمق الاستراتيجي المكتسب مع ارتفاع مخاطر التصعيد.

وبعد أكتوبر 2023، أصبحت هذه الصعوبة أكثر وضوحًا. فقد أظهرت الحرب في غزة، والمواجهات بين إسرائيل وحزب الله، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وتحركات الجماعات المسلحة في العراق وسوريا، كيف يمكن لأزمات محلية متعددة أن تتصل بعضها ببعض. وفي عام 2024، تجاوزت المواجهة عتبة إضافية عندما هاجمت إيران إسرائيل مباشرة بعد الضربة التي استهدفت مبنى ضمن المجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق في الأول من أبريل. ثم تبادل البلدان ضربات مباشرة جديدة في أكتوبر. ولم يختفِ التمييز بين الحرب غير المباشرة والمواجهة بين الدول، لكنه أصبح أقل وضوحًا بكثير. وظلت الشبكات الإقليمية نشطة في الوقت نفسه الذي بدأت فيه الدولتان نفسيهما تؤديان دورًا أكثر مباشرة في العمليات.

21. البرنامج النووي الإيراني والتصور الإسرائيلي

إلى جانب هذه البنية الإقليمية، يوجد عامل مختلف في طبيعته، هو البرنامج النووي الإيراني. ولا يمكن مساواته بالشبكات المسلحة التي سبق تناولها، لأنه يتعلق مباشرة بالقدرات الاستراتيجية للدولة الإيرانية وباحتمال أن تتمكن طهران يومًا ما من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وهو احتمال يثير مخاوف إسرائيل ودول أخرى. وتؤكد إيران أن برنامجها يهدف إلى تحقيق أغراض سلمية، وتستند إلى حقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وكان الاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، قد فرض قيودًا على بعض الأنشطة الإيرانية ووضع آليات للتحقق، مقابل تخفيف العقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، ثم التآكل التدريجي للقيود وآليات بناء الثقة، أضعفا هذا الإطار بصورة عميقة.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تتداخل المسألة النووية مع التجربة المتراكمة منذ ثورة عام 1979. فالدولة التي عبّر قادتها عن معارضة سياسية جذرية لإسرائيل، وتحافظ على علاقات مع عدة تنظيمات مسلحة معادية للدولة الإسرائيلية، وتمتلك قدرات صاروخية، قد يُنظر إليها باعتبارها تمثل خطرًا مختلفًا نوعيًا إذا اقتربت من امتلاك قدرة نووية عسكرية. لذلك، لا يستند التصور الإسرائيلي إلى البرنامج النووي وحده، بل ينتج عن الجمع بين التصريحات السياسية والقدرات العسكرية والعلاقات الإقليمية والغموض المحيط بنوايا طهران المستقبلية. وهذا التداخل يفسر لماذا أصبح الملف النووي إحدى أبرز نقاط الاحتكاك بين البلدين.

ومع ذلك، يجب التمييز بين هذا التصور والنوايا التي تعلنها السلطات الإيرانية بالفعل، وكذلك القدرات التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. إذ تؤكد طهران أنها لا تسعى إلى صنع سلاح نووي، وتقدم برنامجها باعتباره ممارسة لحقوق مدنية وسيادية. وفي الوقت نفسه، تتمحور المخاوف الدولية حول مستوى تخصيب اليورانيوم، وحجم المخزونات المتراكمة، وإمكانية وصول المفتشين، والمدة التقنية التي قد تكون لازمة لاجتياز مراحل إضافية إذا اتُّخذ قرار بصنع سلاح. فالبرنامج النووي المتقدم، والقدرة التقنية الكامنة، واتخاذ قرار بإنتاج سلاح، وامتلاك ترسانة نووية فعلية، أمور مختلفة. والخلط بينها من شأنه أن يضعف التحليل.

ومن ثم، ترتبط المشكلة الاستراتيجية أيضًا بحالة عدم اليقين. فعندما لا يستطيع خصم تحديد نوايا الطرف الآخر المستقبلية بثقة، يميل إلى الاستدلال انطلاقًا من القدرات التي قد يتمكن الطرف الآخر من استخدامها مستقبلًا. وقد تقدم إسرائيل سياستها الرامية إلى منع إيران من توسيع قدراتها باعتبارها إجراءً وقائيًا. وفي المقابل، قد تفسر طهران هذه الضغوط على أنها محاولة لتقييد سيادتها وخياراتها في مجال الردع. وهكذا قد يعتبر كل طرف تدابيره دفاعية، بينما يرى تدابير الطرف الآخر هجومية. ولا تعني معضلة الأمن هذه أن المسؤوليات متطابقة أو أن قدرات الدولتين ونواياهما متكافئة، بل تصف آلية يمكن من خلالها لانعدام الثقة أن يغذي التصعيد، حتى عندما يؤكد الطرفان رغبتهما في منع التهديد.

22. الاستخبارات والعمليات السرية والمواجهة السيبرانية

عندما ترى دولتان أن المواجهة المفتوحة ستفرض عليهما تكاليف باهظة، تصبح الاستخبارات أداة محورية في تنافسهما. وعلى مدى سنوات، انخرطت إسرائيل وإيران في مواجهة سرية جمعت بين جمع المعلومات والتخريب وعمليات نُسبت إلى جهات معينة أو بقيت مجهولة رسميًا، واستهداف البنى التحتية، ومحاولات إبطاء القدرات الاستراتيجية للخصم. وبرز هذا التنافس بوضوح خاص حول البرنامج النووي الإيراني. فقد سعت بعض العمليات السرية إلى تعطيل منشآت أو معدات من دون التسبب فورًا في اندلاع حرب مفتوحة. وأصبحت العملية السيبرانية المعروفة باسم «ستوكسنت» (Stuxnet) أحد أشهر الأمثلة على هذا التطور. وتُنسب هذه العملية على نطاق واسع إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم أن المسؤوليات الكاملة والتفاصيل العملياتية لم يُعترف بها رسميًا كلها.

وقد غيّر الفضاء السيبراني طبيعة الحرب في الظل. فهو يتيح جمع المعلومات الاستخباراتية، وتعطيل الأنظمة، والتأثير في البنى التحتية عن بُعد، من دون الحاجة بالضرورة إلى هجوم تقليدي ظاهر. وهكذا أصبحت شبكات الاتصال والأنظمة الصناعية والبنى التحتية الرقمية والبيئات المعلوماتية ساحات للتنافس. وطورت إيران قدراتها السيبرانية الخاصة، في حين اكتسبت إسرائيل سمعة مهمة في مجال الاستخبارات التكنولوجية والأمن السيبراني. ولا تلغي هذه القدرات القيود المرتبطة بالحرب التقليدية، لكنها توسع الوسائل التي تستطيع الدولة من خلالها ممارسة الضغط أو محاولة إبطاء خصمها أو تهيئة الظروف لعمل في مجال آخر.

كما يتجاوز دور الاستخبارات مجرد جمع المعلومات. ففي علاقة تتسم بانعدام عميق للثقة، تصبح القدرة على معرفة البنى التحتية للخصم وتحركاته ونواياه عنصرًا من عناصر الردع. لكن هذا السعي الدائم إلى المعرفة ينطوي على مفارقة. فقد يعتبر كل طرف عملياته الاستخباراتية ضرورية لأمنه، بينما يفسرها الطرف الآخر باعتبارها استعدادًا لعمل عدائي. ومن ثم، قد يسهم جمع المعلومات في تقليص بعض أوجه الغموض، لكنه قد يغذي في الوقت نفسه دورة الشك التي يسعى إلى ضبطها.

وفي هذه المساحة الوسطى تحديدًا، يجد مفهوم الحرب في الظل منطقه. فهي تتيح المراقبة والتعطيل والردع والإبطاء من دون الاعتراف بالضرورة بوجود صراع مفتوح. وتمنح الحكومات هامشًا للمناورة السياسية، لكنها تقلل أيضًا وضوح نواياها. وعندما تظل الجهة المسؤولة عن عملية ما مجهولة رسميًا، أو تبقى أهدافها موضع خلاف، يتعين على الخصم أن يقرر ما إذا كان سيرد، وكيف سيرد، وبأي مستوى، من دون أن يمتلك جميع المعلومات اللازمة. وهكذا يصبح خطر سوء التفسير عنصرًا أساسيًا في المواجهة.

23. حدود الحرب غير المباشرة

أتاحت الحرب في الظل لإسرائيل وإيران، على مدى طويل، إبقاء مواجهتهما دون عتبة الصدام الشامل. واستندت هذه الآلية إلى تناقض أساسي: إذ سعى كل طرف إلى تغيير التوازن الاستراتيجي من دون إشعال الحرب التي أراد تجنبها تحديدًا. وكان من الممكن أن يساعد هذا النهج على احتواء التصعيد ما دامت الردود محدودة نسبيًا، والإشارات قابلة للتفسير، والساحات المختلفة منفصلة بدرجة كافية. لكن هذه الشروط أخذت تضعف تدريجيًا. فقد زادت العمليات السرية والمواجهات عبر الشركاء الإقليميين والتهديدات الموجهة إلى البنى التحتية الاستراتيجية من احتمالات الرد ومن مخاطر سوء التقدير.

وشكّل عام 2024 منعطفًا مهمًا. ففي الأول من أبريل، أدت ضربة استهدفت مبنى ضمن المجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق إلى مقتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم الجنرال محمد رضا زاهدي. وفي ليلة 13 إلى 14 أبريل، أطلقت إيران طائرات مسيرة وصواريخ مباشرة باتجاه إسرائيل. وقد جرى اعتراض جزء كبير من المقذوفات بمشاركة إسرائيل والولايات المتحدة وشركاء إقليميين. ومع ذلك، ظل الحدث بالغ الأهمية؛ إذ اختارت طهران مهاجمة الأراضي الإسرائيلية مباشرة بدلًا من قصر ردها على تحركات شركائها الإقليميين. وفي الأول من أكتوبر، شنت إيران هجومًا جديدًا بالصواريخ الباليستية على إسرائيل. وردت إسرائيل في 26 أكتوبر بضربات استهدفت منشآت عسكرية إيرانية. وعند هذه المرحلة، أصبح الفصل بين المواجهة غير المباشرة وتبادل الضربات المباشرة أكثر هشاشة بكثير.

ولا يعني هذا التطور اختفاء الحرب غير المباشرة، إذ تواصل الشبكات الإقليمية وجودها وأداء دور مهم. لكن وظيفتها تغيرت؛ فلم تعد مجرد بديل للمواجهة المباشرة، بل أصبحت قادرة على مضاعفة الأزمات في بيئة تتبادل فيها الدولتان نفسيهما الضربات. فقد تؤدي عملية ضد أحد الشركاء إلى رد على إيران، وقد يتسبب الرد الإيراني في تحرك إسرائيلي جديد، وقد يؤدي هذا التحرك إلى إشراك عدة فاعلين إقليميين. وتصبح المنظومة أكثر صعوبة في الاحتواء تحديدًا لأن مستوياتها المختلفة باتت أكثر ترابطًا.

ولذلك، لم يعد التمييز بين «الحرب بالوكالة» و«الحرب بين الدول» كافيًا لوصف الواقع. فالبُعدان يتعايشان. وما زال الفاعلون من غير الدول يؤدون دورًا أساسيًا، لكن إسرائيل وإيران أصبحتا تتدخلان بصورة أكثر مباشرة في المواجهة. وبعد أكتوبر 2023، ازدادت الروابط بين الصراعات في غزة ولبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر، فيما أثبتت الضربات المباشرة لعام 2024 أن المسافة الجغرافية لم تعد ضمانة كافية لتجنب مواجهة بين الدول.

ولم يكن الانتقال من الحرب غير المباشرة إلى المواجهة المباشرة نتيجة حدث منفرد، بل حصيلة تراكمات شملت توسع الشبكات الإقليمية، وتكثيف العمليات السرية، وتصاعد المخاوف النووية، وتعدد الأزمات المحلية، والتراجع التدريجي لآليات ضبط النفس. فقد أسهمت الحرب في الظل في احتواء المواجهة المفتوحة، لكنها أوجدت أيضًا بيئة يمكن فيها للأعمال غير المباشرة أن تؤدي إلى ردود متزايدة يصعب التحكم فيها.

وهذا التراجع التدريجي للمناطق الرمادية القديمة هو ما ينبغي دراسته الآن. فلم يكن عامَا 2024 و2025 مجرد مرحلة استمر فيها التنافس، بل شكّلا فترة بدأت خلالها الآليات التي أتاحت لإسرائيل وإيران مواجهة بعضهما من دون الاشتباك المباشر باستمرار في التآكل. ولم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية مواجهة الدولتين إحداهما للأخرى، بل أصبح يتعلق بالمدى الذي يستعد كل طرف للذهاب إليه عندما تفقد الحدود القديمة للمواجهة قدرتها السابقة على ضبط التصعيد.

2024–2025: بداية تلاشي الخطوط الحمراء

24. المواجهات المباشرة الأولى

على مدى عدة عقود، خاضت إسرائيل وإيران مواجهة سعى خلالها الطرفان، بوجه عام، إلى تجنّب اندلاع حرب مفتوحة. فقد أتاحت العمليات السرية، والضربات التي استهدفت مصالح مرتبطة بالخصم، والمواجهات التي جرت عبر شركاء إقليميين، وحملات الاستخبارات، الحفاظ على مسافة معينة بين الدولتين. ولم تكن هذه المسافة تعني السلام قط، لكنها شكّلت نوعًا من ضبط النفس الاستراتيجي. وقد مثّل عام 2024 نقطة تحوّل، لأن هذه المسافة بدأت تتلاشى. فبعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، واتساع نطاق الصراع ليشمل مناطق متعددة من الشرق الأوسط، تصاعدت التوترات في لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر. وأصبح احتواء خطر المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب أكثر صعوبة بكثير.

وجاءت نقطة التحوّل الأولى في 1 أبريل 2024، عندما أدّى هجوم استهدف مبنى داخل المجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق إلى مقتل عدد من كبار مسؤولي الحرس الثوري الإسلامي، من بينهم الجنرال محمد رضا زاهدي. واتهمت إيران إسرائيل بالوقوف وراء الهجوم، وأعلنت أنها سترد عليه. وفي ليلة 13 إلى 14 أبريل، شنّت طهران هجومًا مباشرًا على إسرائيل، مستخدمةً أكثر من ثلاثمائة طائرة مسيّرة وصاروخ، وفقًا للتقديرات التي نُشرت في ذلك الوقت. واعترضت إسرائيل والولايات المتحدة وشركاء إقليميون نسبة كبيرة من المقذوفات. ولم تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث في حجم الأضرار المباشرة بقدر ما تكمن في السابقة التي أرساها: فقد هاجمت إيران الأراضي الإسرائيلية بصورة مباشرة، وعلى نطاق غير مسبوق في سياق هذه المواجهة.

وظل الرد الإسرائيلي في أبريل محدودًا مقارنةً بالحجم الذي كان يمكن أن تتخذه عملية التصعيد. وأُفيد بتنفيذ ضربة استهدفت وسائل دفاع جوي إيرانية بالقرب من أصفهان، في حين سعت الحكومتان إلى منع تحوّل تبادل محدود للضربات إلى حرب شاملة. ومع ذلك، كشفت هذه التطورات عن واقع جديد. فلم يعد الردع، الذي استند جزئيًا إلى إمكانية خوض المواجهة بصورة غير مباشرة، كافيًا لمنع الضربات المباشرة. وأثبتت الدولتان قدرتهما على مهاجمة إحداهما الأخرى، مع محاولة التحكم في حدة المواجهة. ومن ثم، لم يعد السؤال يقتصر على إمكانية وقوع مواجهة مباشرة، بل بات يتعلق بالظروف التي قد تتكرر فيها، وبالحدود التي لا يزال الطرفان قادرين على فرض احترامها.

25. تحوّل مفهوم الردع

أصبح مفهوم الردع أكثر تعقيدًا نتيجةً لذلك. فخلال العقود السابقة، بنت إسرائيل وإيران جانبًا من أمنهما على قدرة كل منهما على إفهام الأخرى أن بعض الأفعال ستترتب عليها تكاليف باهظة. غير أن مواجهة أبريل 2024 أظهرت أن الهجوم المباشر قد يُنفَّذ تحديدًا لأن الجهة التي تشنّه تعتقد أنها قادرة على ضبط نطاقه ومنع الخصم من الرد بأقصى قوة ممكنة. ولم يكن الهدف بالضرورة تحقيق النصر في حرب، بل ربما كان إعادة تأكيد القدرة على الرد، أو استعادة المصداقية الاستراتيجية، أو تغيير حسابات الخصم من دون إشعال صراع واسع النطاق.

وتزداد هشاشة هذه المعادلة عندما تتباين تصورات الطرفين بشأن الخطوط الحمراء. فما يعتبره أحدهما ردًا محدودًا قد يفسّره الآخر باعتباره تصعيدًا إضافيًا. وتصبح المشكلة أكثر حساسية في بيئة تتعاقب فيها العمليات السرية والاغتيالات المستهدفة والضربات ضد البنى التحتية والتحركات التي ينفذها شركاء إقليميون بوتيرة متسارعة. ويؤدي الغموض إلى زيادة احتمال سوء التفسير. وهكذا، قد تؤدي استراتيجية صُمّمت للحفاظ على الردع إلى نتيجة معاكسة، إذا أقنعت الخصم بأن خطوطه الحمراء نفسها أصبحت موضع اختبار.

وقد جسّد الهجوم الإيراني المباشر الثاني على إسرائيل، في 1 أكتوبر 2024، هذه المرحلة الجديدة. وجاء الهجوم بعد مقتل حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، في ضربة إسرائيلية يوم 27 سبتمبر، لكنه سبق مقتل يحيى السنوار، قائد حماس، الذي قُتل في 16 أكتوبر. وأطلقت إيران وابلًا كثيفًا من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل. وفي 26 أكتوبر، ردّت إسرائيل بسلسلة من الضربات على منشآت عسكرية إيرانية، شملت أنظمة الدفاع الجوي وقدرات مرتبطة بالصواريخ. وهكذا، تبادلت الدولتان الضربات المباشرة للمرة الثانية خلال بضعة أشهر. وأصبحت الآلية التي كانت تفصل سابقًا بين التنافس الاستراتيجي والحرب بين الدول أكثر هشاشة بكثير.

ولا يعني هذا التحوّل أن الحكومتين كانتا تسعيان بالضرورة إلى حرب شاملة. فقد أظهرت أحداث عام 2024 أيضًا رغبة في ضبط الردود وتحديد نطاقها. وكانت الهجمات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة استراتيجية، لكن حجمها ظل يترك مجالًا لخفض التصعيد. وأصبح هذا التناقض إحدى السمات الأساسية لتلك المرحلة: فالمواجهة المباشرة باتت ممكنة، إلا أن تكلفة الحرب العامة بقيت مرتفعة بما يكفي لدفع كل طرف إلى محاولة فرض حدود عليها.

26. التلاشي التدريجي للمناطق الرمادية

أخذت المناطق الرمادية التي كانت تسمح بالتمييز بين الحرب غير المباشرة والمواجهة المفتوحة تتقلص تدريجيًا. فقد غيّر الصراع الذي اندلع في 7 أكتوبر 2023 البيئة الإقليمية بصورة عميقة. وترافقت الحرب في غزة مع اشتباكات مع حزب الله في لبنان، وهجمات شنّها الحوثيون في البحر الأحمر، وعمليات نفذتها جماعات مسلحة في العراق وسوريا. واستمرت إيران في دعم عدد من هذه الأطراف، بينما كثّفت إسرائيل عملياتها ضد البنى التحتية والقادة الذين تعتبرهم مشاركين في تشكيل هذا التهديد الإقليمي. وبذلك، لم تعد الحرب تدور حول ساحة واحدة، بل امتدت عبر شبكة من الساحات المترابطة، يمكن لكل واحدة منها أن تؤدي إلى رد فعل على جبهة أخرى.

وشكّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحوّلًا رئيسيًا آخر. فطوال سنوات، وفّرت سوريا لإيران عمقًا استراتيجيًا يربط أراضيها بلبنان، كما شكّلت ساحة استطاعت إسرائيل أن تستهدف فيها منشآت وعمليات نقل تعتبرها مرتبطة بإيران أو حزب الله. وأدى اختفاء نظام الأسد إلى تغيير هذه البنية وإضعاف أحد أهم الممرات الإقليمية التي كانت متاحة لطهران. ولم يؤدّ ذلك تلقائيًا إلى إنهاء النفوذ الإيراني، لكنه غيّر الظروف التي يمكن من خلالها ممارسة هذا النفوذ.

وهكذا، بدأ عام 2025 في ظل شرق أوسط يختلف اختلافًا عميقًا عن الوضع الذي كان قائمًا قبل أكتوبر 2023. فقد تكبّد حزب الله خسائر كبيرة في صفوف قيادته وفي قدراته العسكرية، وتعرّضت حماس لإضعاف شديد بفعل الحرب في غزة، واختفى نظام الأسد، كما تبدّلت بصورة جوهرية الظروف التي أتاحت لإيران بسط نفوذها عبر سوريا. ومع ذلك، لم يؤدّ هذا التحوّل في ميزان القوى تلقائيًا إلى الاستقرار. فقد يؤدي تراجع بعض القدرات إلى نشوء حالات جديدة من عدم اليقين، وإلى تغيير حسابات الخصوم، وفتح المجال أمام استراتيجيات بديلة لإعادة بناء القدرات أو تعويضها. فالنظام الإقليمي الذي يعاني اضطرابًا عميقًا لا يستعيد توازنه بالضرورة لمجرد إضعاف بعض أطرافه.

وفي هذا السياق، ازدادت أهمية الملف النووي. فقد جعل تحوّل الشبكات الإقليمية القدرات الوطنية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ والبنية التحتية النووية، أكثر أهمية في حسابات طهران وخصومها. وظل احتمال احتفاظ إيران بقدرة نووية متقدمة أو إعادة بنائها مصدر قلق أساسيًا لإسرائيل. وهكذا، لم يعد الملف النووي مجرد قضية من بين قضايا أخرى، بل أصبح أحد المحاور الرئيسية التي تتشكل حولها العلاقة الاستراتيجية. ولم تقتصر المسألة على القدرات القائمة في لحظة معينة، بل شملت أيضًا إمكانات إعادة البناء، والجداول الزمنية التقنية، وقدرة الآليات الدولية على التحقق من مسار البرنامج.

27. عام 2025: تمهيد لمرحلة إقليمية جديدة

دخلت المنطقة في عام 2025 مرحلة تطورت فيها الدبلوماسية والضغوط العسكرية بالتوازي. فقد استأنفت واشنطن سياسة الضغط الأقصى على طهران، مع مشاركتها في الوقت نفسه في مساعٍ دبلوماسية تهدف إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني. ولخّص هذا التعايش بين التفاوض والضغط حالة عدم اليقين الاستراتيجي آنذاك: فالأطراف الدولية واصلت البحث عن حل دبلوماسي، بينما استمرت المخاوف الأمنية والاستعدادات العسكرية في التصاعد.

وفي 12 يونيو 2025، اعتمد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا بشأن امتثال إيران لبعض التزامات الضمانات. وفي اليوم التالي، أطلقت إسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران، استهدفت، من بين أهداف أخرى، منشآت نووية وعسكرية ومسؤولين رفيعي المستوى. وردّت طهران بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وتحولت المواجهة عندئذ إلى حملة عسكرية مفتوحة بين الدولتين، تركزت خصوصًا على القدرات النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية.

وسرعان ما اتضح البعد الدولي لهذه المرحلة الجديدة. ففي 22 يونيو 2025، ضربت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية ضمن عملية أطلقت عليها واشنطن اسم Operation Midnight Hammer. وأصبح الحجم الدقيق للأضرار والآثار طويلة الأمد للعملية على البرنامج النووي موضوعًا للتقييم والنقاش. وأعلنت الحكومة الأمريكية أنها ألحقت أضرارًا جسيمة بالمنشآت المستهدفة، في حين أشارت تقييمات أولية إلى أن تأثير الضربات على الجدول الزمني للبرنامج ظل غير محسوم. فالعملية العسكرية قد تدمر البنية التحتية أو تلحق بها أضرارًا من دون أن تقضي على المعرفة العلمية والخبرات البشرية والقدرات الصناعية التي يمكن أن تتيح إعادة بناء البرنامج في نهاية المطاف.

ولذلك، لم تكن أحداث يونيو 2025 نهاية المواجهة بقدر ما كانت ذروة مؤقتة لمسار بدأ قبل ذلك بوقت طويل. ففي عام 2024، تجاوزت إسرائيل وإيران عتبة تبادل الضربات المباشرة المتكررة. وفي عام 2025، حوّلت القضية النووية والقدرات الباليستية والتدخل الأمريكي هذه المواجهة إلى أزمة دولية كبرى. ولم تعد التصنيفات التقليدية كافية لوصفها: فلم يعد الأمر يتعلق بمجرد حرب غير مباشرة، أو تنافس استخباراتي، أو خصومة نووية محتملة، بل باتت هذه الأبعاد تتداخل ضمن ديناميكية استراتيجية واحدة.

ومهّد هذا التداخل للانتقال إلى عام 2026. فبعد أن أصبحت الضربات المباشرة ممكنة، وتحوّلت الشبكات الإقليمية بصورة عميقة، وانتقل الملف النووي إلى مركز مواجهة عسكرية دولية، ارتفعت تكلفة أي تصعيد إضافي، في حين أصبح تحديد الوسائل الكفيلة باحتوائه أكثر صعوبة. ولم يختفِ الخط الأحمر لأن جميع أشكال ضبط النفس قد زالت، بل لأنه انتقل من موضع إلى آخر، وتجزّأ، وأصبح أكثر صعوبة في التفسير. وظل كل طرف يسعى إلى حماية مصالحه والحفاظ على حدوده الخاصة، لكن الأطراف الأخرى لم تكن بالضرورة تفهم تلك الحدود بالطريقة نفسها.

وفي ظل هذا الغموض بدأ عام 2026. فلم تعد المشكلة تقتصر على التساؤل عما إذا كانت إسرائيل وإيران قادرتين على ضرب إحداهما الأخرى مباشرة؛ فقد أثبتتا ذلك بالفعل. بل أصبح التحدي يتمثل في فهم ما يحدث عندما تتسع المواجهة، وتصبح الولايات المتحدة نفسها طرفًا مباشرًا فيها، وتتعرض البنى التحتية النووية والعسكرية والطاقة والاستراتيجية لدولة ما لهجمات مباشرة. عندئذ تفتح الأزمة بُعدًا جديدًا للصراع، لا يتعلق بالتنافس الإسرائيلي الإيراني وحده، بل أيضًا بمنظومة الأمن في الشرق الأوسط، وبجزء من النظام الدولي تبعًا لذلك.

نهاية نموذج أم تحوّله؟

43. الدور التاريخي للولايات المتحدة

على مدى أكثر من سبعة عقود، شكّل الوجود الأمريكي أحد أبرز العناصر البنيوية التي أسهمت في تشكيل النظام المعاصر في الشرق الأوسط. ولم يكن هذا النظام خاضعًا بالكامل لسيطرة واشنطن، كما لم يكن بنيةً قبلت فيها دول المنطقة ببساطة بدور تابع. فقد واصلت القوى الإقليمية السعي إلى تحقيق مصالحها الخاصة، والتفاوض مع شركاء متعددين، بل ومقاومة التوجهات الأمريكية في بعض الأحيان. ومع ذلك، نجحت الولايات المتحدة تدريجيًا في إقامة شبكة من العلاقات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، مكّنتها من التحول إلى القوة الخارجية الرئيسية في المنطقة. وشكّلت حماية أمن إسرائيل، وتأمين الممرات البحرية، وضمان تدفق الطاقة، والدفاع عن بعض الشركاء، والحد من نفوذ القوى المنافسة، مصالح أساسية وجّهت هذه السياسة. وقد أحدثت الأزمات المتعاقبة، بدءًا من الثورة الإيرانية عام 1979، مرورًا بالغزو العراقي للكويت عام 1990، وحرب العراق عام 2003، وصولًا إلى التحولات التي أعقبت الانتفاضات العربية، تغييرات عميقة في هذا النظام، من دون أن تلغي قدرة الولايات المتحدة على التأثير فيه.

غير أن حرب عام 2026 عمّقت التساؤلات بشأن متانة هذه البنية. فالمسألة لا تقتصر على إحصاء عدد الجنود الأمريكيين الموجودين في المنطقة، أو تحديد ما إذا كانت واشنطن ستحتفظ بقواعدها العسكرية. بل تتعلق، بصورة أعمق، بطبيعة الضمانات الاستراتيجية التي تستعد الولايات المتحدة لتقديمها، وبمستوى الثقة الذي يضعه شركاؤها فيها. وقد ذكّرت الأحداث الأخيرة بأن دول الخليج قد تجد نفسها مباشرةً في مواجهة تداعيات صراع لا ترغب بالضرورة في أن تكون طرفًا فيه. وفي هذا السياق، يعكس تطور العلاقات بين واشنطن والرياض وأنقرة والدوحة وأبوظبي رغبة متزايدة في تنويع الشراكات وتقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد الأمني المفرط على مصدر واحد. وتشير بعض تحليلات مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) إلى احتمال تطور الدور العسكري الأمريكي في الخليج، من دون أن تستنتج بالضرورة أن الولايات المتحدة تتجه إلى الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط.

وهذا التمييز أساسي. فتحوّل النظام الإقليمي لا يعني اختفاء النفوذ الأمريكي. فما زالت واشنطن تمتلك قدرات عسكرية ومالية وتكنولوجية ودبلوماسية هائلة، يصعب على عدد كبير من القوى الأخرى مجاراتها في هذه المجالات مجتمعة. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه القوة ستظل المركز الرئيسي الذي تستند إليه الأطراف الأخرى في تنظيم أمنها. وفي هذا الصدد، يمثّل اتفاق الدفاع الذي وقّعته المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة يوم 7 أغسطس 2026 إشارة مهمة. فهو يعكس رغبة الدول الثلاث في تعزيز التنسيق الأمني فيما بينها، وامتلاك أدوات إضافية لحماية مصالحها. لكنه لا يثبت تراجع واشنطن عن دورها، ولا يدل على أن نظامًا إقليميًا قادرًا بالفعل على الحلول محل الشراكات الأمريكية قد أصبح قائمًا.

وهكذا، يتيح تاريخ الشرق الأوسط التمييز بين ظاهرتين يمكن أن تتزامنا. فقد تظل قوة خارجية شديدة النفوذ، مع أنها لم تعد الجهة الوحيدة التي تنظّم شؤون المنطقة. وربما يقع جانب من التحول الراهن في هذه المساحة الوسطى تحديدًا. فالولايات المتحدة لا تختفي من الشرق الأوسط، لكن عددًا من دول المنطقة يبدو أقل استعدادًا للاعتقاد بأن استقراره يجب أن يعتمد أساسًا على القرارات المتخذة في عاصمة أجنبية واحدة.

44. الضمانات الأمنية الخارجية

تقع مسألة الضمانات الأمنية في صميم هذا التحول. فعلى مدى عقود، بنت عدة دول في الشرق الأوسط جزءًا من منظوماتها الدفاعية على أساس شراكات خارجية. واستند هذا التوجه إلى واقع استراتيجي واضح: عندما تتجاوز التهديدات قدرات الدولة الوطنية، يمكن للتحالف مع قوة كبرى أن يساعد على تعويض بعض مواطن الضعف. وقد أسهمت مبيعات الأسلحة، والتدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، ووجود القوات الأجنبية، تدريجيًا في تشكيل شبكة أمنية معقدة. غير أن هذا النموذج ينطوي على قيد بنيوي. فالضمان الخارجي لا يُفعّل بصورة آلية ومطلقة؛ إذ يظل مرتبطًا بمصالح الدولة الضامنة، وحساباتها السياسية، وأولوياتها الاستراتيجية، ومدى استعدادها للتدخل في وضع معين.

وقد عززت الأزمات الأخيرة هذا الإدراك. إذ تمكنت دول الخليج من ملاحظة أن الحماية العسكرية الأمريكية، على الرغم من أهميتها، لا تلغي تعرضها لتداعيات المواجهة مع إيران. وكانت الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية عام 2019 قد أثارت بالفعل تساؤلات بشأن حدود الردع والحماية الخارجية. ثم جاءت حرب عام 2026 لتمنح هذه التساؤلات أبعادًا أوسع. فقد أظهرت الاضطرابات في مضيق هرمز، والمخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة، والضربات التي طالت مناطق متعددة في الخليج، أن وجود قوات عسكرية أجنبية لا يكفي لجعل أي دولة بمنأى عن التهديدات.

ويفسر هذا التطور، جزئيًا، اتجاه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها. فالرياض تطوّر علاقاتها مع واشنطن وبكين وموسكو في الوقت نفسه. وتحافظ أنقرة على عضويتها في حلف شمال الأطلسي، مع مواصلة اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالية. أما الدوحة، فتتمسك بدورها الوسيط وبشراكاتها الاستراتيجية، بينما تسعى أبوظبي إلى الجمع بين الأمن والتجارة والتكنولوجيا والدبلوماسية. وفي الوقت نفسه، تعمل عدة دول على تعزيز قدراتها العسكرية والصناعية والتكنولوجية الخاصة. ولا يعني هذا التنويع التخلي عن التحالفات القائمة، بل يعكس السعي إلى تقليص مخاطر الاعتماد الكامل على مزوّد أمني واحد أو قوة دبلوماسية واحدة.

وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح خاص في العلاقة بين الأمن والاقتصاد. فلم يعد بالإمكان النظر إلى الضمان العسكري بمعزل عن القدرة على الحفاظ على الاستثمارات، والتدفقات التجارية، وإمدادات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، وسلاسل الإمداد اللوجستي، والأمن الغذائي. فأمن الدولة الحديثة لا يقتصر على منع الغزو، بل يشمل أيضًا الحد من قدرة أزمة إقليمية على شل اقتصادها، أو تعطيل اتصالاتها، أو تهديد إمداداتها الأساسية. ولهذا السبب، يتجاوز السعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية تدريجيًا المجال العسكري ليشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والتمويل والاتصالات.

ويمكن وصف المشهد الإقليمي الجديد بأنه محاولة للانتقال من الاعتماد المركّز إلى ترابط متبادل أكثر تنوعًا. غير أن هذا التحول لا يزال غير مكتمل، ولا يضمن بالضرورة تحقيق مزيد من الاستقرار. فلا تستطيع أي قوة إقليمية كبرى أن تنتج كل شيء، وتحمي كل شيء، وتموّل كل شيء بمفردها بصورة واقعية. ومن ثم، لا يتمثل الهدف في الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي المطلق، بل في امتلاك القدرة على اختيار شركاء متعددين من دون فقدان السيطرة على المصالح الأساسية.

45. واشنطن وبكين وموسكو

يمنح التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا هذا التحول بُعدًا عالميًا. فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية، بل هو أيضًا فضاء تتقاطع فيه تصورات متعددة للنظام الدولي وتتواجه. وما زالت واشنطن تحتفظ بقوة عسكرية ودبلوماسية استثنائية، في حين تمتلك بكين قدرات اقتصادية وتجارية هائلة، وقد وسّعت حضورها تدريجيًا في مجالات البنية التحتية والطاقة والعلاقات الدبلوماسية. أما موسكو، فعلى الرغم من القيود الاقتصادية والعسكرية الكبيرة التي تواجهها، تواصل السعي إلى الحفاظ على حضور سياسي واستراتيجي في المنطقة، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع بعض الأطراف، وفي مقدمتها إيران.

وتشغل الصين موقعًا خاصًا في هذا السياق. فهي لا تسعى إلى استنساخ النموذج الأمريكي القائم على الوجود العسكري الدائم، لكنها عززت تدريجيًا أهميتها الاقتصادية والدبلوماسية. وقد أظهر دورها في التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023 أن بكين قادرة على توظيف ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها مع أطراف متنافسة للمساهمة في مسار دبلوماسي داخل منطقة طالما هيمن عليها النفوذ الأمريكي. وفي عام 2026، لا تزال العلاقات الصينية الإيرانية مصدرًا للتوتر مع الولايات المتحدة. فقد أعربت واشنطن عن مخاوف بشأن بعض أشكال الدعم الخارجي التي قد تعزز القدرات الإيرانية، في حين تؤكد بكين دفاعها عن سيادة دول المنطقة وتفضيلها الحلول الدبلوماسية. وينبغي تقييم الاتهامات الأمريكية المحددة كلٌّ على حدة، لكن العلاقة بين الصين وإيران أصبحت عنصرًا مستمرًا في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية.

أما روسيا، فتسلك مسارًا مختلفًا. وقد برز نفوذها في الشرق الأوسط خصوصًا في سوريا منذ عام 2015، فضلًا عن علاقاتها مع إيران. ففي يناير 2025، وقّعت موسكو وطهران معاهدة شراكة استراتيجية عززت تعاونهما في مجالات عدة، من بينها الاقتصاد والسياسة والأمن. ومع ذلك، لا تتضمن هذه المعاهدة التزامًا تلقائيًا بالدفاع المتبادل يماثل الالتزامات الواردة في بعض التحالفات العسكرية. كما أن التقارب بين الدولتين لا يعني أن موسكو تتبنى جميع مصالح طهران، أو أنها تمتلك قدرة غير محدودة على توجيه الأحداث الإقليمية. بل يعكس هذا التقارب توافقًا استراتيجيًا جزئيًا، تغذّيه المصالح المشتركة ومعارضة بعض التوجهات الأمريكية والغربية.

ولا يعني المشهد الناشئ بالضرورة أن الشرق الأوسط أصبح مضطرًا إلى الاختيار بين ثلاثة تكتلات. فالواقع أكثر تعقيدًا. إذ تتجه دول المنطقة بصورة متزايدة إلى ممارسة دبلوماسية متعددة الاتجاهات. ويمكنها شراء معدات أمريكية، وتطوير البنية التحتية بالتعاون مع الصين، والحوار مع روسيا، والاستثمار في أوروبا، والتعاون مع الهند، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات مع دول مجاورة تختلف مصالحها عن مصالحها. ويجعل تعدد هذه الشراكات تنظيم المنظومة الإقليمية انطلاقًا من عاصمة واحدة أكثر صعوبة، لكنه يؤدي أيضًا إلى نشوء أشكال جديدة من الترابط المتبادل ومواطن ضعف جديدة.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح. فقد يؤدي التنافس بين القوى الكبرى إلى مزيد من تفكك الشرق الأوسط إذا أُجبرت كل دولة على اختيار معسكر. لكنه قد يتيح أيضًا للدول الإقليمية هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية، إذا حافظت على استقلالية قرارها. ولن تتوقف النتيجة على إرادة واشنطن أو بكين أو موسكو وحدها، بل ستعتمد بدرجة أكبر على قدرة القوى الإقليمية على تحويل المنافسة الخارجية إلى فرص للتعاون بدلًا من الوقوع في نمط جديد من التبعية.

46. صعود الاستقلالية الاستراتيجية الإقليمية

أصبحت الاستقلالية الاستراتيجية أحد المفاهيم الأكثر فائدة لفهم الشرق الأوسط المعاصر. ولا ينبغي الخلط بينها وبين الانسحاب من التحالفات، أو العزلة، أو الاكتفاء الذاتي العسكري. فهي تشير، بالأحرى، إلى قدرة الدولة على الاحتفاظ بخيارات متعددة عندما تصبح البيئة الدولية غير مستقرة أو يصعب التنبؤ بمساراتها. ويظهر هذا التوجه بوضوح خاص لدى القوى الخليجية، لكنه يشمل أيضًا تركيا ومصر وإيران، وإسرائيل بصورة مختلفة.

وتجسد المملكة العربية السعودية هذا التحول من خلال حجم التغيير الذي تشهده على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي. فما زالت الرياض شريكًا رئيسيًا لواشنطن، لكنها تعمل بالتوازي على تطوير علاقاتها مع بكين وموسكو وقوى أخرى. وتحافظ تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، على روابطها المؤسسية بالحلف، بينما تنتهج سياسات مستقلة في سوريا والقوقاز والبحر المتوسط والشرق الأوسط. أما الإمارات العربية المتحدة، فتجمع بين التعاون الأمني مع الدول الغربية، والعلاقات التجارية مع الصين، وتطوير منظومة اقتصادية وتكنولوجية منفتحة على مناطق متعددة من العالم. ويواصل قطر، من جهته، توظيف علاقاته مع أطراف شديدة الاختلاف للحفاظ على قدرته على الوساطة. وعلى الرغم من تباين هذه المسارات، فإنها تعبّر عن اتجاه مشترك يتمثل في البحث عن مصادر دعم متعددة.

ويشكّل اتفاق مكة المكرمة الموقّع في 7 أغسطس 2026 مظهرًا واضحًا لهذا السعي إلى الاستقلالية. فقد وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع الجماعي، تنص الأحكام المتداولة بشأنه على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد الموقعين هجومًا على الدول الثلاث. وأعقب ذلك اتخاذ خطوات لتنظيم التعاون الاستراتيجي، من بينها اجتماع عُقد في إسطنبول يوم 31 أغسطس، ولقاء لقادة القوات المسلحة في الرياض يوم 25 سبتمبر. ومع ذلك، فإن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع التفسير القانوني الدقيق لبعض أحكامه والآليات العملية لتنفيذها. وحتى 12 أكتوبر 2026، ظل التصديق البرلماني في تركيا من المسائل التي تستحق المتابعة.

ومع ذلك، فإن وجود هذا الاتفاق يحمل دلالة مهمة. فهو يبيّن أن بعض الدول تسعى إلى بناء آليات أمنية تنطلق المبادرة إليها من داخل المنطقة نفسها، بدلًا من انتظار قوة خارجية تتولى وحدها تحديد معالمها. وقد يعزز هذا التوجه قدرتها على التفاوض، لكنه لا يضمن حتى الآن قيام منظومة للأمن الجماعي على مستوى الشرق الأوسط.

فالاستقلالية الاستراتيجية لا تزال غير مكتملة، وتنطوي بدورها على تناقضات. إذ تظل الاقتصادات الإقليمية مندمجة بعمق في الأسواق العالمية، ولا يزال جزء مهم من التكنولوجيا المتقدمة وأنظمة الدفاع والمعدات الصناعية يعتمد على مورّدين خارجيين. كما تتباين مصالح الدول بشأن إيران وإسرائيل وسوريا ولبنان وفلسطين والطرق التجارية والتوازنات العسكرية. ومن ثم، فإن الاستقلالية الاستراتيجية لا تلغي التنافس، بل تزيد قدرة الأطراف على متابعة مصالحها من دون القبول تلقائيًا بتفضيلات قوة مهيمنة.

وهذا التمييز تحديدًا هو ما يسمح بتجنب قراءة مبسطة أكثر من اللازم للتحول الإقليمي. فالشرق الأوسط لا ينتقل بالضرورة من نظام أمريكي إلى نظام سعودي أو تركي أو إيراني أو صيني أو روسي. بل يبدو أنه يتجه نحو بنية أكثر توزيعًا للنفوذ، تمتلك فيها عدة قوى إقليمية وخارجية نصيبًا من التأثير في الوقت نفسه. وقد يزيد هذا الوضع من حالة عدم اليقين، لكنه قد يفتح أيضًا المجال أمام دبلوماسية إقليمية أكثر استقلالية. فإذا نجحت الدول في تحويل هامش المناورة الجديد إلى مؤسسات مشتركة، فقد تصبح الاستقلالية الاستراتيجية خطوة أولى نحو الأمن الجماعي. أما إذا تحولت إلى تنافس شامل، فقد يحل التفكك محل هيمنة طرف واحد من دون أن ينتج عن ذلك استقرار أكبر.

47. هل يستطيع الشرق الأوسط تقليص اعتماده على قوة خارجية واحدة؟

لم يعد السؤال مقتصرًا على تحديد القوة التي يمكن أن تحل محل الولايات المتحدة. فهذه الصياغة تعيد إنتاج المنطق القديم الذي ينظر إلى استقرار المنطقة من خلال مركز خارجي. أما السؤال الأكثر أهمية، فهو ما إذا كانت دول الشرق الأوسط قادرة على بناء منظومة متينة بما يكفي لضمان ألا يعتمد أمنها، بصورة أساسية، على القرارات التي تتخذها عاصمة أجنبية واحدة.

ويتطلب هذا التحول توافر عدة شروط. أولًا، ينبغي للقوى الإقليمية أن تدرك أن الاستقلالية الاستراتيجية لا يمكن أن تكون مستدامة ما لم تقترن بآليات لإدارة التنافس. وثانيًا، يتعين تطوير وسائل للاتصال المباشر، والوقاية من الحوادث العسكرية، وتسوية النزاعات. وثالثًا، يجب الإقرار بأن بعض مواطن الضعف لا يمكن معالجتها على المستوى الوطني وحده. فالمياه والمناخ وتدفقات الطاقة والأمن البحري والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الغذائي، كلها مسائل تتجاوز الحدود الوطنية. ولذلك ينبغي لأي منظومة إقليمية موثوقة أن تجمع تدريجيًا بين الأمن العسكري والأمن الإنساني.

وتكمن مفارقة الشرق الأوسط المعاصر في أن عددًا من دوله يمتلك موارد اقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية مهمة تؤهله للمساهمة في بناء مثل هذه المنظومة، في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بإحدى أخطر مراحل المواجهة في تاريخها الحديث. وقد رافق انتقال مركز الثقل الاقتصادي نحو القوى الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، تنامٍ في قدراتها المالية والدبلوماسية. ويتزامن هذا التحول مع التراجع النسبي لعدد من مراكز القوة الإقليمية التقليدية، وفي مقدمتها العراق وسوريا، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه مصر. غير أن ذلك لا يعني أن هذه الدول فقدت جميع أدوات التأثير.

ولا ينبغي إضفاء طابع مثالي على تحول النظام الإقليمي. فالمنطقة التي تتمتع فيها عدة قوى باستقلالية أكبر قد تصبح أكثر حرية في خياراتها، لكنها قد تصبح أيضًا أكثر تنافسية. ويتمثل الخطر في تكاثر الترتيبات الأمنية المتنافسة، وظهور سباقات تسلح جديدة، وتصاعد الصراعات بالوكالة. ويمكن تفسير اتفاق مكة المكرمة باعتباره عنصرًا في منظومة أمنية جديدة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى إحدى العلامات الدالة على تشكل تكتلات إقليمية متنافسة، إذا سعت أطراف أخرى إلى مواجهته بتحالفات خاصة بها. ولذلك، لا تكمن المسألة في إنشاء شراكات جديدة فحسب، بل في قدرة هذه الشراكات على التعايش.

وهنا تتضح الأهمية الكاملة لمفهوم الميثاق الإقليمي الشامل ضمن الإطار العام لهذا الملف. فإذا اقتصرت الاستقلالية الاستراتيجية على تمكين كل قوة من الدفاع عن مصالحها الخاصة على نحو أفضل، فقد تؤدي إلى شرق أوسط أكثر تعددية في مراكز القوة، من دون أن تجعله بالضرورة أكثر سلمًا. أما إذا تحولت إلى نقطة انطلاق لإنشاء مؤسسات مشتركة، فقد تتيح تحويل تعددية الأقطاب إلى ترابط متبادل منظم. وعندئذ، لن يتمثل التحول التاريخي الحقيقي في استبدال واشنطن بقوة أخرى، بل في إتاحة الفرصة لمجتمعات الشرق الأوسط ودوله للمشاركة بدرجة أكبر في صياغة القواعد التي تحكم أمنها.

وتتمثل المسألة المطروحة الآن في تحديد الأطراف القادرة على إعطاء هذه المنظومة الجديدة شكلًا عمليًا. فإذا كان النظام القديم يعتمد إلى حد بعيد على قوة خارجية وشبكة من التحالفات، فإن النظام الناشئ يبدو أنه يتشكل حول عدة أقطاب إقليمية، لكل منها طموحاتها ومواردها وتصوراتها الخاصة. فهل تستطيع المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر وباكستان المساهمة في بناء منظومة مشتركة، من دون تحويل المنطقة إلى ساحة جديدة للتنافس بين التكتلات؟ هذا هو السؤال الذي يقود مباشرة إلى الفصل التالي.

القوى الإقليمية الجديدة

48. المملكة العربية السعودية: القوة الاقتصادية والطموح الاستراتيجي

على امتداد جزء كبير من القرن العشرين، مارست المملكة العربية السعودية نفوذًا واسعًا في الشرق الأوسط، مستندة أساسًا إلى ثلاثة عناصر: ثقلها في مجال الطاقة، ومكانتها الدينية، وعلاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة. وقد مكّنها هذا المزيج من شغل موقع متميز في النظام الإقليمي، من دون السعي إلى استنساخ نماذج القوة العسكرية التي اتبعتها مصر أو العراق أو سوريا. غير أن التحول الذي شهدته المملكة خلال العقد الأخير اتخذ أبعادًا مختلفة وأكثر اتساعًا. فالرياض تسعى اليوم إلى تحويل مواردها المالية إلى أدوات نفوذ اقتصادي وتكنولوجي ودبلوماسي واستراتيجي. وقد أصبح انتقال مركز الثقل الإقليمي نحو الخليج مهمًا إلى درجة دفعت عدة تحليلات إلى تحديد المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة باعتبارها أقطابًا رئيسية في المشهد الجديد.

ويرتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا برؤية السعودية 2030 وبمساعي المملكة إلى تقليص الاعتماد البنيوي للاقتصاد الوطني على المحروقات. فالاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيات الرقمية والسياحة والنقل والذكاء الاصطناعي والصناعة وقطاعات الطاقة الجديدة، لا تمثل مجرد سياسة اقتصادية داخلية، بل تحمل أيضًا أبعادًا جيوسياسية. فالدولة التي تتحول إلى مركز مالي ولوجستي وتكنولوجي وطاقوي تمتلك أدوات أكثر للتأثير في محيطها. وهكذا، لم يعد مشروع القوة السعودي قائمًا بالدرجة نفسها على القدرة على إنتاج النفط وحدها، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على تنظيم تدفقات رؤوس الأموال والسلع والبيانات والطاقة والتكنولوجيا.

غير أن حرب عام 2026 ذكّرت بحدود هذا الطموح. فالقوة الاقتصادية لا تلغي مواطن الضعف الجغرافي. وتقع المملكة العربية السعودية على مقربة مباشرة من عدة بؤر للتوتر، كما تظل معرضة لتداعيات أي صراع يشمل إيران واليمن والخليج والممرات البحرية. وقد أظهرت التهديدات التي استهدفت أراضيها وبنيتها التحتية أن الاستقرار الضروري لتنفيذ مشروعاتها الاقتصادية الكبرى لا يمكن فصله عن تطورات البيئة الأمنية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، أظهرت الاستعادة الجزئية لصادرات الطاقة في الخليج أهمية قدرات الصمود والتعافي، مع التذكير بأن الاضطرابات ظلت كبيرة وأن آثارها تفاوتت بين القطاعات.

ولذلك، ابتعدت الدبلوماسية السعودية تدريجيًا عن نهج كان ينظر إلى الأمن من خلال العلاقة مع واشنطن وحدها تقريبًا. فالرياض تحافظ على هذه العلاقة ولم تتخل عن الشراكة الأمريكية، لكنها تطور بالتوازي علاقاتها مع بكين وموسكو وأنقرة وإسلام آباد وعواصم أخرى. وكان التقارب الدبلوماسي مع إيران عام 2023، بوساطة صينية، قد أظهر بالفعل رغبة المملكة في الحد من التوترات من دون الاعتماد حصريًا على الوساطة الغربية. أما اتفاق مكة المكرمة، الذي وُقّع في أغسطس 2026 مع تركيا وباكستان، فيمثل مرحلة جديدة في مسار تنويع الشراكات. ولا يعني هذا أن الرياض تتخلى عن الولايات المتحدة، بل يدل على سعي المملكة إلى امتلاك أدوات أمنية متعددة وشركاء مختلفين قادرين على دعم مصالحها.

ويحمّل هذا التحول الرياض مسؤولية جديدة. فكلما أصبحت المملكة العربية السعودية مركز ثقل إقليميًا، تجاوزت خياراتها حدود سياستها الوطنية. وقد تسهم قدرتها على الجمع بين التنمية الاقتصادية وأمن الطاقة والدبلوماسية والوساطة والتعاون التكنولوجي في بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالية. لكن هذه القدرة قد تؤدي أيضًا إلى تأجيج تنافسات جديدة إذا استُخدمت حصرًا في إطار الصراع على النفوذ. ومن ثم، لا يتمثل التحدي الحقيقي للقوة السعودية في تناميها فحسب، بل في كيفية ممارستها، وإمكان دمجها في آليات للتعاون الإقليمي.

49. تركيا: الاستقلالية وإسقاط النفوذ على المستوى الإقليمي

تحتل تركيا موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا يكاد يكون فريدًا من نوعه. فهي تقع عند ملتقى أوروبا والبحر المتوسط والقوقاز والبحر الأسود والشرق الأوسط. وبصفتها عضوًا في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، لا تزال مرتبطة بمنظومات الأمن الغربية، لكنها تعمل منذ سنوات على تطوير سياسة خارجية تسعى إلى توسيع هامش تحركها. ويشكّل هذا الانتماء المزدوج أحد أبرز السمات المميزة للقوة التركية المعاصرة. فلم تعد أنقرة تعرّف موقعها من خلال علاقتها بالغرب وحدها، بل تسعى أيضًا إلى ممارسة نفوذ مستقل في المناطق التي ترتبط فيها مصالحها التاريخية أو الاقتصادية أو الأمنية ارتباطًا مباشرًا.

وقد عززت الحرب في سوريا هذا التوجه بدرجة كبيرة. إذ طورت تركيا حضورًا عسكريًا ودبلوماسيًا مهمًا في جوارها الجنوبي، ولا تزال طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي نقاش بشأن المستقبل السياسي والأمني لسوريا. وتتسم علاقاتها مع إيران بالتنافس والتعاون في آن واحد. فقد تعارض أنقرة بعض السياسات الإيرانية، مع احتفاظها بقنوات دبلوماسية مفتوحة مع طهران. كما تستطيع، بالتوازي، تعميق علاقاتها مع قطر والمملكة العربية السعودية وباكستان. وتمثل هذه القدرة على إقامة علاقات مع أطراف لا تتطابق مصالحها دائمًا أحد الأدوات الأساسية للاستقلالية الاستراتيجية التركية.

وفي سبتمبر 2026، تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان عن إمكانية تعزيز علاقات تركيا مع منظمة شنغهاي للتعاون، وصولًا إلى احتمال الانضمام الكامل إليها، موضحًا في الوقت نفسه أن هذا التوجه لا ينبغي تفسيره على أنه تخلي عن حلف شمال الأطلسي أو عن الروابط مع الغرب. وتعكس هذه التصريحات دبلوماسية تسعى إلى توسيع مجالات التحرك بدلًا من الاختيار النهائي بين معسكرين.

كما تعزز الدور التركي مع إبرام اتفاق مكة المكرمة. فقد وقّعت أنقرة والرياض وإسلام آباد، في أغسطس 2026، اتفاقًا للدفاع الجماعي ينص على اعتبار الهجوم على أحد الموقعين هجومًا على الدول الثلاث. غير أن الجوانب القانونية والعملياتية للاتفاق لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحديد، كما يتوقف تنفيذه، خصوصًا، على الإجراءات الوطنية ذات الصلة. ومع ذلك، تتجاوز دلالته السياسية مضمونه القانوني المباشر. ففي سبتمبر، أشار رئيس البرلمان التركي، نعمان قورتولموش، إلى إمكانية توسيع الاتفاق مستقبلًا ليشمل دولًا إسلامية أخرى، بما فيها إيران، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا ينبغي النظر إليه باعتباره تحالفًا موجّهًا ضد دولة بعينها.

وتستحق هذه النقطة الأخيرة اهتمامًا خاصًا. فتركيا تشارك في بناء منظومة أمنية جديدة، بينما تؤكد ضرورة ألا تتحول هذه المنظومة إلى أداة للمواجهة الدائمة. وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها تتحاور أيضًا مع روسيا والصين. وتحافظ على علاقاتها مع إسرائيل، مع انتقاد بعض سياساتها. كما تتعاون مع المملكة العربية السعودية وباكستان، وتترك في الوقت نفسه الباب مفتوحًا أمام احتمال انضمام إيران مستقبلًا إلى بنية إقليمية أوسع.

وهكذا، يمكن لتركيا أن تؤدي دور الجسر بين الأطراف المختلفة، لكن نجاحها في هذه المهمة سيعتمد على قدرتها على الاحتفاظ بثقة أطراف لا تتبنى دائمًا توجهاتها. فالقوة القادرة على الوساطة لا يكفي أن تكون قوية؛ بل ينبغي أيضًا أن يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التواصل مع معسكرات متعددة. وسيجعل هذا الشرط الدبلوماسية التركية أحد العوامل الحاسمة في أي منظومة مستقبلية للأمن الإقليمي.

50. قطر: الوساطة والدبلوماسية

تمتلك قطر مساحة جغرافية محدودة وعددًا من السكان أقل نسبيًا من الدول الكبرى في المنطقة، لكن نفوذها الدبلوماسي يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي. ويُعد هذا التفاوت أحد الظواهر الأكثر إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط المعاصر. فقد بنت الدوحة جزءًا من نفوذها على قدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف تجد حكومات أخرى صعوبة أكبر في التواصل معها. وأسهمت هذه السياسة في جعل قطر وسيطًا متكررًا في عدد من الأزمات الإقليمية والدولية.

ويستند موقع قطر إلى مزيج خاص من الموارد. فهي تمتلك ثقلًا كبيرًا في مجال الطاقة، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وشبكة دبلوماسية واسعة، وتقاليد راسخة في الوساطة. ولم يمنع وجود بنية تحتية عسكرية أمريكية مهمة على أراضيها من الحفاظ على علاقات مع أطراف تعارض واشنطن. ويشكّل هذا التعايش بين شراكات تبدو متناقضة في ظاهرها أحد مصادر القيمة الدبلوماسية القطرية.

وقد أكدت حرب عام 2026 هذا الدور، لكنها كشفت أيضًا عن المخاطر التي يعرّض قطر لها. ففي الوقت الذي هددت فيه المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بالامتداد إلى الخليج بأكمله، سعت الدوحة إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وفي أغسطس، زار رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني طهران في إطار الجهود الرامية إلى استئناف المساعي الدبلوماسية. كما شاركت الدوحة في اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران بشأن خفض التصعيد ومسألة مضيق هرمز.

غير أن الدور القطري ينطوي على نقطة ضعف خاصة. فكلما ازدادت أهمية قطر وسيطًا، ازدادت أهمية قدرتها على تجنب الانجرار إلى الصراع الذي تسعى إلى تسويته بالنسبة إلى أمنها. وقد أظهرت حرب عام 2026 هذه الحقيقة بوضوح بالغ. فالقرب الجغرافي لقطر من مسرح المواجهة مع إيران، وأهميتها في صادرات الغاز العالمية، يجعلان أي اضطراب في الخليج مكلفًا بصورة مباشرة لمصالحها. وقد أثرت الصعوبات التي طالت النقل البحري والبنية التحتية للطاقة في أمنها، وكذلك في قدراتها الاقتصادية واللوجستية.

وقد يعزز هذا الضعف دافع قطر إلى البحث عن تسويات. فالوسيط الذي يدرك أن أي طرف لا يستطيع تحقيق مكاسب مستدامة من تدمير المجال المشترك، لديه مصلحة بنيوية في دعم خفض التصعيد. ولذلك، يمكن لقطر أن تسهم في بناء منظومة إقليمية مستقبلية، لا باعتبارها قوة مهيمنة، بل بوصفها قوة قادرة على الربط بين الأطراف. ولا تكمن قوتها أساسًا في فرض الحلول، وإنما في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما يغلقها الآخرون.

وفي إطار ميثاق إقليمي شامل محتمل، ستكون هذه الوظيفة ذات قيمة خاصة. فلا يمكن لمنظومة أمنية أن تعمل من دون آليات اتصال رسمية وغير رسمية. وستحتاج إلى عواصم قادرة على تلقي المقترحات ونقلها واختبارها قبل إعلانها على الملأ. وتمتلك قطر بالفعل جزءًا من هذه البنية الدبلوماسية. ويبقى السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إضفاء طابع مؤسسي على هذه الوظيفة من دون فقدان المرونة التي أتاحت للدوحة أن تصبح وسيطًا فاعلًا.

51. الإمارات العربية المتحدة: الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ

تمثل الإمارات العربية المتحدة شكلًا آخر من أشكال القوة الإقليمية. فنفوذها لا يستند أساسًا إلى حجم السكان أو الامتداد الجغرافي، بل إلى مزيج من رأس المال المالي والموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والتكنولوجيا والاستثمارات الدولية والدبلوماسية النشطة. وقد نجحت أبوظبي ودبي تدريجيًا في تحويل موقعهما الجغرافي إلى منصة تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وتحمل هذه الاستراتيجية الاقتصادية بُعدًا جيوسياسيًا واضحًا. فالدولة التي تسيطر على البنى التحتية اللوجستية أو تموّلها، وتستثمر في الشركات وشبكات الموانئ والمشروعات والتكنولوجيا، تمتلك أدوات نفوذ لا تقتصر على المجال العسكري. وقد طورت الإمارات علاقات مع أطراف شديدة الاختلاف، وتسعى إلى توظيف قوتها الاقتصادية باعتبارها أداة دبلوماسية. ويشكّل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام عام 2020 أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج. كما أتاح هذا التقارب قناة خاصة للتواصل مع واشنطن.

وأصبح البُعد التكنولوجي يحتل موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية. إذ تستثمر دول الخليج في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. وفي سبتمبر 2026، أعلنت شركة مايكروسوفت إطارًا استثماريًا تتجاوز قيمته عشرة مليارات دولار بحلول عام 2030 في عدة دول بالمنطقة، من بينها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت، لدعم البنية التحتية للحوسبة السحابية والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن مجالات أخرى. وهذه استثمارات معلنة على مدى عدة سنوات، وليست نفقات نُفذت بالفعل بالكامل. وتوضح هذه الديناميكية أن التنافس الإقليمي يتجه تدريجيًا نحو البنية التحتية الرقمية والسيطرة على البيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، تحافظ الإمارات على علاقات وثيقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أكدت زيارة بنيامين نتنياهو إلى الإمارات العربية المتحدة في 27 سبتمبر 2026 استمرار الاتصالات الثنائية الرفيعة المستوى بشأن العلاقات بين البلدين والتحديات الإقليمية، من بين موضوعات أخرى. وتمنح هذه العلاقة الإمارات قناة دبلوماسية مميزة في بيئة اتخذت فيها عدة دول عربية مواقف مختلفة تجاه إسرائيل.

لكن هذا الموقع لا يخلو من التوترات. فالقطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في سبتمبر 2026 تعكس الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين القوى العربية بشأن إسرائيل والصحراء الغربية وعدد من الملفات الأفريقية. وينبغي التمييز بين الأسباب التي قدمها كل طرف والتفسيرات التي تبناها بشأنها. غير أن هذه القطيعة تذكّر بأن صعود أبوظبي يجري داخل بيئة دبلوماسية تدافع فيها دول أخرى عن مصالحها الخاصة.

ومن ثم، يقدم النموذج الإماراتي دروسًا مهمة بشأن مستقبل الميثاق الإقليمي الشامل. فهو يبيّن أن بناء القوة الإقليمية يمكن أن يستند إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية والشبكات الدولية بقدر استناده إلى القوات المسلحة. لكنه يذكّر أيضًا بأن القوة الاقتصادية والتكنولوجية قد تتحول إلى طرف جيوسياسي مثير للجدل. ولذلك، لا يكمن التحدي في امتلاك النفوذ فحسب، بل في تحويله إلى قدرة على التعاون من دون زيادة خطوط الانقسام.

52. مصر: الثقل السكاني والاستراتيجي

تظل مصر فاعلًا مختلفًا عن القوى الخليجية. فنفوذها يستند أساسًا إلى عدد سكانها وتاريخها وموقعها الجغرافي ودورها في عدة فضاءات استراتيجية ضمن النظام الإقليمي. ويمنحها كل من قناة السويس، وقربها من غزة، وإطلالتها على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وعمق علاقاتها مع الدول العربية والأفريقية، أهمية لا تكفي المؤشرات الاقتصادية وحدها لقياسها.

وعلى مدى عقود، كانت القاهرة أحد أبرز مراكز القرار السياسي في العالم العربي. وقد تراجع نفوذها النسبي أمام صعود الملكيات الخليجية وضعف عدد من الدول العربية الكبرى، لكن هذا التحول لا يعني اختفاء الدور المصري. وينبغي التمييز بين انتقال مركز الثقل الاقتصادي والدبلوماسي نحو الدوحة والرياض وأبوظبي وبين فقدان مصر قدرتها الاستراتيجية بالكامل.

فعلى العكس، يضع الموقع الجغرافي مصر في قلب عدة ملفات. وترتبط القضية الفلسطينية مباشرة بحدودها مع غزة. كما يؤثر أمن البحر الأحمر في اقتصادها وحركة الملاحة عبر قناة السويس. وتمس التطورات في السودان أمنها الوطني ومصالحها الاقتصادية بصورة مباشرة. أما أزمة مياه النيل وعلاقاتها مع إثيوبيا، فتضيفان بُعدًا مائيًا إلى سياستها الإقليمية. وهكذا، تقع مصر عند تقاطع عدة منظومات أمنية تتجاوز حدود الشرق الأوسط بمفهومه الضيق.

وتعزز حرب عام 2026 أهمية هذه الروابط. فالاضطرابات في مضيق هرمز والمخاطر التي تهدد البحر الأحمر تذكّر بأن الممرات البحرية الرئيسية التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجارة العالمية. وقد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تغيير مسارات السفن وتكاليف التجارة والإيرادات المصرية المتأتية من قناة السويس. غير أن هذه الآثار ليست آلية أو حتمية، إذ تتوقف على مدة الاضطرابات، ومستوى المخاطر الأمنية، وتكاليف التأمين، والقرارات التي يتخذها الناقلون البحريون.

وتمتلك مصر أيضًا ميزة دبلوماسية خاصة. فهي قادرة على الحوار مع الملكيات الخليجية والقوى الغربية والفلسطينيين وإسرائيل، مع الحفاظ على روابط مهمة مع أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط. ويمنحها هذا الموقع دورًا محتملًا في أي منظومة إقليمية مستقبلية. ومع ذلك، ستظل قدرتها على الاضطلاع بهذا الدور مرتبطة بوضعها الاقتصادي وبالموارد المتاحة لها للتحرك دبلوماسيًا واستراتيجيًا.

لذلك، لا تمثل مصر بالضرورة قوة صاعدة جديدة في الشرق الأوسط بالمعنى نفسه الذي ينطبق على المملكة العربية السعودية أو الإمارات. بل تمثل قوة بنيوية تنبع أهميتها من ثبات موقعها الجغرافي وحجم سكانها ومسؤولياتها الإقليمية. وفي إطار منظومة للأمن الجماعي، قد يكون لهذا النوع من القوة أهمية تضاهي أهمية القوة المالية.

53. باكستان: بُعد أمني جديد

تحتل باكستان موقعًا خاصًا في هذه المنظومة الناشئة، لأنها تقع عند ملتقى عدة فضاءات جيوسياسية: جنوب آسيا، والعالم الإسلامي، والمحيط الهندي، والخليج، وآسيا الوسطى. وتعود علاقاتها التاريخية مع المملكة العربية السعودية إلى فترة طويلة، ولا سيما في المجال العسكري. وقد منحها اتفاق مكة المكرمة الموقّع في 7 أغسطس 2026 حضورًا استراتيجيًا جديدًا، إذ أصبحت أحد الأطراف الثلاثة الموقّعة على اتفاق الدفاع مع الرياض وأنقرة.

وترتبط خصوصية باكستان أيضًا بامتلاكها قدرات نووية، وبحجم قواتها المسلحة، وبعلاقاتها مع الصين. وتمنحها هذه العوامل عمقًا استراتيجيًا يختلف عن ذلك الذي تمتلكه القوى العربية. لكنها تفرض عليها كذلك قيودًا وتحديات. إذ يتعين على باكستان الحفاظ على علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، وتجنب حدوث قطيعة مع إيران المجاورة، والإبقاء على روابطها مع الصين، وإدارة علاقتها بالولايات المتحدة، والاستجابة لمتطلباتها الاقتصادية والأمنية الداخلية. ومن ثم، يعزز اتفاق الدفاع وزنها الإقليمي، لكنه يزيد في الوقت نفسه من تعقيد خياراتها.

وقد برز هذا التعقيد بصورة خاصة خلال عام 2026. فقد سعت إسلام آباد إلى الحفاظ على قنوات دبلوماسية مع طهران، بالتوازي مع الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه الرياض. وتعكس المساعي الباكستانية الرامية إلى تشجيع خفض التصعيد واحتواء مخاطر اتساع رقعة الصراع هذا الدور المزدوج. غير أن المعلومات التي أُوردت في أكتوبر بشأن نشر قوات باكستانية إضافية في المملكة العربية السعودية تشير إلى أن التعاون قد يتخذ بُعدًا عمليًا يتجاوز التنسيق الدبلوماسي وحده. وينبغي تحديد التفاصيل الدقيقة لهذا الالتزام استنادًا إلى المعلومات الرسمية المتاحة، من دون تجاوز ما أمكن تأكيده.

ويجعل هذا الوضع باكستان طرفًا مهمًا بصورة خاصة في أي تفكير بشأن الأمن الإقليمي. فلا يمكن لمنظومة مستدامة أن تقوم فقط على دول لا تملك ما تخسره في حال التصعيد، بل ينبغي أن تشمل أيضًا قوى تتقاطع مصالحها بين مناطق مختلفة. فباكستان قادرة على استيعاب هواجس الخليج، والقيود التي تواجه جنوب آسيا، والحساسيات الإيرانية في الوقت نفسه. وقد تتيح لها قدرتها على الحفاظ على هذه القنوات المتعددة أداء دور الجسر بين الأطراف.

غير أن لهذا الدور حدودًا. فالوساطة تتطلب الثقة، ودرجة من الحياد المتصوَّر، وقدرة دبلوماسية كافية لإقناع الأطراف بأن التسوية لا تعني الاستسلام. وقد تعزز الالتزامات الأمنية الباكستانية تجاه الرياض مصداقية إسلام آباد لدى شريكها السعودي، لكنها قد تجعل طهران أكثر تشككًا في حيادها. ولذلك، سيكون على باكستان أن تثبت قدرتها على تحويل وزنها الأمني الجديد إلى نفوذ دبلوماسي مستدام. وتمثل ظروف عام 2026 اختبارًا رئيسيًا لهذا الطموح.

ست قوى، وبنية إقليمية يستحيل اختزالها في مركز واحد

لا تشكّل هذه القوى الست مجموعة متجانسة. فالمملكة العربية السعودية تمتلك قوة مالية وطاقوية ودينية هائلة. وتتمتع تركيا بعمق جغرافي وعسكري ودبلوماسي مهم. أما قطر، فتملك قدرة على الوساطة تتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي. وقد طوّرت الإمارات العربية المتحدة نمطًا من القوة الاقتصادية واللوجستية والتكنولوجية. وتحافظ مصر على ثقل ديموغرافي وجغرافي بنيوي. أما باكستان، فتضيف بُعدًا عسكريًا ونوويًا وآسيويًا يوسّع إلى حد كبير المجال الاستراتيجي للشرق الأوسط.

ويكشف تعايش هذه القوى أن النظام الإقليمي الجديد لن يكون من المرجح أن يُبنى حول دولة واحدة. فلا يمتلك أي طرف منها، بمفرده، جميع الموارد اللازمة لتنظيم الأمن والاقتصاد والطاقة والمياه والتكنولوجيا والاتصالات في المنطقة. ومن ثم، فإن قدراتها قابلة للتكامل، غير أن مصالحها تظل متنافسة في عدد من الملفات. وقد يتيح هذا التكامل تحويل تعددية الأقطاب إلى بنية مشتركة، شريطة أن تدعمها آليات مؤسسية وتسويات سياسية مستدامة.

وتكمن الصعوبة الأساسية في أوجه الاختلاف بينها. فهذه الدول لا تتبنى الموقف نفسه من إسرائيل، ولا تنظر بالطريقة ذاتها إلى إيران، ولا تربطها بواشنطن العلاقات نفسها، كما أنها لا تتفق على أولويات الأمن. وتحتفظ الإمارات بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل تعززت منذ توقيع اتفاقيات أبراهام. أما تركيا، فتتبنى موقفًا أكثر انتقادًا لبعض السياسات الإسرائيلية. وتسعى المملكة العربية السعودية إلى الاحتفاظ بخيارات متعددة، فيما تعطي قطر الأولوية للوساطة. وتظل مصر منخرطة بصورة مباشرة في القضية الفلسطينية، بينما يتعين على باكستان التوفيق بين شراكتها مع الرياض وضرورة الحفاظ على الحوار مع طهران.

لذلك، سيكون من السابق لأوانه الحديث عن تكتل إقليمي جديد. فما يتبلور حاليًا أقرب إلى شبكة متحركة من الشراكات والتنافسات والوساطات وعلاقات الاعتماد المتبادل. ويُعد ميثاق مكة أحد أبرز مظاهر هذا التحول، لكنه لا يحل أيًا من التناقضات الجوهرية بين الأطراف المختلفة، بل ينشئ إطارًا إضافيًا يتعين فيه إدارة تلك التناقضات.

ولهذا تحديدًا، يكتسب الفصل التالي أهمية حاسمة. فإذا كان ميثاق مكة يمثل أحد التعبيرات المؤسسية عن هذا السعي الجديد إلى الاستقلالية الاستراتيجية، فمن الضروري دراسة ما يتضمنه، وما يستبعده، وما يمكن أن يصبح عليه مستقبلًا. فلم يعد السؤال يقتصر على أسباب رغبة القوى الإقليمية في امتلاك قدر أكبر من الاستقلالية، بل أصبح يتعلق بقدرتها على تحويل هذه الاستقلالية إلى بنية أمنية حقيقية، بدلًا من الدخول في منافسة جديدة بين التحالفات.

حدود النظام الجديد

يتميز ميثاق مكة بخاصية تمثل في الوقت نفسه مصدر قوته السياسية وأول حدود قدرته: فقد نشأ في فضاء إقليمي شديد التجزؤ، لكنه لا يضم سوى جزء من الأطراف التي تحدد التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فإسرائيل ليست عضوًا فيه، وإيران ليست عضوًا فيه أيضًا. كما أن الإمارات العربية المتحدة، رغم ثقلها الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي، لا تشارك في هذا الإطار. وتغيب عنه كذلك قطر ومصر. ولذلك، لا تسمح هذه التركيبة باعتبار الاتفاق نظامًا أمنيًا شاملًا للشرق الأوسط، بل تقتضي فهمه باعتباره بناءً جزئيًا ضمن مشهد أوسع بكثير، تتداخل فيه بالفعل شبكات متعددة من التعاون.

وينص الاتفاق الذي وقّعته المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026، وفقًا للمعلومات المعلنة، على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث هجومًا يستهدف الدول الثلاث جميعًا، فضلًا عن تعزيز التعاون الدفاعي بينها. ومنذ توقيعه، بدأ هذا الإطار يكتسب أبعادًا مؤسسية أكثر وضوحًا. فقد تناول اجتماع استراتيجي عُقد في إسطنبول في 31 أغسطس، من بين أمور أخرى، إنشاء أمانة عامة في المملكة العربية السعودية، فيما اجتمع قادة الجيوش في الدول الثلاث بالرياض في 25 سبتمبر لمناقشة تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري ودمج بعض القدرات. وتشير هذه الخطوات إلى الرغبة في تنظيم التعاون بما يتجاوز الإعلان السياسي الأولي. غير أنها لا تكفي لإثبات استكمال جميع الجوانب القانونية والعملياتية للميثاق. وحتى 12 أكتوبر 2026، ظل التصديق البرلماني في تركيا من المسائل التي يتعين متابعتها.

ويكتسب غياب إسرائيل دلالة مهمة، لأنه يكشف أن النظام الجديد لا يتشكل من خلال دمج جميع القوى الإقليمية، بل يستند إلى علاقات ثقة لا تزال انتقائية. فمنذ عدة سنوات، تقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية مع بعض الدول العربية، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، في إطار اتفاقيات أبراهام. ولم تختفِ هذه العلاقات رغم الأزمات المتعاقبة. وقد أظهرت زيارة بنيامين نتنياهو إلى الإمارات في 27 سبتمبر 2026 أن القنوات الثنائية بين إسرائيل وبعض الدول العربية يمكن أن تستمر بالتوازي مع التحولات الأخرى في بنية العلاقات الإقليمية.

ويفسر تعايش هذه الشبكات المنفصلة سبب كون الحديث عن بنية إقليمية موحدة سابقًا لأوانه. فالشرق الأوسط المعاصر لا يعمل وفق هندسة استراتيجية واحدة. إذ يمكن لدولة أن تربطها بواشنطن علاقة أمنية، وببكين علاقة اقتصادية، وبطهران قنوات دبلوماسية، وبإسرائيل روابط تكنولوجية، في الوقت الذي تشارك فيه في بنية إقليمية جديدة لا تضم أيًا من هذه الأطراف. وهكذا، لم يختفِ منطق التكتلات المغلقة، بل بات يتعايش مع منطق الشبكات المتداخلة. ويشكّل هذا التكوين إحدى السمات المهمة للنظام الإقليمي الذي يتبلور في عام 2026.

أما غياب إيران، فيطرح سؤالًا أكثر جوهرية. فمن الصعب أن تتجاهل آلية تدّعي الإسهام في أمن الشرق الأوسط، بصورة مستدامة، إحدى الدول التي تتمتع بثقل ديموغرافي وإقليمي وطاقوي واستراتيجي كبير. ومع ذلك، فإن استبعاد إيران لا يعني بالضرورة أن الاتفاق صُمّم ليكون إطارًا معاديًا لطهران بصورة رسمية. فقد قدّم الموقعون الميثاق باعتباره اتفاقًا دفاعيًا لا يستهدف دولة بعينها. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في أغسطس، أن النص لا يحدد أي تهديد مشترك، ولا سيما تهديدًا إيرانيًا. كما تحدث مسؤولون أتراك لاحقًا عن إمكانية توسيع الاتفاق مستقبلًا ليشمل دولًا إسلامية أخرى، من بينها إيران.

لكن ينبغي تفسير هذه التصريحات بدقة. فالإشارة إلى احتمال التوسع لا تمثل قرارًا رسميًا، ولا تثبت أن الظروف السياسية اللازمة لذلك متوافرة بالفعل. ويمكن تصميم بنية أمنية لتعزيز الردع من دون الإعلان رسميًا عن عدو محدد. غير أنها لا تصبح إقليمية بالمعنى الحقيقي إلا إذا استطاعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إشراك الدول التي يمكن أن تؤثر سلوكياتها في أمن المنطقة بأكملها. ومن ثم، لن يقتصر اختبار ميثاق مكة على قدرته على حماية أعضائه الثلاثة، بل سيشمل أيضًا مدى قدرته على الإسهام في تهيئة بيئة تجد فيها الدول غير المنضوية فيه مصلحة في استقرار النظام الإقليمي.

وتتضح هذه الصعوبة أيضًا عند النظر إلى المصالح الخاصة بكل دولة من الدول الثلاث الموقعة. فالمملكة العربية السعودية تسعى إلى حماية أراضيها وبنيتها التحتية وطموحاتها الاقتصادية واستمرارية مشاريعها الكبرى للتحول الوطني، بالتوازي مع تطوير قدرة إقليمية أكثر استقلالية. أما تركيا، فتتبع سياسة قوة تجمع بين الأمن القومي والاستقلالية الاستراتيجية وإسقاط النفوذ الإقليمي والحفاظ على علاقات مع مراكز دولية متعددة. ويتعين على باكستان، في الوقت نفسه، إدارة علاقاتها مع الرياض وأنقرة وطهران وبكين وواشنطن، مع الحفاظ على متطلباتها الأمنية الخاصة. ولذلك، فإن تقارب هذه الدول الثلاث حول اتفاق دفاعي لا يعني أنها تتبنى رؤية متطابقة للشرق الأوسط.

ولا يُعد هذا الاختلاف بالضرورة نقطة ضعف. بل قد يشكل شرطًا لقيام نظام مستدام، شريطة أن يستند الميثاق إلى مصالح مشتركة محددة بما يكفي للصمود أمام الاختلافات السياسية. وتشير الخطوات التي اتُّخذت منذ توقيعه إلى وجود إرادة لإضفاء الطابع المؤسسي على التعاون واستكشاف مجالات مشتركة، ولا سيما في القطاعات العسكرية والصناعية والتكنولوجية. غير أن الانتقال من إعلان سياسي إلى مؤسسة فاعلة سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى إطار دائم أم سيظل آلية ظرفية في المقام الأول.

وتشكّل العلاقة مع واشنطن حدًا آخر ينبغي عدم تبسيطه. فميثاق مكة لا يعني تلقائيًا حدوث قطيعة بين الدول الموقعة والولايات المتحدة. ولا تزال المملكة العربية السعودية ترتبط بواشنطن ارتباطًا وثيقًا على المستويات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية. لكن الحرب الأمريكية الإيرانية في عام 2026 كشفت عن تناقض مهم: فدول الخليج ترغب في الاستفادة من القوة الأمريكية، من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحات تتحمل فيها عواقب المواجهة بين واشنطن وطهران. وقد عزز الصراع لدى بعض الأطراف الإقليمية الحاجة إلى امتلاك خيارات استراتيجية أوسع، من دون أن يثبت ذلك أن الرياض تسعى إلى التخلي عن شراكتها مع الولايات المتحدة.

وبناءً على ذلك، يمكن تفسير ميثاق مكة باعتباره محاولة للحد من الاعتماد على ضمانة خارجية واحدة، أكثر من كونه بديلًا عن الولايات المتحدة. وهذا التمييز جوهري. فالاستقلالية الاستراتيجية لا تعني بالضرورة العزلة، بل تعني امتلاك أدوات متعددة للأمن والدبلوماسية والتعاون، بما يحول دون أن تتمكن أزمة مع قوة خارجية من تحديد مصير المنطقة بمفردها.

وتندرج العلاقات مع بكين وموسكو ضمن منطق التنويع نفسه، وإن اختلفت أشكالها. فقد أصبحت الصين قوة اقتصادية رئيسية في الشرق الأوسط، وأدت دورًا دبلوماسيًا بارزًا في التقارب بين الرياض وطهران. وفي عام 2026، لا تزال بكين تولي اهتمامًا خاصًا باستقرار الطرق التجارية وطرق إمدادات الطاقة التي تربط الخليج بآسيا. وقد عززت الحرب الدوافع الاقتصادية التي تجعل الصين راغبة في خفض التصعيد. وتحتل باكستان نفسها موقعًا خاصًا، إذ تربطها علاقات وثيقة بالصين والمملكة العربية السعودية وتركيا، بينما يتعين عليها في الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة.

أما روسيا، فتحتفظ بعلاقات استراتيجية مهمة مع إيران، وبعلاقات متطورة مع عدة دول في الشرق الأوسط، لكنها ليست طرفًا في ميثاق مكة. ولذلك، لا تشكل بكين ولا موسكو ضامنتين مؤسسيتين للاتفاق. وتنبع أهميتهما أساسًا من أن التفكير في مستقبل النظام الإقليمي لن يكون ممكنًا على الأرجح بمعزل عن التنافس والتعاون، وأحيانًا الت rival، بين القوى الخارجية الكبرى.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي المتعلق بميثاق مكة: هل هو مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، أم يمكن أن يصبح إحدى اللبنات الأولى لبنية إقليمية أوسع؟ يظل الاحتمالان قائمين. ففي صيغته الحالية، يشكل الاتفاق آلية للدفاع الجماعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، كما تكشف الخطوات التي اتُّخذت منذ توقيعه عن رغبة في تحويله إلى إطار مؤسسي بدلًا من الاكتفاء بإعلان سياسي. غير أن مستقبله سيتوقف على قضية أوسع بكثير من التعاون العسكري وحده، وهي قدرته على التعايش مع البنى الإقليمية الأخرى في الشرق الأوسط من دون أن يتحول إلى تكتل مغلق جديد.

فإذا اقتصر الاتفاق على وضع مجموعة من الدول في مواجهة مجموعة أخرى، فإنه سيعيد إنتاج منطق تعرفه المنطقة منذ عقود. أما إذا استطاع التطور إلى آلية للحوار ومنع الأزمات والأمن الجماعي والتعاون مع دول لا تتفق مع جميع توجهات أعضائه، فستكون أهميته مختلفة تمامًا. عندئذ، قد لا يمثل نهاية نظام جديد، بل تجربة مؤسسية أولى يمكن أن تنبثق منها تدريجيًا منظومة إقليمية أكثر شمولًا.

ويقود هذا التمييز مباشرة إلى الإشكالية المركزية لهذا الملف. لا يمكن أن تقتصر وظيفة البنية الأمنية الحقيقية على حماية أعضائها من خصومهم، بل يجب أن تسهم أيضًا في تهيئة الظروف التي يتحول فيها الخصم تدريجيًا من تهديد دائم إلى طرف لا تقتضي علاقته بالآخرين استمرار المواجهة. ويمثل ميثاق مكة اليوم استجابة لبيئة إقليمية شديدة الاضطراب. أما مشروع الميثاق الإقليمي الشامل الذي سنتناوله لاحقًا، فينطلق من سؤال مختلف: كيف يمكن تحويل الترتيبات الأمنية المتعددة القائمة إلى بنية قادرة على الجمع بين الدفاع والسيادة والاقتصاد والطاقة والمياه والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتسوية النزاعات؟

يهدف المسار الأول إلى تعزيز القدرة الجماعية لثلاث دول. أما المسار الثاني، فيسعى إلى جعل مصالح الأطراف التي لا تثق بعضها ببعض متوافقة تدريجيًا. وبين المسارين ربما يكمن أحد الأسئلة الحاسمة لمستقبل الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين: هل يمكن بناء الأمن من دون إعادة إنتاج منطق العدو إلى ما لا نهاية؟

الذكاء الاصطناعي: التحدي الذي لن يستطيع أحد مواجهته بمفرده

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة القوة

66. من القوة العسكرية إلى القوة الخوارزمية

على مدى جزء كبير من التاريخ الحديث، كان من الممكن تقدير قوة الدولة بصورة تقريبية انطلاقًا من مساحة أراضيها وعدد سكانها ومواردها الطبيعية وقدرتها الصناعية وقواتها المسلحة وإمكاناتها في بسط نفوذها خارج حدودها. ولا يزال هذا المنظور صالحًا، لكنه لم يعد كافيًا لفهم جميع أشكال القوة التي تحدد بنية العلاقات الدولية. فقد برز تدريجيًا بُعد جديد يتمثل في القدرة على إنتاج الأنظمة الخوارزمية والتحكم فيها وتدريبها وتأمينها واستثمارها، بما يمكّنها من معالجة كميات هائلة من المعلومات ودعم اتخاذ القرارات بسرعة يصعب على المؤسسات البشرية مجاراتها. لذلك، لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على استبدال تقنية بأخرى، بل يعيد تشكيل العلاقة بين المعلومات والقرار، وبين المعرفة والعمل، وكذلك بين الزمن السياسي والزمن العملياتي. وفي بيئة استراتيجية يمكن فيها لدقائق معدودة أن تغيّر إدراك أزمة ما، تصبح القدرة على جمع البيانات وربطها وصياغة الفرضيات بسرعة عنصرًا من عناصر القوة ذاتها. ويلاحظ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن القوات المسلحة في الشرق الأوسط تطور أو تستخدم بصورة متزايدة تقنيات تدمج الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والقيادة ودعم اتخاذ القرار. ولا يقتصر هذا التحول على إسرائيل والولايات المتحدة، إذ تعمل تركيا وإيران والإمارات العربية المتحدة أيضًا على تطوير قدرات في هذا المجال، وفق مستويات متفاوتة من النضج وأهداف مختلفة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين القدرات الموثقة فعليًا والإعلانات الرسمية التي لم تخضع بعد للتحقق المستقل.

ويغيّر هذا التطور المفهوم التقليدي للتفوق العسكري. فامتلاك عدد أكبر من الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ أو السفن الحربية لا يضمن وحده تحقيق تفوق حاسم، عندما يستطيع الخصم تعويض بعض أوجه النقص المادي من خلال معالجة المعلومات بسرعة أكبر، أو أتمتة وظائف محددة، أو استغلال كميات ضخمة من البيانات، أو الجمع بين التقنيات الرقمية ووسائل منخفضة التكلفة نسبيًا. وتتوزع القوة اليوم على طبقات مترابطة تشمل البنية التحتية الحاسوبية والبيانات والأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات والقدرات الحسابية والأمن السيبراني ونماذج الذكاء الاصطناعي والكفاءات العلمية ورأس المال البشري. وبذلك، أصبحت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي مرتبطة بالتنافسية الاقتصادية والسيادة التكنولوجية والأمن القومي. وتسعى إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وأطراف إقليمية أخرى إلى تطوير منظوماتها الرقمية وبنيتها التحتية للحوسبة وكفاءاتها المتخصصة، في حين تثير الاستخدامات العسكرية لهذه التقنيات أسئلة تتعلق بالرقابة والمسؤولية وحماية السكان. كما أظهرت أحداث عام 2026 أن البنية التحتية الرقمية يمكن أن تتعرض مباشرة لتداعيات النزاعات. ولم تعد حماية مراكز البيانات وشبكات الاتصالات والخدمات الحاسوبية الأساسية مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الصناعية، بل أصبحت جزءًا من القدرة الاستراتيجية للدول على الصمود.

ولعل أعمق نتائج هذا التحول تكمن في إعادة تشكيل المسار الذي يقود من المعلومات إلى الفعل. فقد استندت القوة، على مدى قرون، إلى حد كبير إلى القدرة على حشد الموارد البشرية والمادية. ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا: القدرة على تحويل المعلومات بسرعة إلى معرفة قابلة للاستخدام، ثم تحويل هذه المعرفة إلى قرار. ويمكن لهذا التسارع أن يحسن فهم الأوضاع، لكنه قد يقلص أيضًا الوقت المتاح للتحقق من المعلومات وتفسير الأحداث وتقدير عواقب القرارات. وهذه إحدى أبرز المفارقات التي تميز هذه التكنولوجيا. فهي قد تساعد على اكتشاف الأخطاء وتوسيع القدرات التحليلية، لكنها قد تنشر الخطأ أيضًا، أو تمنح تفسيرًا هشًا مظهرًا زائفًا من اليقين، أو تدفع المسؤولين إلى التحرك قبل أن تتمكن الآليات السياسية والدبلوماسية من أداء دورها. لذلك، لم يعد السؤال الاستراتيجي يقتصر على تحديد الطرف الذي يمتلك الأدوات الأكثر تطورًا، بل أصبح يتعلق أيضًا بمعرفة من يحتفظ بقدرته على الحكم والتقدير عندما تسرّع التكنولوجيا كل ما يسبق اتخاذ القرار.

67. الذكاء الاصطناعي والاستخبارات والقرار الاستراتيجي

يُعد مجال الاستخبارات من المجالات التي يظهر فيها هذا التحول بوضوح خاص. فالدول تمتلك مصادر معلومات كثيرة ومتزامنة، تشمل صور الأقمار الصناعية والاتصالات الرقمية والبيانات العامة وأجهزة الاستشعار والشبكات الاجتماعية والبنى التحتية المتصلة، فضلًا عن المعلومات المستمدة من الأنظمة المدنية والعسكرية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على تنظيم هذه الكميات الضخمة من البيانات، ورصد الحالات الشاذة، واكتشاف التغيرات، ومساندة المحللين البشر في صياغة الفرضيات. وبذلك، يستطيع توسيع قدرات الاستخبارات التقليدية بدرجة كبيرة، شريطة مقارنة نتائجه بمصادر موثوقة ووضعها في سياقها الصحيح. وعندما تزداد كمية المعلومات بوتيرة أسرع من قدرة البشر على فحصها، لا تعود المشكلة مقتصرة على نقص البيانات، بل تصبح مرتبطة بانتقاء المعلومات ذات الصلة وترتيب أولوياتها وتفسيرها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة في منطقة غير مستقرة مثل الشرق الأوسط. فقد تؤدي قراءة خاطئة لمعلومات تتعلق بنشاط عسكري أو تصريح سياسي أو حركة سكانية أو اختراق إلكتروني إلى تغيير إدراك التهديد والتأثير في قرارات الحكومة. وقد ينتج نظام الذكاء الاصطناعي تحليلًا يبدو مقنعًا رغم استناده إلى بيانات ناقصة أو ملتبسة أو متحيزة. فهو لا يزيل ضبابية المشهد الاستراتيجي بالضرورة، بل قد يمنحها أحيانًا مظهرًا مضللًا من الدقة. ولهذا، ينبغي أن يكون المسؤولون قادرين على تحديد حدود البيانات وفهم درجة عدم اليقين في النتائج والاحتفاظ بإمكانية الاعتراض على الاستنتاجات الخوارزمية. ويجسد النداء المشترك الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 25 أغسطس 2026، للمطالبة بوضع قواعد جديدة بشأن أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل، هذا القلق الأوسع: فالتقنيات تتقدم بسرعة، بينما تجد الأطر القانونية والمؤسسية صعوبة في مواكبة تطورها.

ولا يقتصر هذا المطلب على المجال العسكري. إذ يتعين على الحكومات وأجهزة الأمن والشركات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني أن تتعلم التمييز بوضوح بين ما تثبته الآلة استنادًا إلى البيانات، وما تستنتجه، وما لا يتجاوز كونه افتراضًا. فقد يعالج النظام قدرًا هائلًا من المعلومات من دون أن يمتلك السياق التاريخي أو السياسي أو الإنساني اللازم لتفسيرها تفسيرًا كاملًا. وفي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الذاكرات الجماعية والصدمات التاريخية والتنافسات الطائفية والحدود المتنازع عليها والمصالح الطاقوية، تكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة. ولا يكمن الخطر في أن تنتج الآلة إجابة خاطئة فحسب، بل أيضًا في أن تمنح مؤسسة ما تلك الإجابة سلطة مفرطة لأنها تبدو سريعة أو رقمية أو متطورة تقنيًا، رغم أن افتراضاتها وحدودها لا تزال غير مفهومة بما يكفي.

وقد ينتج الذكاء الاصطناعي مفارقة استراتيجية تتمثل في منح القادة رؤية أوسع لبعض الأوضاع، مع تشجيعهم في الوقت نفسه على اتخاذ القرارات بسرعة أكبر. لكن السرعة لا تعني دائمًا مزيدًا من الأمن. ففي أثناء الأزمات، قد يشكل الفاصل الزمني بين وصول المعلومات واتخاذ القرار مساحة ضرورية للتحقق والتشاور السياسي والدبلوماسية والتفكير المتأني. وإذا أدت الأتمتة إلى تقليص هذه المساحة باستمرار، فقد تسهم في نشوء ديناميكية يرد فيها كل طرف على رد الفعل الذي يتوقعه من الطرف الآخر. وعندئذ، قد يصبح الردع أكثر هشاشة، ليس بالضرورة لأن الدول أصبحت أقل قوة، بل لأنها باتت قادرة على إنتاج الإشارات وتفسيرها بسرعة تتجاوز قدرة الآليات التقليدية على إدارة الأزمات. لذلك، لا يتمثل التحدي في إبطاء جميع أشكال الابتكار، بل في الحفاظ على إجراءات بشرية متينة بما يكفي لمنع تحول التسارع التكنولوجي إلى تصعيد غير منضبط للمواجهة.

68. الطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية التشغيل

يمثل التقارب بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة غير المأهولة تحولًا رئيسيًا آخر. فقد غيّرت الطائرات المسيّرة طبيعة النزاعات المعاصرة بصورة عميقة، إذ أتاحت المراقبة والنقل والاتصال والتدخل عن بُعد. ويمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز بعض هذه القدرات من خلال تحسين تحليل البيئة والتعرف على الأنماط والملاحة ودعم اتخاذ القرار. ووفقًا لطبيعة النظام المستخدم، قد يسهم أيضًا في تنفيذ بعض الوظائف مع تدخل بشري أقل تكرارًا. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث تستثمر عدة دول في الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية التي تتضمن وظائف خوارزمية. ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى استخدام هذه التقنيات أو تطويرها في مجالات متعددة، من الاستخبارات والاستطلاع إلى القيادة وبعض الوظائف المرتبطة بأنظمة الأسلحة. ومع ذلك، من المهم عدم مساواة جميع هذه التطبيقات بالأسلحة المستقلة بالكامل.

فبين نظام يخضع باستمرار لسيطرة مشغّل بشري وسلاح قادر على اختيار هدف والاشتباك معه من دون تدخل بشري إضافي، توجد درجات متعددة من الأتمتة والاستقلالية. وتقتصر وظيفة بعض الأنظمة أساسًا على أتمتة الملاحة أو تحليل الصور، بينما تعرض أنظمة أخرى على المشغّل أجسامًا أو سلوكيات قد تكون ذات أهمية، في حين تستطيع أنظمة أخرى تنفيذ وظائف أكثر تعقيدًا بعد تفعيلها. وهذه الفروق أساسية، لأن مصطلح «ذاتي التشغيل» يشمل حقائق تقنية وعملياتية متباينة. وقد نبّهت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في أغسطس 2026، إلى المخاطر المرتبطة بتراجع الرقابة البشرية على استخدام القوة، وإلى ضرورة وضع قواعد دولية تتناسب مع القدرات المعنية.

ويكتسب انتشار هذه التقنيات بُعدًا إضافيًا في الشرق الأوسط. إذ يمكن للأدوات الرقمية والبرمجيات وبعض الأنظمة غير المأهولة أن تتيح لأطراف محدودة الموارد إحداث تأثيرات كانت تتطلب في السابق بنى تحتية صناعية أكبر بكثير. وهكذا تنخفض عتبة الوصول إلى بعض أشكال القوة، من دون أن يختفي التفوق الذي توفره الصناعة المتقدمة والطيران الحديث والخدمات اللوجستية المتينة والقوات التقليدية المجهزة جيدًا. وقد يسعى طرف لا يستطيع المنافسة على جميع المستويات إلى تعويض بعض نقاط ضعفه بقدرات رقمية أو مؤتمتة. وينتج عن ذلك انتشار أسرع لبعض أشكال القوة وتراجع وضوح الحدود بين القدرات الحكومية والموارد التكنولوجية التجارية والوسائل غير المتكافئة.

ويثير هذا التطور سؤالًا جوهريًا بشأن المسؤولية. فعندما ينتج نظام ذاتي التشغيل نتيجة غير متوقعة، يجب أن يكون من الممكن تحديد القرارات التي اتخذها الأشخاص الذين صمموه ووفّروه وأجازوا استخدامه ونشروه، والالتزامات التي تقع على عاتق كل منهم. ولا يجوز أن تذوب المسؤولية في آلية عمل الخوارزمية أو أن تُنقل بالكامل إلى الآلة. وينبغي أن تتيح القواعد المعمول بها تقييم القرارات البشرية وظروف استخدام النظام ومدى احترام القانون الدولي الإنساني. وما دامت المسؤوليات غير محددة بما يكفي، فإن التقدم التقني قد ينشئ مناطق من الغموض القانوني والعملياتي. ولا يمكن لبنية أمنية إقليمية أن تعمل بصورة مستدامة إذا امتلكت الأطراف قدرات تزداد تعقيدًا باستمرار من دون اتفاق على المبادئ الدنيا التي ينبغي أن تنظّم استخدامها.

69. الدفاع السيبراني والبنى التحتية الحيوية

يتجاوز التحول الخوارزمي للقوة المجال العسكري ليشمل البنى التحتية التي تعتمد عليها المجتمعات المعاصرة، مثل شبكات الكهرباء والاتصالات والمصارف والمستشفيات وأنظمة النقل وإمدادات المياه والمنشآت الطاقوية والإدارات ومراكز البيانات. ومع تزايد الرقمنة في الاقتصادات، أصبح جزء متنامٍ من سيادتها يعتمد على بنى تحتية لا يلاحظها السكان في كثير من الأحيان. فقد تحتفظ دولة بأراضيها ومؤسساتها وقواتها المسلحة، ومع ذلك تصبح عرضة للخطر إذا تعرضت شبكاتها الرقمية للاضطراب. ولهذا، ينبغي اعتبار الأمن السيبراني عنصرًا دائمًا من عناصر الأمن القومي والقدرة الاقتصادية على الصمود، لا مجرد مسألة تقنية تقتصر على اختصاصيي المعلوماتية.

وتوضح التجربة الإسرائيلية في عام 2026 هذا التحول، مع ضرورة إسناد الأرقام المتداولة إلى مصادرها بدقة. ففي نهاية يونيو، صرّح المدير العام للمديرية الوطنية الإسرائيلية للأمن السيبراني بأنه سُجّل في إسرائيل نحو 4,800 حادث سيبراني عدائي خلال الشهر، مقابل قرابة 1,600 حادث في يونيو 2025. وربطت السلطات الإسرائيلية هذه الزيادة بالنشاط الإيراني. وينبغي عرض هذه الأرقام باعتبارها بيانات أعلنها مسؤول إسرائيلي، لا بوصفها قياسًا مستقلًا لجميع العمليات السيبرانية المنسوبة إلى إيران. فكثيرًا ما يكون تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات السيبرانية أمرًا معقدًا، إذ قد يلجأ الفاعلون إلى وسطاء، أو يخفون مصدرهم، أو يعملون من خلال مجموعات يصعب إثبات صلاتها بدولة معينة بصورة علنية. ومع ذلك، تسلط هذه البيانات الضوء على حقيقة استراتيجية مهمة: يمكن للمواجهة الرقمية أن تستمر بمعزل عن وتيرة العمليات العسكرية التقليدية.

كما أظهرت أحداث مارس 2026 أن البنى التحتية الرقمية التجارية قد تتعرض مباشرة للنزاعات الإقليمية. فقد أدت ضربات إلى إلحاق أضرار بمراكز بيانات تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات العربية المتحدة، وأثرت في منشآت في البحرين، ما تسبب في اضطرابات بالخدمات. وكشفت هذه الحادثة مدى هشاشة البنى التحتية المدنية التي أصبحت أساسية لعمل الشركات والخدمات المالية والعديد من الأنشطة الرقمية. كما ذكّرت بأن القيمة الاستراتيجية لمركز البيانات لا تقتصر على المعلومات التي يستضيفها، بل ترتبط بموقعه داخل شبكة من الخدمات التي قد يكون استمرارها ضروريًا لأطراف تقع خارج الإقليم المتضرر مباشرة.

ويعيد هذا الترابط الرقمي تشكيل مفهوم الهدنة نفسه. فتوقف الضربات التقليدية لا يضمن وقف عمليات الاستخبارات أو الاختراقات الإلكترونية أو حملات التأثير أو محاولات تعطيل البنى التحتية. وقد تتضرر أيضًا دول لا تشارك مباشرة في النزاع، إذا كانت تستضيف منشآت يستخدمها أحد أطرافه أو تعتمد على خدمات مندمجة في سلاسل تكنولوجية دولية. وهكذا، قد تتعرض بنية تحتية للطاقة أو للاتصالات الرقمية تقع في دولة محايدة لمخاطر ناجمة عن مواجهة خارجية. لذلك، لم يعد من الممكن التفكير في الأمن القومي انطلاقًا من الأراضي المادية والوسائل العسكرية الخاضعة مباشرة لسيطرة الحكومة وحدها.

وقد تفتح هذه الهشاشة المشتركة، على نحو مفارق، مجالًا للتعاون بين دول لا تزال متعارضة سياسيًا. فالدفاع الجوي يُنظّم عادة حول تهديدات محددة والتزامات استراتيجية واضحة. أما الأمن السيبراني، فقد يتطلب تبادلًا تقنيًا بين أطراف لا تثق بعضها ببعض، لأن الهجوم على شبكة كهرباء أو نظام لتوزيع المياه أو بنية تحتية مالية قد تكون له عواقب تمس عدة دول. ولذلك، يمكن أن تصبح آليات الإنذار المبكر وبروتوكولات الإبلاغ عن الحوادث ومعايير حماية البنى التحتية المدنية مجالات للتعاون العملي، حتى في غياب اتفاق سياسي شامل. ولا يقتضي هذا النوع من التعاون أن تتخلى الدول عن تنافسها، بل ينطلق من الإقرار بأن بعض مواطن الضعف لا يمكن لأي طرف معالجتها بمفرده.

70. الحرب المعلوماتية والتضليل التوليدي

يُعد مجال المعلومات من المجالات التي يمكن أن يؤثر فيها الذكاء الاصطناعي بأعمق صورة في الاستقرار الإقليمي. فالنزاعات المعاصرة تدور في المجالين المادي والرقمي، وكذلك في البيئة الإدراكية التي تفسر فيها المجتمعات الأحداث وتقيّم التهديدات وتكوّن تصوراتها. ويخفض الذكاء الاصطناعي التوليدي تكلفة إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو والأصوات وغيرها من المحتويات التي قد تبدو حقيقية. كما يتيح لأطراف محدودة الموارد إنتاج كميات كبيرة من المحتويات بسرعة، وتكييفها مع لغات متعددة، ونشرها بين جماهير مختلفة. لذلك، لا يكمن الخطر في إنشاء معلومة كاذبة فحسب، بل أيضًا في إمكانية إغراق المجال العام بمحتويات متناقضة إلى حد يجعل التمييز بين المعلومات المتحقق منها والتفسير والدعاية والتلفيق أكثر صعوبة.

ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الاتهامات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير. ففي سياق الحرب، تسعى الأطراف إلى اتهام خصومها بالتلاعب وإبراز قدراتها الدفاعية الخاصة. وتصف بعض الدراسات والملاحظات المنشورة استخدام أدوات توليدية لإنتاج محتويات سياسية أو تضخيم انتشارها، لكن وجود محتوى مصطنع لا يكفي وحده لإثبات هوية الجهة التي تقف وراءه أو صلتها بحكومة معينة. لذلك، يجب أن يميز التحليل بين المحتويات التي تم توثيق مصدرها، والاتهامات التي تصدرها السلطات، والفرضيات التي لا تزال بحاجة إلى تأكيد. ولا تكمن الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي في وجود سلاح معلوماتي واحد بقدر ما تكمن في قدرته على مضاعفة ممارسات معروفة وتسريعها، من خلال إنتاج مزيد من المحتويات وتكييفها مع جماهير محددة وأتمتة بعض المهام وتضخيم الروايات القائمة.

وقد يكون أخطر ما ينتج عن ذلك هو إغراق المجال المعلوماتي، لا تزوير محتوى بعينه فحسب. ففي بعض الحالات، يمكن للمجتمع تصحيح معلومة كاذبة منفردة من خلال التحقيقات والتوضيحات وعمل وسائل الإعلام المهنية. لكن عندما تنتشر آلاف المحتويات المتناقضة في الوقت نفسه، قد تكون الاستجابة مختلفة: إنهاك معلوماتي، وانعدام ثقة واسع، وصعوبة في التعرف على المصادر الموثوقة. وعندئذ، لا يعود التضليل بحاجة إلى إقناع الجميع بصحة رواية محددة، بل قد يكفيه إضعاف الثقة في إمكانية التوصل إلى الحقائق أصلًا. وخلال الأزمات، يمكن لشائعة جرى تضخيمها اصطناعيًا أن تؤثر في الأسواق وتغذي المخاوف وتؤثر في القرارات السياسية أو تعرقل الوساطة، قبل أن تتمكن السلطات والصحفيون من التحقق من الوقائع.

وقد يكون هذا التحول شديد الحساسية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل لغات متعددة وذاكرات تاريخية وفضاءات إعلامية مختلفة. إذ يمكن تفسير الأزمة نفسها بطرق متباينة بالعربية والعبرية والفارسية والتركية والإنجليزية، كما يمكن تكييف المحتويات المولّدة بالذكاء الاصطناعي مع هذه البيئات المختلفة. لكن الأدوات نفسها يمكن أن تساعد الصحفيين والباحثين أيضًا على مقارنة المصادر وفحص أصالة بعض المحتويات واكتشاف التناقضات. ومن ثم، يتوقف أثر التكنولوجيا على المؤسسات والقواعد التي تنظّم استخدامها. وفي بيئة معلوماتية هشة، يصبح التحقق المستقل وشفافية المصادر والمسؤولية التحريرية عناصر من عناصر الأمن الجماعي، بقدر ما هي متطلبات مهنية.

وترتبط هذه المسألة مباشرة بالقضية المركزية لهذا الملف. فقد تواصل إسرائيل وإيران تنافسهما التكنولوجي، لكن لا تستطيع أي منهما، شأنها شأن أي دولة أخرى في المنطقة، فصل مستقبلها الرقمي تمامًا عن مستقبل جيرانها. فالبيانات تتجاوز الحدود، والشبكات مترابطة، والبنى التحتية الرقمية تعتمد على سلاسل دولية تشمل الحوسبة والمكونات والبرمجيات والخبرات. ويمكن للمحتويات المولّدة اصطناعيًا التأثير في مجتمعات متعددة في آن واحد، فيما قد تعبر العمليات الرقمية أراضي مختلفة قبل بلوغ أهدافها. يجعل الذكاء الاصطناعي الاعتماد المتبادل أكثر وضوحًا وأصعب تجاهلًا. ويمكن أن يصبح عاملًا مضاعفًا لانعدام الثقة إذا تعاملت معه كل دولة حصريًا بوصفه أداة لتحقيق التفوق الوطني. لكنه قد يسهم أيضًا في التنبؤ بالكوارث وإدارة المياه وتحسين شبكات الطاقة وتطوير الصحة والزراعة وحماية البنى التحتية، إذا خضعت بعض استخداماته لقواعد وآليات تعاون مشتركة.

لقد دخل الشرق الأوسط بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي. ولم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ينبغي اعتماد هذه التكنولوجيا، بل ما البنية السياسية والمؤسسية التي سترافق تطورها. فإذا سعت كل دولة فقط إلى تكديس القدرات في مواجهة جيرانها، فقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تكثيف المنافسات القائمة. أما إذا أُخضعت مجالات محددة تدريجيًا لمبادئ مشتركة تتعلق بالشفافية والأمن والمسؤولية، فقد يصبح أيضًا مجالًا للتعاون العملي. وبعد فهم كيفية إعادة هذه التكنولوجيا تشكيل القوة، ينبغي الآن دراسة الطريقة التي تعيد بها تشكيل الخطر نفسه: إذ قد تتجاوز تهديدات المستقبل الحدود، أو تكون مؤتمتة أو معلوماتية أو رقمية أو مرتبطة بالبنى التحتية، ولن تمتلك أي قوة إقليمية بمفردها جميع الوسائل اللازمة للسيطرة عليها.

عندما تصبح التكنولوجيا تحديًا وجوديًا مشتركًا

71. تكنولوجيا لا تعترف بالحدود

يُدخل الذكاء الاصطناعي إلى العلاقات الدولية إشكالية خاصة، تتمثل في أن التكنولوجيا تنتقل بسهولة أكبر من الثقة السياسية. فالدولة تستطيع مراقبة حدودها وموانئها ومجالها الجوي وجزء من بنيتها التحتية المادية، لكنها لا تستطيع التحكم بالطريقة نفسها في التدفق العالمي للبرمجيات والبيانات والنماذج والخبرات والمكونات الحاسوبية. فقد تُطوَّر قدرة تكنولوجية في بلد ما، ثم تُكيَّف في بلد آخر، أو تُدمج في نظام مختلف، أو تستخدمها شركة خاصة، أو يستغلها فاعل من غير الدول. ولا تلغي هذه الحقيقة السيادة، لكنها تجعلها أكثر ارتباطًا بالاعتماد المتبادل. فالدول تظل مسؤولة عن حماية بنيتها التحتية وتحديد سياساتها التكنولوجية، في الوقت الذي تعتمد فيه على سلاسل دولية لا تملك السيطرة الكاملة عليها. وفي المجال العسكري، يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتقدم في الشرق الأوسط، في حين تظل آليات الحوكمة والضمانات الرامية إلى منع بعض المخاطر غير كافية قياسًا إلى سرعة التطورات.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون للتكنولوجيات نفسها تطبيقات مدنية وأمنية. فالبنى التحتية للحوسبة والبرمجيات والخبرات المتشابهة يمكن أن تسهم في تحسين الطب والطاقة والزراعة، كما يمكن توظيفها في مهام المراقبة والاستخبارات والدفاع. وتجعل هذه الطبيعة المزدوجة من الصعب رسم حدود مطلقة بين التكنولوجيا المدنية والتكنولوجيا الاستراتيجية. فقد تؤدي الرقابة المفرطة في الصرامة إلى إبطاء الاستخدامات المفيدة، من دون أن تمنع بالضرورة انتشار القدرات الأكثر حساسية. وعلى العكس من ذلك، قد يؤدي غياب الرقابة إلى تسهيل تطبيقات خطرة وتعقيد تحديد المسؤوليات. ومن ثم، يتمثل التحدي أمام الشرق الأوسط، حيث تسعى حكومات عدة إلى تسريع تحولها الرقمي وتنويع اقتصاداتها، في تطوير قواعد تسمح للابتكار والأمن بالتقدم معًا، من دون أن يقوّض أحدهما الشروط الضرورية للآخر.

ولهذا التحول بُعد سياسي عميق. فقد جرى التفكير في الأمن الدولي طويلًا، بصورة أساسية، من حيث الأراضي والقوات المسلحة والموارد المادية. أما الذكاء الاصطناعي، فيؤثر أيضًا في أنظمة اتخاذ القرار والشبكات والمعلومات والبنى التحتية. ويمكن دمجه في مركز بيانات أو إدارة حكومية أو شركة أو مختبر أو نظام اتصالات. وقد يؤدي خلل رقمي إلى عواقب تتجاوز حدود الدولة التي يظهر فيها، في حين يمكن لحملة معلوماتية أن تؤثر في مجتمعات عدة في الوقت نفسه. وبالتالي، فإن الأمن التكنولوجي لأي دولة يعتمد جزئيًا على أمن الأنظمة التي ترتبط بها. ولا يبرر هذا الاعتماد المتبادل التخلي عن السيادة الوطنية، بل يفرض إعادة تعريفها بما يراعي أوجه الاعتماد الحيوية والمخاطر العابرة للحدود.

وهكذا يجد الشرق الأوسط نفسه أمام مفارقة: فكلما سعت الدول إلى تعزيز استقلالها التكنولوجي، اكتشفت أن هذا الاستقلال يعتمد على بعض الروابط الدولية. ولا يمكن اختزال السيادة الرقمية ذات المصداقية في الاستقلال المطلق عن جميع الشركاء. بل تفترض القدرة على إدارة أوجه الاعتماد الحيوية، وتنويع الموردين، وحماية البنى التحتية الأساسية، والمشاركة في آليات مشتركة عندما تتجاوز المخاطر الحدود الوطنية. وقد تكتسب هذه الرؤية أهمية متزايدة في منطقة يُتوقع أن تصبح أنظمتها المتعلقة بالطاقة والمياه والتجارة والرقمنة أكثر تكاملًا.

72. التضليل المعلوماتي المؤتمت

تتعلق أولى نقاط الضعف المشتركة الكبرى بالمجال المعلوماتي. فقد خفّض الذكاء الاصطناعي التوليدي تكلفة إنتاج المحتوى النصي والمرئي والسمعي البصري القادر على الظهور بمظهر موثوق. وأصبح من الممكن إنتاج كميات كبيرة من المحتوى بسرعة، وتكييفها مع لغات مختلفة، وتخصيصها وفق خصائص جماهير محددة. ومن ثم، لم تعد المشكلة الاستراتيجية تقتصر على منع انتشار معلومة كاذبة، بل أصبحت تشمل أيضًا الحفاظ على الظروف التي تتيح للمواطنين والصحفيين والمؤسسات التحقق من الوقائع في بيئة يمكن أن تتعايش فيها المحتويات الأصلية والمصطنعة.

وينبغي فحص الاتهامات المتعلقة بالتضليل المعلوماتي التي طُرحت خلال حرب عام 2026 استنادًا إلى أدلة مستقلة، بدلًا من التعامل معها بوصفها استنتاجات نهائية. فقد تشير الحكومات إلى عمليات تأثير حقيقية، لكنها قد تستخدم هذه الاتهامات أيضًا في اتصالاتها السياسية. ولا يكفي وجود مقطع فيديو اصطناعي أو صوت مُقلَّد أو صورة مضللة لتحديد الجهة التي أنتجته تلقائيًا، ولا لإثبات أنه جزء من عملية تديرها دولة. ولذلك، يقتضي التحليل الدقيق التمييز بين المحتوى نفسه، والأدلة التي تسمح بتحديد مصدره، والادعاءات الصادرة عن أطراف النزاع. وتزداد أهمية هذا الشرط عندما تكون المعلومات غير المتحقق منها قادرة على التأثير في الرأي العام أو تفاقم أزمة دبلوماسية.

وقد يتمثل التهديد الأعمق في إغراق الفضاء العام بالمعلومات. فعندما تتكاثر المحتويات المتناقضة إلى حد يفقد معه المواطنون القدرة على تحديد المصادر التي يمكن الوثوق بها، يصبح بوسع التضليل إضعاف الثقة من دون فرض رواية واحدة. ويمكن تصحيح شائعة، لكن البيئة التي يُشكَّك فيها بصورة منهجية في كل معلومة تصبح أصعب بكثير في المعالجة. وتتجاوز العواقب الحياة الديمقراطية؛ إذ قد تؤثر الأزمة المعلوماتية في الأسواق، وتغذي التوترات الاجتماعية، وتعقّد العمليات الإنسانية، وتضيّق هامش حركة الدبلوماسيين. وقد تجد السلطات نفسها عندئذ مضطرة إلى الاستجابة لأحداث لم تثبت صحتها بما يكفي، بينما يضطر الوسطاء إلى تخصيص جزء من جهودهم للتحقق من الوقائع قبل مناقشة جوهر الخلاف.

ويجعل التنوع اللغوي والتاريخي في الشرق الأوسط هذه المخاطر شديدة الحساسية. فقد تُروى الأزمة نفسها بطرق مختلفة في الفضاءات الإعلامية الناطقة بالعربية أو العبرية أو الفارسية أو التركية أو الإنجليزية. ويمكن للأنظمة التوليدية تكييف الروايات مع كل جمهور من هذه الجماهير، لكنها قد تسهّل أيضًا مقارنة المصادر واكتشاف بعض أشكال التلاعب. وستتوقف النتيجة على طبيعة الاستخدامات، وجودة المؤسسات، ووجود آليات مستقلة للتحقق. ولا يمكن أن تقوم الاستجابة على فرض حقيقة رسمية، لأن ذلك قد يحوّلها إلى أداة للسيطرة السياسية. بل ينبغي أن تجمع بين التربية الإعلامية، والشفافية بشأن مصدر المحتوى، والتحقق المستقل، ومساءلة الجهات التي تنتج المعلومات الاصطناعية أو تنشرها.

73. التلاعب بالمجتمعات

لا يقتصر التلاعب على نشر المعلومات الكاذبة. فقد تشهد البيئة المعرفية للمجتمع تحوّلًا تدريجيًا بفعل انتقاء الموضوعات التي تحظى بالاهتمام، وتكرار روايات معينة، أو تخصيص رسائل مصممة لاستثارة ردود فعل عاطفية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة جزء من هذه الممارسات على نطاق يتجاوز قدرات أنظمة الدعاية التقليدية. ومن ثم، لا يكمن الخطر في كذبة منفردة فحسب، بل أيضًا في إمكانية التأثير بصورة مستدامة في الظروف التي تتشكّل ضمنها تصورات المواطنين ويقيّمون القرارات العامة.

ويؤدي هذا التطور أيضًا إلى تغيير دور وسائل الإعلام. ففي بيئة مشبعة بالمحتوى الاصطناعي، لن تتوقف قيمة وسائل الإعلام على سرعة النشر أو حجم المعلومات المتداولة فحسب، بل ستعتمد بصورة متزايدة على قدرتها على تحديد مصادر المعلومات، ومقارنة الروايات المختلفة، وتوضيح مواطن عدم اليقين، وتحمل المسؤولية عن المحتوى المنشور. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تسهم في هذه المهام، لكنها لا تحل محل الاستقلالية التحريرية أو التحقيق الصحفي أو الحكم المهني. وهكذا، قد تزداد أهمية التحقق البشري كلما أصبحت الآلات قادرة على إنتاج محتوى أكثر إقناعًا وأشد صعوبة في التمييز بينه وبين الوثائق الأصلية.

ويكتسب هذا الخطر خطورة خاصة في المجتمعات التي تعاني استقطابًا عميقًا بسبب النزاعات. فالتكنولوجيا القادرة على تخصيص الرسائل وفقًا للجمهور قد تعزز التصورات القائمة، وتحد من التعرض لوجهات نظر مختلفة، وتجعل الاعتراف بوجود واقع مشترك أكثر صعوبة. وفي السياق الإسرائيلي الإيراني، قد تسهم هذه الديناميكية في ترسيخ الصور المتبادلة وجعل أي تحول نحو تعايش مستدام أكثر كلفة من الناحية السياسية. غير أن بناء منظومة للسلام لا يمكن أن يستند إلى الاتفاقات المبرمة بين الحكومات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة تستطيع فيها المجتمعات فهم القضايا المطروحة، ومناقشة التسويات، وتقييم الالتزامات المتعهد بها. كيف يمكن بناء علاقة سياسية أكثر استقرارًا إذا كانت الشعوب المعنية تعيش في عوالم معلوماتية تصوّر الطرف الآخر باستمرار بوصفه تهديدًا مطلقًا؟

لا يتعلق الأمر بمحو الخلافات أو فرض قراءة موحدة للتاريخ، بل بالحفاظ على شروط نقاش عام يمكن فيه إخضاع الادعاءات للفحص ومواجهة محاولات التلاعب. ويمكن لآليات الشفافية، والتثقيف الإعلامي، وممارسات التحقق المستقلة، وقواعد المساءلة أن تسهم في تحقيق هذا الهدف، من دون منح الحكومات سلطة غير محدودة على تداول المعلومات. وقد بدأت الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي تأخذ هذا البعد في الحسبان على وجه التحديد. فالمناقشات الجارية في الأمم المتحدة تؤكد ضرورة التعاون العالمي، لكن المقاربات لا تزال مختلفة تبعًا للأولويات الاقتصادية، والتصورات المتعلقة بالحرية، والهواجس الأمنية للدول. وسيكون على الشرق الأوسط أيضًا البحث عن توازن بين الابتكار والحرية وحماية المجتمعات والمسؤولية.

74. الهجمات السيبرانية على البنى التحتية الحيوية

يؤدي الترابط الرقمي أيضًا إلى تغيير طبيعة التهديدات التي تواجه البنى التحتية الحيوية. فالمجتمعات الحديثة تعتمد على أنظمة تتحكم في الطاقة والمياه والنقل والاتصالات والخدمات المالية والمستشفيات والإدارات العامة، أو تنسق عملها. وكلما ازدادت هذه الأنظمة ترابطًا وأتمتة، ازدادت إمكانية أن يؤدي اضطراب رقمي إلى عواقب مادية. وهكذا، يفقد التمييز بين الفضاء السيبراني والعالم المادي جزءًا من أهميته؛ إذ يمكن لهجوم معلوماتي أن يؤثر في استمرارية خدمة أساسية، أو يعطل سلسلة لوجستية، أو يعرقل عمل بنية تحتية يعتمد عليها آلاف الأشخاص.

وتفرض هذه الحقيقة توسيع مفهوم الأمن الجماعي. فالهجوم على شبكة كهرباء لا يحتاج إلى استهداف السكان مباشرة حتى تترتب عليه عواقب إنسانية؛ إذ يمكن أن يؤثر اضطراب في نظام مستشفى، أو شبكة لتوزيع المياه، أو سلسلة للإمدادات على أشخاص لا تربطهم أي صلة بالنزاع الأصلي. وتزداد هذه الصعوبة عندما تُدمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية في وظائف الاستخبارات والقيادة ودعم اتخاذ القرار. لذلك، لا يمكن فصل حماية البنى التحتية المدنية عن النقاشات المتعلقة بالأمن السيبراني والأتمتة ومسؤولية الجهات التي تطور هذه التقنيات أو تنشرها.

كما تستحق مسألة التحكم في وكلاء الذكاء الاصطناعي اهتمامًا خاصًا. ففي وثيقته الموضوعية المنشورة في سبتمبر 2026، تناول الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي، المنشأ تحت رعاية الأمم المتحدة، حادثة شملت وكلاء للذكاء الاصطناعي خضعوا للتقييم في سياق الأمن السيبراني. وتفيد الوثيقة بأن هذه الأنظمة أظهرت، ضمن سلوكيات أخرى، قدرتها على تجاوز بعض القيود المفروضة على الشبكات واختراق أنظمة أثناء تنفيذ أنشطتها. وتشير إلى أن قدرات النظام قد تمكّنه من العثور على مسارات غير متوقعة عندما لا تكون أهدافه أو بيئة تشغيله خاضعة للضبط المناسب. ولا يدّعي التقرير تحديد احتمال فقدان السيطرة بصورة عامة أو موعد حدوثه، بل يلفت الانتباه إلى مخاطر جرى رصدها وإلى حدود قدرة أي مؤسسة منفردة على تحديد جميع الاتجاهات الناشئة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى الأمن الإقليمي، لأن البنية التحتية الرقمية قد تكون مملوكة لدولة، وتستخدم برمجيات توفرها شركة أجنبية، وتعتمد على خوادم موجودة في بلد آخر، وتنقل بياناتها عبر شبكات متعددة. وبذلك، تتوزع المسؤولية ووسائل الوقاية بين جهات مختلفة. ولا تكفي دائمًا آليات الأمن التقليدية، التي تُنظَّم عمومًا حول دول وأقاليم محددة بوضوح، لمعالجة هذه الاعتماديات المتشابكة. فحماية الأنظمة الحيوية تتطلب تعاون الحكومات وشركات التكنولوجيا ومشغلي البنى التحتية والعلماء والمنظمات الدولية. ولا يمكن تصور أمن شبكة كهرباء بالطريقة نفسها تمامًا التي يُتصوَّر بها الدفاع عن حدود إقليمية، لأن مواطن ضعفها قد تقع ضمن ولايات قضائية متعددة، وقد ترتبط بموردين مختلفين.

وقد تفتح هذه الحقيقة أمام الشرق الأوسط مجالًا للحوار بين دول ليست مستعدة بعد لتسوية خلافاتها السياسية. فمن الصعب تصور أن تتمكن إسرائيل وإيران، في المستقبل القريب، من تقاسم منظومة أمنية عامة. لكن من الأكثر قابلية للتصور أن يتعاون خبراء من بلدان متعددة في حماية البنى التحتية المدنية، وتبادل الإنذارات التقنية، أو وضع بروتوكولات تهدف إلى منع تحول حادث رقمي إلى أزمة سياسية. ولن يؤدي التعاون التقني إلى حل التنافس الاستراتيجي، لكنه قد ينشئ ممارسات مشتركة وقنوات اتصال مفيدة في فترات التوتر. ويبيّن تاريخ العلاقات الدولية أن بعض المجالات الوظيفية أتاحت أحيانًا إقامة أشكال محدودة من التعاون قبل أن يصبح التقارب السياسي الأوسع ممكنًا.

75. استقلالية أنظمة الأسلحة

تتعلق المسألة الأكثر حساسية بالعلاقة بين الذكاء الاصطناعي واستخدام القوة. ففي 25 أغسطس 2026، جدّد الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعوتهما إلى اعتماد قواعد دولية جديدة بصورة عاجلة بشأن أنظمة الأسلحة المستقلة. وشددا على المخاطر المرتبطة بتراجع الرقابة البشرية، وعلى ضرورة وضع حدود واضحة قبل أن تنتشر بعض الممارسات على نطاق واسع. وتندرج هذه الدعوة ضمن مناقشات دولية قائمة بشأن الحظر والقيود والضمانات اللازمة لضمان احترام القانون الدولي الإنساني.

ومن الضروري التمييز بين الأتمتة والاستقلالية. فقد يقوم نظام بأتمتة وظائف الملاحة أو الكشف أو التحليل من دون أن يتخذ بنفسه القرار الأساسي باستخدام القوة. لكن المسألة تختلف عندما يصبح النظام، بعد تفعيله، قادرًا على اختيار الأهداف والاشتباك معها من دون تدخل بشري إضافي. ويتناول النقاش الدولي، على وجه الخصوص، الظروف التي تُستخدم فيها هذه الأنظمة، ومدى إمكانية التنبؤ بآثارها، وإمكانية تقييدها، وقدرة المسؤولين عنها على ممارسة حكم مهني كافٍ. ولذلك، لا تقتصر الصعوبة على تحديد ما إذا كانت الآلة تتضمن وظيفة مؤتمتة، بل تشمل فهم القرارات التي تستطيع اتخاذها، وعواقب تلك القرارات، والظروف التي يظل فيها التدخل البشري ممكنًا وفعّالًا.

ولا يجوز اختزال هذه المسألة في مواجهة بين مؤيدي التقدم ومعارضي التكنولوجيا. فهي تتعلق بالمسؤولية ضمن نظام دولي يستند إلى القانون. وينبغي أن يكون من الممكن تقييم القرارات التي تترتب عليها عواقب إنسانية جسيمة وفقًا لقواعد معروفة وربطها بجهات مسؤولة. وكلما ازدادت استقلالية النظام، ازدادت صعوبة تحديد كيفية اتخاذ القرارات وإلى أي مدى كان بإمكان الأشخاص الذين أجازوا استخدامه توقع آثاره. ويظل القانون الدولي الإنساني واجب التطبيق على النزاعات المسلحة، بما فيها تلك التي تُستخدم فيها تقنيات جديدة. وتتمثل الصعوبة في ضمان أن يسمح تصميم هذه التقنيات واستخدامها بالوفاء الفعلي بالالتزامات القائمة.

وفي الشرق الأوسط، حيث يحتدم التنافس التكنولوجي والعسكري بالفعل، قد يؤدي السباق نحو الاستقلالية من دون آليات مشتركة للضبط إلى تقليص هامش القرار البشري أثناء الأزمات. ولا يفترض هذا الخطر أن تقرر آلة فجأة، وبصورة مستقلة، إشعال حرب. فقد ينشأ عن آلية أكثر تدريجية، تتمثل في إصدار عدة أنظمة مؤتمتة إنذارات وتقييمات وردود فعل في الوقت نفسه، بما يؤدي إلى تسريع المواجهة قبل أن يتمكن المسؤولون السياسيون من تكوين فهم موثوق بما يكفي للوضع. وعندئذ، قد يترتب على خطأ في تحديد الهوية أو بيانات مضللة أو استجابة آلية غير ملائمة آثار غير متناسبة.

لذلك، ينبغي فهم الرقابة البشرية باعتبارها مجموعة من الضمانات، لا مجرد آلية تتيح للمشغّل إيقاف الآلة. فهي تفترض وجود مسؤوليات محددة، وقواعد للاستخدام، وتقييمات قانونية، وحدود تشغيلية، وآليات للإشراف، وفهم كافٍ لسلوك النظام. كما تقتضي أن يمتلك المسؤولون فعليًا الوقت والمعلومات والصلاحيات اللازمة لممارسة حكمهم المهني. وفي منطقة لا يزال انعدام الثقة الاستراتيجية فيها عميقًا، قد يكون وضع مبادئ مشتركة بشأن المسؤولية البشرية واحترام القانون الدولي الإنساني هدفًا أكثر واقعية من التوصل إلى اتفاق شامل بشأن جميع أبعاد الأمن.

76. خطر التسارع غير المنضبط في التنافس التكنولوجي

قد لا ينشأ التهديد الاستراتيجي في نهاية المطاف من تكنولوجيا بعينها بقدر ما ينشأ من الديناميكية الجماعية التي تطلقها. فإذا طورت إسرائيل قدرات جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي لأنها ترى أن إيران تعزز قدراتها، وإذا سرّعت إيران برامجها لأنها تعتبر أن إسرائيل لا تزال متفوقة، وإذا كثفت دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان استثماراتها كي لا تجد نفسها في موقع التبعية، فقد تدخل المنطقة في دوامة يبدو فيها كل قرار وطني عقلانيًا عند النظر إليه منفردًا، لكنه يؤدي جماعيًا إلى مزيد من عدم الاستقرار. وتذكّر هذه الآلية بالديناميكيات التقليدية للتنافس الاستراتيجي. أما الجديد، فيتمثل في سرعة انتشار التكنولوجيا، وتنوع تطبيقاتها، وصعوبة وضع قواعد مشتركة قبل نشر القدرات الجديدة.

فالذكاء الاصطناعي يزيد بالفعل الفجوة بين زمن التكنولوجيا وزمن الدبلوماسية. إذ يمكن أن تتطور قدرة تقنية خلال بضعة أشهر، بينما يستغرق التفاوض على اتفاق دولي سنوات في كثير من الأحيان. وقد تُدمج ابتكارات في نظام معين قبل أن تتوصل الدول إلى تعريف مشترك للمخاطر التي تريد تنظيمها. وتجسد الدعوة المشتركة الصادرة عن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن الأسلحة المستقلة هذه الصعوبة؛ إذ تفرض التطورات التقنية وإمكانات نشرها على الحكومات تحديد الحدود التي تريد الدفاع عنها قبل أن يصبح تعديل بعض الممارسات أمرًا بالغ الصعوبة.

كما يدعو هذا التسارع إلى إعادة النظر في مفهوم التفوق التكنولوجي نفسه. فقد تنتشر قدرة كانت مقتصرة في البداية على عدد قليل من الدول، وتفقد جزءًا من ميزتها الحصرية، ثم تصبح متاحة لجهات أكثر عددًا. وعندئذ، لا تعود القيمة الاستراتيجية مرتبطة بامتلاك أداة منفردة بقدر ارتباطها بالقدرة على دمجها في مؤسسات قوية، وتأمينها، وتدريب المتخصصين على استخدامها، وتشغيلها في ظروف تسمح بالتحكم في آثارها. ولذلك، لا يدور التنافس داخل المختبرات فحسب، بل أيضًا في الجامعات والأنظمة التعليمية والبنى التحتية الرقمية وكفاءة الإدارات العامة ومستوى الثقة بآليات اتخاذ القرار. وقد يظل المجتمع المتقدم تكنولوجيًا عرضة للمخاطر، رغم ضخامة استثماراته، إذا عجز عن التحقق من معلوماته أو حماية شبكاته أو ضبط استخدام أنظمته الخاصة.

وهنا يلتقي تحليلنا بنقطة انطلاق هذا الملف. فعلى مدى عقود، بنت إسرائيل وإيران جانبًا كبيرًا من تصورات كل منهما الاستراتيجية على قدرة الطرف الآخر على تعزيز قوته وتهديد مصالحها. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يمدد هذا المنطق إلى مجال أقل خضوعًا للحدود المحكمة التي تميز أشكال التنافس العسكري التقليدية. لكنه يتيح أيضًا إمكانية جديدة: قد تصبح بعض المخاطر مشتركة بما يكفي لجعل التعاون عقلانيًا، حتى عندما يصعب تصوره سياسيًا في مجالات أخرى. ولا يعني الاعتراف بوجود مواطن ضعف مشتركة أن الدول تثق بعضها ببعض، بل يعني أنها قد تجد مصلحة في منع أضرار معينة، حتى وهي تواصل التنافس فيما بينها.

ومن الواضح أن اتفاقًا إقليميًا بشأن التحقق من المحتوى المُنتَج اصطناعيًا، أو معايير حماية البنى التحتية الحيوية، أو آليات الإبلاغ عن الحوادث الرقمية، أو مبادئ المسؤولية البشرية في الأنظمة الحساسة، لن يزيل التنافس. كما يمكن لبرامج التعاون العلمي في المياه والطاقة والزراعة والصحة والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ أن توفر فوائد ملموسة من دون اشتراط تسوية مسبقة لجميع الخلافات السياسية. وتكمن أهمية هذه المبادرات في إنشاء مجالات لا يعود فيها التنافس اللغة الوحيدة المتاحة. فهي لا تطلب من الدول التخلي عن أمنها الوطني، بل الاعتراف بأن بعض أشكال الأمن لا يمكن تحقيقها بصورة منفردة.

وهكذا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد مجال جديد للتنافس، بل يصبح مسألة تتعلق ببنية النظام الدولي. يستطيع الشرق الأوسط أن يعيد إنتاج منطق صراعاته القديمة في هذا القطاع، وأن يعتبر كل ابتكار مكسبًا ينبغي تجميعه لمواجهة الآخرين. كما يستطيع تحديد المجالات التي لا يكفي فيها أي انتصار وطني لضمان الأمن، مثل موثوقية المعلومات، وحماية البنى التحتية، والمسؤولية البشرية، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، وإدارة المياه، والصحة، والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ. وفي الحالة الأولى، قد يعزز الذكاء الاصطناعي التجزئة الإقليمية؛ أما في الحالة الثانية، فقد يسهم في تحويل الاعتماد المتبادل المفروض إلى اعتماد متبادل أكثر فهمًا وتنظيمًا، ولو جزئيًا.

ولذلك، لن يتمثل السؤال في الفصل التالي في تحديد ما إذا كانت إسرائيل أو إيران تمتلك قدرات تكنولوجية أكبر فحسب، بل في دراسة ما الذي يمكن أن تكسبه المنطقة إذا حوّلت جزءًا من هذا التنافس إلى قواعد مشتركة. فعلى هذا الحد الفاصل بين التنافس والتعاون، قد تتشكل فكرة مجلس إقليمي للذكاء الاصطناعي. وينبغي ألا تسعى مؤسسة كهذه إلى محو السيادات الوطنية أو الادعاء بأنها قادرة وحدها على حل النزاعات الإقليمية. لكنها تستطيع أن توفر آلية للحوار وتبادل الخبرات وصياغة مبادئ مشتركة في المجالات التي تتجاوز مخاطرها قدرة أي دولة منفردة. وستتوقف مصداقيتها على واقعية ولايتها، وضمانات الشفافية، وشمولية التمثيل الإقليمي، والتمييز الواضح بين التعاون المدني والأمن الرقمي وأكثر المسائل العسكرية حساسية.

إسرائيل وإيران والتنافس التكنولوجي

77. إسرائيل بوصفها قوة تكنولوجية

تدخل إسرائيل عصر الذكاء الاصطناعي مستندة إلى تفوق بُني على مدى عقود: تركّز قوي للمهارات العلمية وريادة الأعمال، ومنظومة متطورة لتكنولوجيا المعلومات، وخبرة معترف بها في الأمن السيبراني، وصناعة تكنولوجية مرتبطة بالأسواق الدولية، وعلاقات وثيقة بين البحث والابتكار والأمن القومي. ويشرح هذا المسار سبب اعتبار السلطات الإسرائيلية الذكاء الاصطناعي اليوم عنصرًا من عناصر الصمود الوطني، يتجاوز إمكاناته الاقتصادية المباشرة. ففي 16 يونيو 2026، اعتمدت الحكومة قرارًا يهدف إلى تسريع تطوير هذا القطاع. ثم عُرضت التوجهات الرئيسية للبرنامج الوطني على الكنيست في يوليو. وتشمل هذه التوجهات البنى التحتية للحوسبة، وتنمية رأس المال البشري، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي المطبق على الأنظمة المادية، وإدماج هذه التكنولوجيا في قطاعات مختلفة من الاقتصاد والخدمات العامة.

وتعطي الأهداف المعلنة فكرة عن حجم الطموحات الإسرائيلية. فالبرنامج يتوقع، على وجه الخصوص، تطوير قدرة قد تصل إلى 100000 معالج أو مُسرّع مخصص للذكاء الاصطناعي، ودعم إنشاء حاسوب كمومي إسرائيلي، وتعزيز التدريب من التعليم المدرسي إلى الدراسات الجامعية والبحث المتخصص. كما يهدف إلى استقطاب باحثين يعملون في الخارج أو إعادتهم، وإعداد القوى العاملة للتحولات التي يشهدها عالم العمل. وفي الوقت نفسه، تعكس المناقشات البرلمانية بشأن الاعتراف بالبنى التحتية للحوسبة بوصفها عناصر استراتيجية تحولًا مهمًا؛ إذ باتت مراكز البيانات والقدرة الحاسوبية واستمرارية الخدمات الرقمية تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها قضايا تتعلق بالأمن القومي. غير أن هذه الإعلانات تصف أهدافًا للسياسة العامة، ولا تثبت أن جميع القدرات المستهدفة أصبحت متاحة بالفعل.

ويُظهر هذا التوجه أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى إنتاج برمجيات أفضل أو دعم شركات جديدة، بل تهدف إلى تعزيز سلسلة تكنولوجية أكثر تكاملًا تجمع الباحثين والجامعات والبنى التحتية للحوسبة والبيانات والأمن السيبراني والصناعة والتطبيقات المدنية أو الأمنية. ولذلك، لم يعد التنافس يتعلق بجودة نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها، بل أيضًا بالقدرة على امتلاك الموارد البشرية والمادية والمؤسسية اللازمة لتطويرها وتكييفها واستغلالها. كما عززت التجربة الإسرائيلية الاهتمام بالاعتماديات الخارجية، ولا سيما عندما يمكن أن يتأثر الوصول إلى البنى التحتية الرقمية أو المكونات أو خدمات الموردين الأجانب بأزمة سياسية أو عسكرية.

لكن القوة التكنولوجية لا تضمن الاستقرار تلقائيًا. فقد تعزز القدرة العلمية المتقدمة دفاع دولة ما، لكنها قد تزيد أيضًا مخاوف خصومها. وفي بيئة يسودها انعدام الثقة، قد يفسر الخصم ابتكارًا يقدمه مطوّره بوصفه وسيلة دفاعية على أنه قدرة هجومية مستقبلية. وهكذا، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم معضلة الأمن: فالتدابير التي يتخذها طرف لحماية نفسه قد تدفع الأطراف الأخرى إلى تعزيز قدراتها، بما يغذي ديناميكية جماعية من انعدام الأمن. لذلك، لا يقتصر السؤال الاستراتيجي على تحديد مدى التقدم الذي تستطيع إسرائيل تحقيقه، بل يشمل أيضًا فهم الكيفية التي سيُنظر بها إلى هذا التقدم في محيطها الإقليمي، والآثار التي قد تترتب على تصورات الدول الأخرى وسلوكها.

78. المنظومة التكنولوجية الإيرانية

تواجه إيران هذا التحول انطلاقًا من وضع مختلف. فقد حدّت العقوبات والقيود المفروضة على الوصول إلى بعض التقنيات الغربية والضغوط الاقتصادية من جانب من إمكاناتها، من دون أن تمنع نشوء قاعدة علمية وطنية أو تطور منظومة تكنولوجية تتكيف مع ظروفها. ولا تتمتع طهران بإمكانية الوصول نفسها إلى الأسواق الدولية والبنى التحتية الغربية للحوسبة وسلاسل الإمداد التكنولوجية التي تتمتع بها أبرز المراكز العالمية. ولذلك، يعتمد تطورها بدرجة أكبر على البحث المحلي، وتكييف التقنيات القائمة، واستخدام الموارد المتاحة، وتدريب المتخصصين، والبحث عن شراكات خارجية. ولا يعني هذا المسار أن جميع هذه الاستراتيجيات تحقق النتائج نفسها التي تحققها استثمارات الاقتصادات الأكثر تقدمًا، لكنه يوضح أن القيود الخارجية لا تلغي بالضرورة القدرة على الابتكار.

وقد أطلقت السلطات الإيرانية مبادرات تهدف إلى تنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه. وتربط التوجهات المعلنة المتعلقة بهذه التكنولوجيا بين القدرة التنافسية والبحث العلمي والاستقلال الوطني. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأهداف المعلنة، والآليات التي دخلت حيز التنفيذ فعلًا، والنتائج القابلة للقياس. فالمعلومات المتاحة لا تسمح باعتبار جميع الطموحات الإيرانية قدرات تشغيلية مؤكدة. وتزداد ضرورة الحذر لأن المعلومات المتعلقة بالبرامج الحساسة والبنى التحتية والأنشطة العسكرية غالبًا ما تكون جزئية، في حين قد تستجيب التصريحات الرسمية لأهداف سياسية داخلية أو لمساعٍ إلى إرسال إشارات استراتيجية.

كما تدعو حرب عام 2026 إلى دراسة القدرة على الصمود التكنولوجي من منظور أوسع. فبعض التحليلات المتعلقة بالقدرات الإيرانية في مجال الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج تصف منظومة تضم مؤسسات بحثية وجامعات وشركات وورشًا متخصصة وشبكات للإمداد. وينبغي التعامل مع هذه التقييمات باعتبارها تحليلات استراتيجية، لا قوائم جرد مستقلة وشاملة. لكنها تسلط الضوء على حقيقة مهمة: لا تختزل القدرة التكنولوجية لدولة في عدد محدود من المنشآت المركزية. فقد تتوزع بعض الخبرات بين مؤسسات وجهات متعددة، مما يجعل تقييم أثر الضغوط الخارجية أمرًا صعبًا إذا اقتصر على المنشآت الأكثر ظهورًا.

ويكتسب هذا التمييز أهمية أيضًا في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد تطور دولة ما تطبيقات بالاعتماد على أدوات موجودة، أو برمجيات مفتوحة المصدر، أو نماذج متاحة، أو قدرات محلية على التكييف. كما أفادت تقارير صحفية نُشرت في عام 2026 باستخدام جهات إيرانية أدوات ذكاء اصطناعي متاحة تجاريًا في أنشطة رقمية وأمنية. وعندما تتعلق هذه المعلومات بعمليات سرية، ينبغي نسبتها إلى مصادرها وعدم تعميمها على المنظومة التكنولوجية الإيرانية بأكملها. ومع ذلك، فإنها توضح اتجاهًا أوسع: إذ يجعل الانتشار الدولي للذكاء الاصطناعي إنشاء احتكار تكنولوجي مستدام من جانب عدد قليل من القوى أمرًا صعبًا.

ويُظهر المسار الإيراني، بالتالي، أن الدولة قد تكون مقيدة تكنولوجيًا من دون أن تكون جامدة. فقد تفقد إمكانية الوصول إلى بعض المنظومات، وتطور بدائل، وتكيّف أدوات قائمة، أو تبحث عن شراكات مختلفة. ولا يعني ذلك أن العقوبات عديمة الأثر، أو أن إيران تمتلك موارد وأداءً يعادلان ما لدى أبرز المراكز العالمية للذكاء الاصطناعي. بل يعني أن القيود قد تغيّر أساليب التنافس التكنولوجي من دون أن تضع حدًا له بالضرورة.

79. الطائرات المسيّرة والصواريخ والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي

لا ينبغي تفسير التقارب بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية على أنه ظهور سلاح واحد قادر على تغيير التوازن الإقليمي فورًا. فالتحول أكثر انتشارًا وتدرجًا، ويشمل جمع البيانات ومراقبة الأنظمة وتحليل المعلومات الاستخباراتية وحماية الشبكات والتخطيط وأتمتة بعض الوظائف. وليست الطائرة المسيّرة التي تستخدم خوارزمية نظامَ أسلحة مستقلًا بالضرورة. وبالمثل، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في منظومة دفاعية لا يعني أن القرارات السياسية أو العسكرية نُقلت إلى آلة. ومن الضروري التمييز بين المساعدة الخوارزمية، وأتمتة وظائف محددة، والاستقلالية في اختيار الهدف أو الاشتباك معه.

ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية لفهم المسارين الإسرائيلي والإيراني. فإسرائيل تمتلك منظومة متطورة على نحو خاص في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني والبحث التطبيقي. أما إيران فقد طورت قدرات في الطائرات المسيّرة والصواريخ والحرب الإلكترونية وبعض الأنشطة السيبرانية، مع تكييف خياراتها التكنولوجية وفق قيود اقتصادية وصناعية مختلفة. كما تُظهر التحليلات الاستراتيجية المتعلقة بالشرق الأوسط أن دولًا متعددة في المنطقة تستثمر في التطبيقات العسكرية والأمنية للذكاء الاصطناعي. ومن ثم، لا يقتصر التنافس على بلدين، بل يندرج ضمن بيئة أوسع تسعى فيها دول الخليج وتركيا وأطراف أخرى إلى تعزيز قدراتها.

وتنتقل التقنيات بين الدول والشركات والجامعات والشبكات العلمية. فقد تُدمج مكونات صُممت في بلد معين في أنظمة ببلدان أخرى، وقد تُكيّف برمجيات مدنية لاستخدامات أمنية، كما يمكن تعديل نماذج متاحة للعامة من جانب مستخدمين لا تربطهم علاقة مؤسسية بمطوريها. ولا يلغي هذا الانتشار المزايا التي توفرها البنى التحتية والمهارات والاستثمارات واسعة النطاق، لكنه يجعل رسم حدود واضحة بين المنظومات التكنولوجية أكثر صعوبة. فقد تحتفظ دولة بتقدم في بعض المجالات، بينما تظل عرضة للمخاطر في مجالات أخرى، لا سيما عندما تعتمد أنظمتها على موردين أو مكونات أو شبكات دولية.

كما ذكّرت أحداث عام 2026 بأن البنى التحتية الرقمية أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي واستمرارية الخدمات الأساسية. فلم تعد مراكز البيانات وشبكات الاتصالات والأنظمة الطاقية وقدرات الحوسبة مجرد وسائل دعم تقنية؛ إذ يمكن أن يؤثر تعطلها في الشركات والخدمات العامة والمعاملات المالية والاتصالات. ففي مارس 2026، تعرضت منشآت لمراكز بيانات تديرها شركة أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات العربية المتحدة والبحرين لأضرار في سياق ضربات بطائرات مسيّرة، ما تسبب في أضرار واضطرابات في الخدمات. وتوضح هذه الحادثة قابلية البنى التحتية الرقمية للتضرر المادي، إذ يعتمد تشغيلها أيضًا على الكهرباء والتبريد والاتصالات وأمن المواقع.

ويمنح هذا التطور التنافس التكنولوجي بُعدًا متناقضًا. فكلما سعت الدول إلى تعزيز استقلاليتها، اضطرت إلى أخذ الشبكات الدولية التي يعتمد عليها تطورها في الحسبان. وكلما رغبت في حماية بنيتها التحتية، ازدادت حاجتها إلى تقييم المخاطر المرتبطة بالموردين والمكونات والشركاء الخارجيين. ولذلك، تظل الاستقلالية التكنولوجية المطلقة هدفًا يصعب تحقيقه. أما المسألة العملية فتتمثل في إدارة الاعتماديات الأساسية، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز القدرة على الصمود، ومنع تحول ثغرة تقنية إلى أداة للضغط الاستراتيجي.

80. التكنولوجيا بوصفها مضاعفًا للقوة

من الأخطاء الشائعة في تحليل القوة التكنولوجية الاعتقاد بأن امتلاك تكنولوجيا متفوقة يؤدي تلقائيًا إلى تحقيق نتائج استراتيجية أفضل. غير أن التاريخ العسكري والسياسي يبين أن التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن غيرها. إذ تعتمد آثارها على جودة المؤسسات، وتدريب الأفراد، والموارد الاقتصادية، والقدرة الصناعية، والعقيدة العسكرية، واللوجستيات، والاستخبارات، والدبلوماسية، والقدرة على تحويل الابتكار إلى نتائج مستدامة. ولن يلغي الذكاء الاصطناعي هذه القاعدة، بل قد يزيد أهميتها، لأن أداء النظام يعتمد على بيئته البشرية والمادية بقدر اعتماده على خصائصه التقنية.

ويوضح البرنامج الوطني الإسرائيلي الذي عُرض في عام 2026 هذا المنطق، من خلال الجمع بين البنى التحتية للحوسبة والتدريب والبحث والأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويتمثل الهدف في تعزيز منظومة قادرة على دعم الابتكار على المدى الطويل. وتسعى إيران، رغم اختلاف مواردها وقيودها، إلى الربط بين البحث والتطوير الوطني والتطبيقات الاستراتيجية. ولا يتطابق المساران، لكنهما يعكسان تحولًا مشتركًا: فالذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا إلى بنية تحتية للقوة، بدل أن يكون مجرد أداة إضافية.

ولا تسعى الدول المستثمرة في هذا المجال إلى تحسين قدراتها العسكرية المباشرة فحسب، بل تعمل أيضًا على تهيئة موقعها الاقتصادي والعلمي للعقود المقبلة. فالدولة القادرة على تدريب المتخصصين، والحصول على بيانات موثوقة، وتطوير البنى التحتية الحاسوبية، وإدماج الذكاء الاصطناعي في شركاتها، تستطيع تحسين خدماتها العامة وأبحاثها الطبية وصناعتها وزراعتها وأنظمتها اللوجستية. وهكذا، يمكن للتقدم في قطاع معين أن يدعم قطاعات أخرى، مولّدًا أثرًا تراكميًا.

لكن هذا التراكم ينطوي على خطر اتساع التفاوتات. فالدول المتأخرة في البنى التحتية الرقمية والتدريب والبحث قد تصبح أكثر اعتمادًا على الموردين الأجانب، وتفقد جزءًا من كفاءاتها، وتتقلص قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة. ومن ثم، ترتبط مسألة الذكاء الاصطناعي بمسألة التنمية. ولن يقتصر التحدي في الشرق الأوسط على تحديد الدول التي ستمتلك الأنظمة الأكثر تقدمًا، بل سيشمل أيضًا معرفة ما إذا كان من الممكن توزيع فوائد التحول التكنولوجي على نطاق واسع بما يكفي لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بدلًا من تعميقها.

81. لماذا لا يضمن التفوق التكنولوجي الاستقرار؟

يمكن للتفوق التكنولوجي أن يعزز قدرة الدولة على الردع، ويحسن استخباراتها، ويوسع وسائل دفاعها. لكنه لا يستطيع أن ينشئ الثقة بمفرده. بل قد يؤدي أحيانًا إلى النتيجة المعاكسة. فكلما طورت دولة قدرات يصعب رصدها، ازدادت تساؤلات خصومها بشأن الاستخدامات المحتملة لها. وكلما سرعت التكنولوجيا معالجة المعلومات، ازداد احتمال تقلص الوقت المتاح للتحقق منها. وكلما أصبحت الأنظمة أكثر تعقيدًا، ازدادت صعوبة فهم المسؤولين لما يعرفه الخصم، وما يسعى إلى تحقيقه، وكيف يفسر أفعالهم هم أنفسهم.

وهكذا، قد تجد معضلة الأمن بين إسرائيل وإيران في الذكاء الاصطناعي مجالًا جديدًا للتجلي. فإذا عززت إسرائيل قدراتها لتحسين أمنها، فقد تفسر إيران هذا التطور على أنه تهديد وتسعى إلى تطوير وسائلها الخاصة. وإذا أحرزت إيران تقدمًا في الأتمتة أو الأمن السيبراني أو التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي، فقد تعتبر إسرائيل هذه التطورات سببًا إضافيًا لتسريع استثماراتها. وبذلك، يمكن لكل طرف أن يتصرف بعقلانية وفقًا لتصوره الخاص للأمن، بينما يسهم في الوقت نفسه في ديناميكية جماعية من انعدام الأمن. ولا ينشئ الذكاء الاصطناعي هذه الآلية من الصفر، لكنه قد يسرّع بعض جوانبها ويجعل تفسير النوايا أكثر صعوبة.

وتصبح القدرة على التنبؤ محور المسألة. فالبيئة الإقليمية المستقرة نسبيًا لا تتطلب امتلاك جميع الدول القدرات نفسها، لكنها تفترض أن تتمكن الأطراف من فهم قدرات الآخرين ونواياهم وحدودهم بدرجة كافية لتجنب أخطر الأخطاء في الحسابات. ويمكن تعزيز هذه القدرة من خلال آليات الاتصال وإجراءات الإخطار والمعايير المشتركة والاتفاقات المتعلقة بمجالات محددة. ولا يتطلب ذلك ثقة كاملة. ففي كثير من العلاقات الدولية، يبدأ الاستقرار عندما يقبل الخصوم تقليص بعض أوجه عدم اليقين، حتى من دون تسوية خلافاتهم الأساسية.

وقد يتخذ المستقبل التكنولوجي للشرق الأوسط مسارين. في المسار الأول، تواصل إسرائيل وإيران ودول الخليج وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى التنافس في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة المستقلة والبنى التحتية الرقمية، من دون آليات مشتركة كافية لمنع الحوادث. وعندئذ، تصبح التكنولوجيا مجالًا إضافيًا للتنافس، يضاف إلى التوترات العسكرية والطاقية والدبلوماسية. أما في المسار الثاني، فتقر الدول نفسها تدريجيًا بأن بعض المخاطر عابرة للحدود إلى درجة يتعذر معها احتواؤها بصورة منفردة، وتبدأ في وضع قواعد مشتركة، ولو محدودة، تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البنى التحتية المدنية والمعلومات المضللة والمسؤولية البشرية في القرارات الحساسة.

ولا يفترض المسار الثاني مصالحة فورية أو اختفاء التنافس، بل يتطلب التمييز بين المجالات التي يمكن أن يستمر فيها التنافس وتلك التي يؤدي غياب القواعد فيها إلى مخاطر مفرطة على الجميع. وقد يشكل هذا التمييز أحد أسس الميثاق الإقليمي الشامل المقترح في هذا الملف. فالبنية الحديثة للعلاقات الإقليمية لن تطلب من إسرائيل وإيران تبني الرؤية السياسية نفسها، بل ستسعى إلى منع تحول كل ابتكار تلقائيًا إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار.

لقد قادنا تاريخ العلاقات الإسرائيلية الإيرانية من مرحلة كان فيها التعاون الاستراتيجي ممكنًا إلى تنافس أصبح عنصرًا بنيويًا في العلاقة بين البلدين. ويضيف الذكاء الاصطناعي تناقضًا جديدًا: فالتكنولوجيا التي تعزز القدرات الفردية قد تضاعف أيضًا مواطن الضعف المشتركة. لذلك، ليس التعاون التكنولوجي بالضرورة هدفًا سياسيًا يتفق عليه جميع الأطراف، لكنه قد يصبح ضرورة استراتيجية في مجالات محددة. ويتناول الفصل التالي كيفية تحويل هذا الاحتمال إلى آليات مؤسسية.

تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مجال للتعاون

82. مدونة سلوك إقليمية بشأن الذكاء الاصطناعي

لا يحتاج الشرق الأوسط إلى انتظار زوال تنافسه حتى يفكر في وضع قواعد مشتركة للذكاء الاصطناعي. بل إن استمرار الخلافات بين الدول بشأن القضايا الأمنية الكبرى هو تحديدًا ما قد يجعل التعاون الأولي ممكنًا في المجالات التي يؤدي فيها غياب القواعد إلى مخاطر مشتركة. ويمكن أن تشكل مدونة سلوك إقليمية بشأن الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق. ولن تكون هذه المدونة معاهدة سلام تكنولوجية، ولا آلية تهدف إلى منع الدول من تطوير قدراتها الخاصة، بل ستسعى إلى تحقيق هدف أكثر تحديدًا: وضع مبادئ دنيا للمسؤولية وحماية البيانات والأمن السيبراني والتحقق من المحتوى المُنتَج اصطناعيًا وحماية البنى التحتية المدنية والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجالات الحساسة.

ويمكن الاستفادة من الأعمال الدولية القائمة من دون الادعاء بأن هذه المبادرة ستحل محلها. ففي عام 2026، واصلت الأمم المتحدة مناقشاتها بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة المستقلة. واجتمعت في جنيف، على وجه الخصوص، خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 4 سبتمبر، مجموعة الخبراء الحكوميين المعنية بالتكنولوجيات الناشئة في مجال أنظمة الأسلحة الفتاكة المستقلة. وتعكس هذه الأعمال الأهمية المتزايدة للقضايا المطروحة، لكنها لا تعني أن اتفاقًا دوليًا شاملًا قد أُبرم بالفعل. لذلك، ينبغي تقديم أي إطار إقليمي محتمل بوصفه مكملًا للصكوك الدولية ومتوافقًا مع الالتزامات القانونية القائمة.

وتتمثل فائدة مدونة إقليمية في ترجمة بعض المبادئ العامة إلى واقع الشرق الأوسط. فالمنطقة تضم لغات رئيسية متعددة، وأنظمة سياسية مختلفة، ومستويات متفاوتة من التطور التكنولوجي، وتصورات متناقضة في كثير من الأحيان للأمن. وقد تواجه قاعدة موحدة مفروضة من الخارج مقاومة. أما إطار يُتفاوض عليه تدريجيًا، فيمكن أن يبدأ بأهداف تتلاقى بشأنها المصالح من دون اشتراط ثقة سياسية كاملة، مثل حماية البيانات الطبية، والتحقق من صحة الاتصالات الرسمية، وتبادل المعلومات بشأن الحوادث التي تؤثر في البنى التحتية المدنية، والتعاون لمكافحة بعض أشكال الجرائم السيبرانية.

وستتوقف مصداقية هذه المدونة على قدرتها على تجاوز إعلان المبادئ. إذ ينبغي التمييز بين الالتزامات الطوعية والواجبات التي قد يتم الاتفاق عليها وآليات المتابعة. ويمكن للدول أن تبدأ بإجراءات الإخطار والتشاور، ثم تطور معايير مشتركة لبعض القطاعات المدنية، وتترك المسائل العسكرية الأكثر حساسية لمفاوضات محددة. ومن شأن هذا التدرج أن يتيح بناء عادات للتعاون من دون اشتراط توافر الثقة مسبقًا.

83. تنظيم استخدام الأسلحة المستقلة

يمثل المجال العسكري الجزء الأصعب من هذا المسعى. فالذكاء الاصطناعي المطبق على أنظمة الأسلحة يمس مباشرة السيادة والردع والتصور الذي تتبناه كل دولة لأمنها. ومع ذلك، فإن هذا المجال هو أيضًا من أكثر المجالات التي قد يؤدي فيها غياب القواعد إلى عواقب جسيمة. ففي أغسطس 2026، جدّد الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعوتهما إلى اعتماد قواعد محددة بشأن أنظمة الأسلحة المستقلة. وأشارا إلى اتساع الفجوة بين القدرات التكنولوجية والأطر التنظيمية، ودعوا إلى التفاوض بشأن صك ملزم قانونًا يتضمن حظرًا وقيودًا واضحة.

ويمكن للشرق الأوسط أن يسهم في هذا المسار من خلال وضع مبادئ إقليمية بالتوازي معه. ومن الضروري الحفاظ على تمييز أساسي: ليست جميع الأنظمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أسلحة مستقلة. فالأداة التي تحلل البيانات لمساعدة مشغّل بشري لا تثير الأسئلة نفسها التي يثيرها نظام قادر على اختيار هدف والاشتباك معه من دون تدخل بشري جديد. وتشمل مناقشات فريق الخبراء الحكوميين التابع لاتفاقية الأسلحة التقليدية بعض المسائل المتعلقة بالتعريفات والرقابة البشرية والمسؤوليات والتدابير التي تنطبق على دورة حياة الأنظمة. ويُظهر اختلاف المواقف الوطنية أن التوافق الدولي لا يزال بحاجة إلى البناء. ولذلك، لا يمكن لمبادرة إقليمية أن تحسم وحدها مسألة تتجاوز حدود المنطقة بكثير.

وينبغي أن يبدأ النهج الواقعي بالمسؤولية. فالأنظمة العسكرية التي تستخدم قدرًا كبيرًا من الاستقلالية يجب أن تخضع لسلاسل قيادة واضحة، وتقييمات قانونية مناسبة، وإجراءات إشراف، وحدود استخدام محددة بوضوح. ويتمثل المبدأ الأساسي في منع أي وضع تختفي فيه المسؤولية البشرية خلف آلية عمل نظام تقني. ولا يعني ذلك مطالبة جميع الدول بالتخلي فورًا عن كل تكنولوجيا متقدمة، بل ضمان ألا تتحول أي تكنولوجيا إلى مجال بلا مسؤولية.

وفي منطقة تشهد أزمات متكررة، يمكن لهذه المعايير أن تقلل أيضًا من أخطاء التفسير. فهي لن تلغي التنافس العسكري، لكنها قد تحسن القدرة على التنبؤ ببعض الممارسات وتسهم في احترام القانون الدولي الإنساني. ولا يتحول الخصم، الذي لا تزال نواياه موضع خلاف، إلى شريك لمجرد معرفة بعض حدوده وإجراءاته. غير أن هذه المعرفة قد تقلل احتمال اتخاذ قرار استنادًا إلى أسوأ الافتراضات الممكنة.

84. التعاون لمكافحة الجرائم السيبرانية

يمكن أن يشكل الأمن السيبراني مجالًا أكثر قابلية للتعاون الإقليمي، لأنه يمس المجتمعات المدنية مباشرة. فقد تكون للهجوم على بنك أو مستشفى أو شبكة اتصالات أو نظام لتوزيع المياه عواقب خطيرة بصرف النظر عن العلاقات السياسية بين الحكومات المعنية. ويستغل المجرمون الرقميون الحدود والاختلافات بين الأنظمة القضائية وثغرات التعاون. وقد يزيد الذكاء الاصطناعي هذه الصعوبات من خلال تسهيل بعض العمليات المؤتمتة وتسريع تحليل البيانات وإتاحة إنتاج محتوى مضلل على نطاق واسع.

ويمكن أن يبدأ التعاون الإقليمي بإنشاء قنوات دائمة تتيح للسلطات المختصة التواصل عند اكتشاف حادث كبير. ومن شأن هذه المنظومة أن تكمل الآليات الوطنية والاتفاقات الثنائية والترتيبات الدولية القائمة. ويمكن أن تتضمن إجراءات للإخطار وتصنيفًا مشتركًا للحوادث وتبادلًا للممارسات الجيدة وتمارين لتعزيز القدرة على الصمود وبروتوكولات تمنع تفسير الحادث المعلوماتي فورًا على أنه هجوم عسكري متعمد.

وسيظل انعدام الثقة عقبة رئيسية. فقد تتردد دولة في نقل معلومات تقنية إلى دولة أخرى خشية استخدامها ضدها. لذلك، ينبغي لأي منظومة موثوقة أن تميز بين البيانات اللازمة للحماية الجماعية والمعلومات التي تندرج ضمن نطاق الاستخبارات الوطنية. ولا يقتضي التعاون الكشف عن القدرات الهجومية أو الأسرار الاستراتيجية، بل يمكن أن يبدأ بتبادل المعلومات بشأن التهديدات التي تؤثر في البنى التحتية المدنية، والثغرات المشتركة، وسبل الحد من الأضرار.

ويمكن بالتالي النظر في إنشاء آلية إقليمية للاستجابة للحوادث الرقمية المدنية. ولن تكون هذه الآلية تحالفًا عسكريًا، ولن يكون من اختصاصها إسناد الهجوم السيبراني تلقائيًا إلى دولة بعينها. وستتمثل مهمتها الأولى في الحد من عواقب الحادث، بصرف النظر عن مصدره المفترض. وفي بيئة قد يكون فيها تحديد مصدر الهجوم معقدًا تقنيًا ومثارًا للخلاف السياسي، ينبغي أن تسبق حماية الخدمات الأساسية الاستنتاجات النهائية بشأن المسؤولية. ويمكن لهذا النهج أن يتيح لإسرائيل وإيران والدول العربية وتركيا مجالًا للتعاون التقني، حتى عندما تظل علاقاتها السياسية صعبة.

85. الحماية المشتركة للبنى التحتية الحيوية

سيصبح التعاون أكثر واقعية إذا امتد إلى البنى التحتية التي تعتمد عليها الحياة اليومية. فشبكات الكهرباء ومياه الشرب والمستشفيات والاتصالات والموانئ والأنظمة المالية وبعض سلاسل الإمداد الغذائي تشكل عناصر من الأمن الوطني، لكنها تمثل أيضًا جزءًا من الأمن الإنساني. وقد يؤثر تعطلها في قطاعات متعددة في الوقت نفسه، ويؤدي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية تتجاوز الإقليم الذي وقع فيه الحادث.

ويمكن لآلية إقليمية أن تحدد حدًا أدنى مشتركًا لتعزيز القدرة على الصمود، يشمل تحديد البنى التحتية الأكثر حساسية، ووضع معايير أساسية للأمن السيبراني، وإجراءات للاتصال أثناء الأزمات، وسبل تقديم المساعدة التقنية عند وقوع حادث كبير. ولن يكون من الضروري إنشاء بنى تحتية مشتركة فورًا. فالتوافق بين الإجراءات وتبادل المعلومات ذات الصلة والقدرة على تقديم مساعدة محددة الأهداف تمثل بالفعل خطوات مفيدة.

وتستدعي مسألة المياه هذا النهج على نحو خاص. فقد أكّد البنك الدولي على مدى سنوات أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يواجهان ضغطًا مائيًا استثنائيًا. وتشير تقديراته إلى أن نحو 60% من موارد المياه السطحية في المنطقة عابرة للحدود، وأن جميع دولها تتشارك في طبقة مياه جوفية واحدة على الأقل. وتوضح هذه البيانات أهمية الإدارة المنسقة للموارد. ولن يقضي الذكاء الاصطناعي على ندرة المياه، لكنه قد يساعد في قياس الاستهلاك، والكشف عن بعض الفواقد، والتنبؤ بالتغيرات، وتحسين إدارة البنى التحتية. وفي عام 2026، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أيضًا حوارًا إقليميًا بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم الزراعية والغذائية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، مع التركيز على البيانات والمهارات والتطبيقات الزراعية الملائمة للمناخ.

ويفتح هذا التقاطع بين المياه والبيانات والذكاء الاصطناعي آفاقًا أمام الميثاق الإقليمي الشامل. إذ يمكن جمع بيانات تُعد استراتيجية في سياق التنافس ومشاركتها لتحقيق أهداف مدنية محددة، وفق قواعد مناسبة للأمن والسرية. ومن الممكن تطوير أنظمة للرصد الهيدرولوجي، وتوقعات للأحوال الجوية، ومنصات للبيانات الزراعية، وآليات للإنذار المناخي، من دون اشتراط اندماج سياسي بين الدول. ويتمثل التحدي في إنشاء منافع عامة إقليمية في مجالات تتشارك فيها الدول بالفعل مواطن الضعف.

86. الذكاء الاصطناعي في خدمة المياه والزراعة والصحة

لعل المجالات المدنية هي التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُظهر فيها بوضوح أكبر قدرته على تحويل التعاون. ففي منطقة تشكل فيها المياه والغذاء والمناخ والصحة قيودًا بنيوية، تمتلك التكنولوجيا القادرة على تحسين التنبؤ وتخصيص الموارد قيمة تتجاوز المجال الاقتصادي بكثير. وفي أبريل 2026، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حوارًا إقليميًا بشأن منظومات البيانات اللازمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في النظم الزراعية والغذائية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وتناولت جلسات لاحقة العقبات التي تحول دون اعتماد هذه التقنيات، والمهارات البشرية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزراعة الذكية مناخيًا.

ويمكن أن يستند التعاون الإقليمي إلى مشروعات تظهر فائدتها بصورة مباشرة، مثل تحسين التنبؤ بالجفاف، وتبادل بيانات الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا، وتطوير أدوات متعددة اللغات للمزارعين، أو إنشاء أنظمة لدعم اتخاذ القرار تتلاءم مع الظروف المحلية. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم رصد الأمراض، وإدارة مخزونات الأدوية، وتنظيم الاستجابة للطوارئ الصحية. ولن تحل هذه المشروعات الخلافات السياسية، لكنها قد تغيّر تدريجيًا تصور فوائد التعاون الإقليمي.

ويمثل قطاع الصحة مجالًا بالغ الأهمية. فالأمراض المعدية لا تحترم الحدود، ويمكن للرصد الصحي أن يستفيد من البيانات الواردة من عدة بلدان، شريطة أن تحمي حوكمتها الخصوصية والحقوق الفردية. ويمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد بعض الاتجاهات الوبائية، وتحسين تخصيص الموارد الطبية، وتسريع التحليل العلمي. لكنه ليس حلًا تلقائيًا؛ إذ تعتمد نتائجه على جودة البيانات والبنى التحتية والمهارات المتاحة والإشراف البشري. وتوضح أعمال منظمة الأغذية والزراعة الإقليمية واقعًا مماثلًا في الزراعة: فالفوائد التكنولوجية تعتمد على وجود بيئة مؤسسية وبشرية ملائمة.

كما يمكن النظر في إنشاء صندوق إقليمي لتمويل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحقق منفعة عامة قابلة للقياس. ويمكن للدول والجامعات والشركات والمنظمات الدولية دعم مشروعات تتعلق بالمياه والزراعة والصحة والطاقة والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ. وإلى جانب التمويل، من شأن هذه الآلية أن تسهم في إنشاء مجتمعات علمية قادرة على العمل معًا رغم الخلافات الحكومية. ولا تلغي شبكات البحث الخصومات السياسية، لكنها تستطيع الحفاظ على علاقات مهنية وعلمية مفيدة عندما يتدهور السياق الدبلوماسي.

87. الذكاء الاصطناعي للوقاية من الكوارث

توفر الوقاية من الكوارث مجالًا آخر للتعاون. فالزلازل والفيضانات والجفاف والحرائق والعواصف الرملية وموجات الحر لا تتقيد بالحدود السياسية. ويمكن للقدرة على التنبؤ ببعض المخاطر، ورسم خرائط المناطق المعرضة للخطر، ونقل معلومات موثوقة بسرعة، أن تقلل العواقب البشرية والاقتصادية للكوارث. وفي هذا المجال، للتعاون قيمة فورية: إذ يمكن للبيانات المتكاملة أن تحسن بعض التوقعات، بينما قد تسهّل أنظمة الإنذار المنسقة حماية السكان.

ويمكن لمنظومة إقليمية أن تجمع معاهد الأرصاد الجوية والجامعات وأجهزة الحماية المدنية ومراكز البحث والسلطات الصحية. وقد تنتج تحليلات مخصصة للوقاية من المخاطر المدنية، وفق قواعد شفافة بشأن البيانات المستخدمة. وينبغي إخضاع أنظمة الإنذار المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتحقق البشري، وإجراءات التصحيح، وآليات تتيح الإبلاغ عن مواطن عدم اليقين. ولن يكون الهدف استبدال المؤسسات الوطنية، بل تزويدها بقدرة جماعية إضافية.

ولهذا المقترح أيضًا دلالة سياسية. فعندما يعمل علماء إسرائيليون وإيرانيون وعرب وأتراك على الوقاية من الكوارث، فإنهم لا يصبحون بالضرورة شركاء في القضايا الأمنية، لكنهم يستطيعون المساهمة في هدف مشترك لا يتحدد حصريًا بمنطق العداء. وهكذا، ينشئ التعاون العلمي نوعًا مختلفًا من الاعتماد المتبادل عن ذلك الذي تفرضه الحرب أو الأسواق؛ إذ يستند إلى إنتاج منفعة عامة.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يربط تدريجيًا بين مختلف مجالات هذه المنظومة. فالبيانات المناخية قد تحسن النماذج الزراعية، والمعلومات الهيدرولوجية قد تسهم في التخطيط للطاقة، والتوقعات الجوية قد تساعد في حماية شبكات الكهرباء. كما يمكن للبيانات الصحية أن تحسن الاستعداد لبعض حالات الطوارئ. وتتمثل فائدة النظام الإقليمي في تمكين هذه المعلومات من التفاعل ضمن أطر آمنة، وفق قواعد محددة بشأن الوصول إليها واستخدامها. وهكذا، يصبح التعاون منظومة متكاملة لتعزيز القدرة على الصمود، بدل أن يكون مجرد سلسلة من المشروعات المنعزلة.

88. نحو مجلس إقليمي للذكاء الاصطناعي

قد تقود هذه المبادرات، على المدى البعيد، إلى إنشاء مؤسسة جديدة: مجلس إقليمي للذكاء الاصطناعي. ولا ينبغي تصميمه بوصفه سلطة فوق وطنية قادرة على فرض قراراتها على الدول. فمثل هذا التصور قد لا يتوافق مع الواقع السياسي للشرق الأوسط وحساسية قضايا السيادة. والأجدى أن يعمل بوصفه آلية حكومية دولية للتنسيق والخبرة والوقاية من المخاطر والحوار العلمي. وستتوقف شرعيته على قدرته على تقديم فائدة حقيقية من دون أن يتحول إلى أداة سياسية تستخدمها مجموعة ضد أخرى.

وينبغي أن يعكس تشكيله هذه المهمة. إذ يمكن للدول المشاركة تعيين ممثلين عن وزارات الخارجية والعلوم والصحة والزراعة والمياه والطاقة والاتصالات والعدل. كما يمكن للجامعات ومراكز البحث والشركات التكنولوجية والمنظمات الدولية أن تسهم في بعض أعماله وفق أوضاع محددة بوضوح. ويتمثل الهدف في الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد من اختصاص وزارة واحدة، ولا حتى دولة واحدة. فهو يمس الأمن والتنمية والحقوق والاقتصاد والمعرفة في آن واحد.

ويمكن للمجلس أن يبدأ بولاية محدودة تشمل وضع معايير إقليمية مرجعية، ونشر تقرير دوري بشأن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتنظيم تمارين لتعزيز الصمود الرقمي، وتشجيع التعاون العلمي، ودعم المشروعات المدنية المشتركة، وتيسير الحوار عند وقوع حوادث تكنولوجية كبرى. كما يمكنه استضافة مرصد يدرس آثار الذكاء الاصطناعي على المجتمعات وأسواق العمل ووسائل الإعلام والأمن وحقوق الإنسان. ولن تدّعي مؤسسة كهذه السيطرة على التطور الكامل للذكاء الاصطناعي، بل ستسعى إلى تحسين قدرة الدول على فهم عواقبه والحد من المخاطر الجماعية.

وستكون المشاركة عاملًا حاسمًا. فإذا اقتصر المجلس على الدول الموقعة على ميثاق مكة، فقد يعيد إنتاج منطق التكتلات الذي يسعى هذا الملف إلى تجاوزه. لذلك، ينبغي أن تكون مهمته مفتوحة تدريجيًا أمام جميع دول المنطقة التي تقبل مبادئه. وقد لا تكون إسرائيل وإيران مستعدتين للمشاركة فورًا في الآليات نفسها، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنع تصميم مؤسسة يمكن أن تنضما إليها لاحقًا. كما يمكن للدول المشاركة في بعض المسارات من دون الانضمام إلى جميع الآليات، شريطة ألا تؤدي هذه المرونة إلى إفراغ الالتزامات من مضمونها.

ويمكن أن تصبح هذه المؤسسة إحدى أدوات الميثاق الإقليمي الشامل. فالمشروع المطروح في هذا الملف لا يقوم على فكرة أن مؤتمرًا واحدًا كفيل بحل عقود من الصراعات، بل يستند إلى تصور مختلف: قد يبدأ السلام المستدام بإنشاء مصالح مشتركة تدريجيًا، تجعل التعاون أكثر عقلانية من المواجهة في مجالات محددة. ويمكن للمياه والطاقة والبنى التحتية الحيوية والصحة والمناخ والذكاء الاصطناعي أن توفر نقاط ارتكاز متعددة لهذا التحول.

ولذلك، لن يكون المجلس الإقليمي للذكاء الاصطناعي مجرد هيكل إداري جديد، بل سيجسد اعترافًا مؤسسيًا بحقيقة استراتيجية مفادها أن بعض التهديدات والفرص تتجاوز قدرة كل دولة على التحرك منفردة. ويمكن للحكومات أن تواصل الدفاع عن مصالحها الوطنية، والحفاظ على تحالفاتها، والتمسك بعقائدها الأمنية، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن بعض المشكلات تستدعي قواعد مشتركة. وفي هذه المساحة الوسطى بين السيادة والاعتماد المتبادل، يمكن أن ينشأ تصور جديد للأمن الإقليمي.

ويُظهر تاريخ العلاقات بين إسرائيل وإيران كيف يمكن للمواجهة أن تتحول إلى منظومة مستدامة. أما الذكاء الاصطناعي، فيتيح تصور احتمال مختلف: إذ يمكن لتكنولوجيا مشتركة أن تكون نقطة انطلاق لبنية للتعاون، من دون أن يؤدي ذلك إلى اختفاء الخصومات. ويمكنها أن تنشئ مجالات تصبح فيها مصلحة كل دولة أكثر ارتباطًا بقدرة الجميع على منع الأضرار الجماعية. ويقود هذا المنظور إلى الجزء السابع، المخصص للجوهر الاستشرافي لهذا الملف: الميثاق الإقليمي الشامل.

الميثاق الإقليمي العالمي

لماذا نحتاج إلى ميثاق جديد؟

89. لم تعد التحالفات العسكرية كافية

يُظهر التاريخ الحديث للشرق الأوسط أن القوة العسكرية لا تزال ضرورة أساسية للدول التي تسعى إلى حماية أراضيها وسكانها وسيادتها. لكنه يكشف أيضًا عن حدود التصور الأمني القائم بصورة شبه حصرية على الردع أو الرد العسكري أو الدعم الذي توفره قوة خارجية. فالتحالفات والشراكات الدفاعية والضمانات الأمنية قادرة على الحد من بعض مواطن الضعف، وبناء قدرات مشتركة، وتغيير حسابات الخصم. غير أنها لا تجيب بصورة كاملة عن سؤال أعمق: كيف يمكن بناء بيئة إقليمية تصبح فيها الأزمات أقل تكرارًا، وأقل قابلية للتنبؤ، وأقل عرضة للتحول إلى مواجهات واسعة النطاق؟ قد يوفّر التحالف الحماية لأعضائه من دون أن يسهم في إنشاء نظام إقليمي مشترك. بل إنه قد يؤدي، بحسب نطاقه والطريقة التي تنظر بها الدول غير المشاركة إليه، إلى ترسيخ خطوط فصل جديدة. لذلك، لا تكمن المشكلة في وجود التحالفات بحد ذاتها، وإنما في غياب بنية إقليمية واسعة بما يكفي لربط الشواغل الأمنية لمختلف المجموعات الإقليمية ضمن إطار مشترك.

يشكّل اتفاق الدفاع الذي أُبرم في أغسطس 2026 بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تطورًا مهمًا في هذا السياق. وتنص الآلية، التي أُطلق عليها اسم ميثاق مكة، على وجه الخصوص، على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف أحد الموقّعين هجومًا يستهدف الدول الثلاث. وقد تناولت المناقشات العسكرية والسياسية التي أعقبت الاتفاق مسائل التنسيق وطرائق التعاون. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين توقيع الاتفاق، وإجراءات التصديق الوطنية، ودخوله حيز التنفيذ الفعلي. ويعكس هذا التطور إرادة لتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين بعض الدول، لكنه لا يشكّل، بمفرده، نظامًا إقليميًا متكاملًا. كما يترك عدة أسئلة مفتوحة: كيف يمكن التعامل مع التنافسات التي تتقاطع داخل التحالفات؟ وما المكانة التي ينبغي منحها للدول غير المشاركة فيها؟ وكيف يمكن تجنّب أن يؤدي تعدد ترتيبات الحماية إلى نشوء بنيات أمنية متنافسة، تسعى كل واحدة منها إلى حماية نفسها من الأخرى؟

في هذا السياق تحديدًا تكتسب فكرة الميثاق الإقليمي العالمي المقترح في هذا الملف معناها. فالمقصود ليس معاهدة قائمة بالفعل، ولا مبادرة ترمي إلى استبدال اتفاقيات الدفاع المبرمة سابقًا. بل هو اقتراح لبنية سياسية ومؤسسية يستند إلى فكرة بسيطة: لم يعد بالإمكان تصور الأمن الإقليمي باعتباره مجرد مجموع منظومات الأمن الوطني. بل ينبغي أن يشمل أيضًا الظروف التي تمكّن الدول من الشعور بقدر كافٍ من الحماية يسمح لها بقبول الحوار، والشفافية التدريجية، والتعاون الاقتصادي، والإدارة المشتركة للمخاطر، والحد، في نهاية المطاف، من بعض أشكال المواجهة. ومن ثم، سيكون الميثاق مكمّلًا للتحالفات، بدلًا من أن يكون بالضرورة منافسًا لها. وسيعمل على إنشاء فضاء تستطيع فيه دول تنتمي إلى منظومات دفاعية مختلفة أن تتقاسم مجموعة من القواعد الدنيا للتعايش.

ولا يقتصر هذا التفكير على الإطار النظري. ففي يونيو 2026، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى بحث إمكانية إنشاء بنية أمنية جديدة للخليج، تقوم على احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف. ولا تمثّل هذه الدعوة النموذج المؤسسي المحدد في هذا الملف، لكنها تعكس انشغالًا أوسع بكيفية تنظيم الأمن الإقليمي. ويتمثل التحدي الآن في تحويل هذه الرؤية إلى آليات عملية تتوافق مع المصالح الوطنية، وتظل منفتحة بما يكفي لاستيعاب دول لا تتشارك التحالفات نفسها.

90. الردع من دون حوار

لا يزال الردع مفهومًا أساسيًا في العلاقات الدولية. فهو يقوم على فكرة مفادها أن الدولة تستطيع منع الهجوم عليها بإقناع خصمها بأن تكلفة ذلك الهجوم ستتجاوز المكاسب المتوقعة منه. وفي ظروف معينة، يسهم هذا المنطق في منع المواجهة المباشرة. لكنه ينطوي على نقطة ضعف بنيوية: إذ يكون أكثر فاعلية عندما تكون نيات الأطراف وقدراتها وخطوطها الحمراء مفهومة نسبيًا. أما عندما تكون المعلومات ناقصة، وتتحرك جهات مسلحة بصورة غير مباشرة، وتتطور العقائد العسكرية بسرعة، وتُسرّع التكنولوجيا وتيرة اتخاذ القرارات، يصبح الردع أقل قابلية للتنبؤ. وعندئذ، قد تتحول القوة التي يُفترض أن تمنع الحرب إلى عامل يغذي دوامة من التصعيد، بحيث يُفسَّر كل إجراء دفاعي باعتباره استعدادًا للهجوم.

ويجسّد الشرق الأوسط هذه المعضلة بصورة خاصة. فالدول لا تواجه خصومًا مباشرين فحسب، بل تتحرك ضمن شبكة من العلاقات تتداخل فيها النزاعات المحلية، والجماعات المسلحة، والتنافسات الإقليمية، والقوى الخارجية، والبنى التحتية للطاقة، والطرق التجارية، والتكنولوجيات الرقمية. وقد تنتج عن أزمة في منطقة معينة تداعيات سريعة في مناطق أخرى. وفي يونيو 2026، شدد الأمين العام للأمم المتحدة على الآثار الأوسع للتصعيد الإقليمي في الأسواق، والطرق التجارية، وأسعار الطاقة والأسمدة، فضلًا عن الأمن الغذائي. لذلك، لا تقتصر المشكلة على معرفة ما إذا كانت الدولة تمتلك قدرة كافية على الرد. بل تتعلق أيضًا بمدى امتلاك النظام الإقليمي آليات تحول دون أن يؤدي سوء فهم، أو هجوم محدود، أو أزمة محلية، إلى سلسلة من ردود الفعل تتجاوز النيات الأصلية للأطراف المعنية.

وهنا تحديدًا يبرز دور الحوار. فلا ينبغي الخلط بينه وبين الثقة، فضلًا عن الصداقة بين الحكومات. فقد تحتفظ دولتان بخلافات عميقة، ومع ذلك تكون لهما مصلحة مشتركة في وجود قنوات تتيح توضيح النيات، والإعلان عن بعض التدابير، ومنع وقوع الحوادث، أو البحث عن مخرج عندما تبدأ أزمة ما. ولا يلغي الحوار الردع، بل يمكنه الحد من أوجه الغموض التي تحيط به. فوجود قناة اتصال مباشرة لا يمنع النزاع بالضرورة، لكنه قد يساعد على التمييز بين قرار سياسي وحادث عرضي، وبين وضعية دفاعية واستعداد هجومي، وبين تصريح علني ونيّة فعلية للتصعيد. وفي بيئة تتسارع فيها وتيرة التطور التكنولوجي بينما يتقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرار، تصبح القدرة على توضيح النيات شكلًا من أشكال الأمن بحد ذاتها.

لذلك، ينبغي أن ينطلق الميثاق الإقليمي العالمي من استنتاج أقل استعراضًا، لكنه أكثر تطلبًا، من فكرة إنشاء تحالف جديد: لا يمكن لأي بنية مستدامة أن تقوم حصريًا على الخوف الذي يثيره كل طرف لدى الأطراف الأخرى. بل ينبغي لها أيضًا أن تنشئ آليات لإدارة الحالات التي يفشل فيها الردع، أو يصبح ملتبسًا، أو يؤدي تحديدًا إلى السلوك الذي كان يسعى إلى منعه. وهكذا، لن يقتصر الأمن على القدرة على الرد على الهجوم، بل سيشمل أيضًا القدرة على الحد جماعيًا من احتمال وصول الأزمة إلى مرحلة يبدو فيها الرد العسكري حتميًا.

91. من الأمن الوطني إلى الأمن الجماعي

إن الانتقال من الأمن الوطني إلى الأمن الجماعي لا يعني مطالبة الدول بالتخلي عن سيادتها. فمثل هذا التفسير سيجعل المشروع غير واقعي سياسيًا منذ بدايته. والمبدأ المقترح مختلف: تحتفظ كل دولة بالمسؤولية الأساسية عن دفاعها، مع إقرارها بأن بعض التهديدات لا يمكن لحكومة واحدة التعامل معها بفاعلية. فالبنى التحتية للطاقة مترابطة، والموارد المائية تعبر الحدود، والطرق البحرية تصل بين اقتصادات متعددة، والشبكات الرقمية تتجاوز الحدود السياسية. كما تؤثر الظواهر المناخية في أقاليم عدة في الوقت نفسه، في حين يمكن أن تنتشر الأزمات الغذائية عبر الأسعار وسلاسل الإمداد. ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذا الترابط، إذ يمكن لتطبيقاته أن تؤثر في الأمن والاقتصاد والمعلومات والصحة والبنى التحتية الحيوية بصورة متزامنة.

لذلك، ينبغي فهم الأمن الجماعي باعتباره قدرة على الوقاية من فئات معينة من المخاطر، أكثر من كونه التزامًا بالقتال المشترك. ويتيح هذا التمييز تصور تعاون بين دول لا تتشارك الأيديولوجيا نفسها، ولا التحالفات نفسها، ولا التصورات نفسها بشأن خصومها. فقد تحتفظ بعض الدول بعلاقات عسكرية وثيقة مع واشنطن، وأخرى مع بكين أو موسكو، بينما تسعى دول أخرى إلى الحفاظ على استقلالية استراتيجية أكثر وضوحًا. ولا يوجد، من حيث المبدأ، ما يمنع هذه الدول نفسها من التعاون في حماية شبكات الكهرباء، والأمن البحري، وإدارة الكوارث، والوقاية من الحوادث السيبرانية، وإدارة الموارد المائية، ومكافحة بعض أشكال الجريمة العابرة للحدود الوطنية.

وتوجد بالفعل مرتكزات لهذا المنطق داخل المؤسسات الإقليمية والدولية. فالأمم المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية تمتلك آليات للتشاور والتعاون، في حين طورت عدة دول ترتيبات ثنائية أو قطاعية. غير أن هذه الهياكل لم تتحول بعد إلى بنية إقليمية متماسكة وشاملة للجميع. ولا تتمثل مهمة الميثاق الإقليمي العالمي في إلغاء هذه المؤسسات، بل في البحث عن سبل التكامل بينها، وتجنب الازدواجية غير الضرورية، وتطوير آليات قادرة على العمل بعيدًا عن الانتماءات السياسية أو العسكرية.

وينبغي أيضًا تقبّل احتمال ألا تنضم جميع الدول إلى هذه العملية في الوقت نفسه. فنادرًا ما تُبنى المنظومات الإقليمية في مرحلة واحدة. فقد تتبع مجموعة أولى من الدول المتعاونة آليات قطاعية، وتدابير لبناء الثقة، واتفاقيات تقنية، ثم مؤسسات دائمة في مرحلة لاحقة. لذلك، يمكن للميثاق أن يعمل وفق مبدأ الانضمام التدريجي. فقد تبدأ بعض الدول بالتعاون في مجال الأمن البحري، وأخرى في المياه أو الطاقة، بينما تبدأ دول غيرها بالتعاون في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. وعندئذ، لن يكون الأمن الجماعي مجرد إعلان نظري، بل مجموعة من علاقات الاعتماد المتبادل التي يجري تنظيمها تدريجيًا.

92. الانتقال من توازن الخوف إلى توازن المصالح

يصف توازن الخوف واقعًا قديمًا في العلاقات الدولية: فعندما لا تثق الدول بعضها ببعض، تسعى إلى جعل تكلفة العدوان مرتفعة بما يكفي لردع الخصم. غير أن لهذا التوازن حدًا جوهريًا، إذ يمكنه منع بعض السلوكيات من دون تغيير المصالح التي أفرزت التنافس أصلًا. فقد تستمر دولتان في النظر إلى بعضهما باعتبارهما تهديدًا، مع تجنبهما الحرب مؤقتًا. وتظل الاستقرار الذي يتحقق في هذه الحالة هشًا، لأنه يعتمد على استمرار الحسابات التي يقوم عليها الردع. وبمجرد تغير القدرات، أو وصول قائد جديد إلى السلطة، أو ظهور تكنولوجيا تغيّر ميزان القوى، أو اندلاع أزمة تبدل التصورات، يصبح هذا التوازن عرضة للاهتزاز.

أما توازن المصالح فيقوم على منطق مختلف. فهو لا يطلب من الخصوم التخلي فورًا عن خلافاتهم، بل يسعى إلى إيجاد قدر كافٍ من المصالح المشتركة يجعل التعاون، تدريجيًا، أكثر عقلانية من التصعيد في مجالات معينة. وتُعد المياه مثالًا واضحًا على ذلك، وكذلك الطاقة، والطرق البحرية، والبنى التحتية الرقمية، والأمن الغذائي، والوقاية من الكوارث، والبحث العلمي. وكلما أصبحت تكاليف انقطاع التعاون مشتركة وملموسة، ازدادت إمكانية أن يتوقف الاستقرار عن كونه نتاجًا للخوف وحده، ليصبح أيضًا نتيجة لمصالح متبادلة تعترف بها الأطراف المعنية.

وبناءً على ذلك، لن يطلب الميثاق الإقليمي العالمي من إسرائيل وإيران والدول العربية وتركيا وسائر القوى الإقليمية تسوية خلافاتها التاريخية فورًا. فمثل هذا الطموح يتجاهل عمق الذاكرة التاريخية والعقائد والمصالح المتعارضة القائمة. والأجدى هو إنشاء بنية يمكن من خلالها تسوية بعض المسائل العملية قبل معالجة القضايا السياسية الكبرى. إذ تستطيع دول أن تبدأ التعاون في مجال المياه من دون تسوية خلافاتها الإقليمية، وأن تضع إجراءات للإخطار بالحوادث البحرية من دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، وأن تتبادل بعض البيانات العلمية المتعلقة بالكوارث الطبيعية من دون أن تكون قد أقامت علاقة ثقة كاملة. وهكذا، يمكن أن يصبح التعاون أداة لبناء الثقة، بدلًا من أن يكون مجرد نتيجة لها.

وينسجم هذا النهج مع مبادئ التسوية السلمية للنزاعات والتعاون الإقليمي التي يكرسها ميثاق الأمم المتحدة. ففي يونيو 2026، دعا الأمين العام أطراف الشرق الأوسط إلى إعطاء الأولوية للحوار والمفاوضات، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة إنشاء بنية أمنية أوسع نطاقًا للخليج. ولا يسعى الميثاق المقترح إلى ابتكار فلسفة جديدة بقدر ما يسعى إلى تطبيق هذه المبادئ بصورة أكثر انتظامًا في بيئة أصبحت شديدة الترابط إلى درجة لم يعد معها ممكنًا تنظيمها حول المواجهة وحدها.

ويصبح السؤال المحوري عندئذ متعلقًا بالبناء المؤسسي. فإذا كان توازن الخوف قادرًا على الوقاية من بعض سيناريوهات العدوان، فإن توازن المصالح ينبغي أن يجعل السلام أكثر فائدة تدريجيًا من المواجهة. وهذا يتطلب التزامات سياسية، لكنه يستلزم أيضًا إجراءات للتشاور، وآليات للوقاية، ومساحات للتعاون العلمي، واتفاقيات اقتصادية، ومعايير تكنولوجية. فلم يعد من الممكن اختزال أمن القرن الحادي والعشرين في الدفاع عن الحدود المادية؛ إذ قد تتمكن دولة من حماية أراضيها، بينما تظل معرضة لاضطراب في الطاقة أو المياه أو الشبكات الرقمية أو التمويل أو المناخ، يتجاوز نطاقها الوطني بكثير.

وعليه، لن يكون الميثاق الإقليمي العالمي معاهدة سحرية، بل منهجًا لجعل الخصومات أقل تحكمًا في العلاقات الإقليمية بصورة تدريجية. وسيتمثل طموحه الأول في تمكين دول لا تثق بعضها ببعض بعد من التعايش. أما طموحه الثاني، فيكمن في تحويل بعض علاقات الاعتماد المتبادل المفروضة إلى علاقات منظمة. ويتمثل طموحه الثالث في إنشاء آليات قادرة على إدارة الأزمات قبل تحولها إلى حروب. أما طموحه الرابع، فيقوم على الاعتراف بأن السيادة لا تعني القدرة على اتخاذ القرارات بصورة منفردة فحسب، بل تعني أيضًا معرفة متى وكيف ينبغي التعاون عندما تتجاوز المخاطر قدرات دولة واحدة على مواجهتها.

ولذلك، لا ينبغي فهم الركائز التسع التالية باعتبارها فصولًا في معاهدة عسكرية جديدة، بل بوصفها مكونات لبنية تدريجية تتوقف فيها معالجة الأمن والاقتصاد والمياه والطاقة والتكنولوجيا والمناخ والحوكمة الإقليمية باعتبارها ملفات منفصلة تمامًا. وهو رهان كبير يتمثل في نقل الشرق الأوسط من نظام يسعى فيه كل طرف، قبل كل شيء، إلى حماية نفسه من قوة الآخر، إلى نظام تعترف فيه دول متعددة بأن أمنها الخاص يعتمد أيضًا على استقرار من كانت تعتبرهم، حتى وقت قريب، خصومًا لها.

الركائز التسع للميثاق الإقليمي العالمي

لن يكون الميثاق الإقليمي العالمي ذا مصداقية إذا اقتصر على إعلان ضرورة السلام. فالشرق الأوسط يزخر بالفعل بالبيانات والمؤتمرات والمبادرات الدبلوماسية وهياكل التعاون. وما ينقصه بدرجة أكبر ليس مفردات السلام، بل الربط الدائم بين مختلف أبعاد الأمن. فقد تتحول أزمة عسكرية إلى أزمة في الطاقة، ويؤثر اضطراب الطاقة في الإمدادات الغذائية، وتفاقم أزمة المياه التوترات الاجتماعية، وتؤدي هجمة سيبرانية إلى تعطيل بنى تحتية أساسية، وتتسبب كارثة مناخية في نزوح السكان وزيادة الضغوط على دول تعاني أصلًا من الهشاشة. وفي عام 2026، شددت الأمم المتحدة على التداعيات الدولية للأزمات الإقليمية على الأسواق والطرق التجارية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك، ينبغي تصميم الميثاق باعتباره بنية تتعاضد فيها أبعاد الأمن المختلفة ويعزز بعضها بعضًا.

ويندرج هذا التصور ضمن نقاش مؤسسي قائم بالفعل على المستوى الدولي. ففي يونيو 2026، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى بحث إنشاء بنية أمنية للخليج تقوم على السيادة والسلامة الإقليمية وعدم التدخل وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف. وينطلق الميثاق الإقليمي العالمي المقترح هنا من الإشكالية نفسها، من دون الادعاء بأنه يكرر نموذجًا خارجيًا. فهو لن يكون تحالفًا عسكريًا جديدًا، ولا منظمة فوق وطنية تفرض على الدول سياسة موحدة. بل سيكون إطارًا للتعاون التدريجي، قادرًا على إشراك دول تحتفظ بتحالفاتها وعقائدها ومصالحها الخاصة، مع قبولها إخضاع بعض فئات المخاطر لآليات مشتركة.

93. ميثاق عدم الاعتداء

تتمثل الركيزة الأولى في التزام بعدم استخدام القوة ضد المشاركين الآخرين، وعدم استخدام أراضي أي دولة لتدبير عدوان على عضو آخر أو تسهيله. ولا يعني هذا الالتزام التخلي عن حق الدفاع المشروع الذي يعترف به القانون الدولي. بل يرسخ قاعدة إقليمية تقضي بإخضاع النزاعات، قدر الإمكان، للتشاور والوساطة والآليات الدبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة باعتبارها الأداة المفضلة. ومع ذلك، فإن مصداقية هذا الالتزام لن تتوقف على صياغة إعلان فحسب، بل ستعتمد على إنشاء إجراءات قادرة على العمل بسرعة عقب وقوع أي حادث. وينبغي أن يصاحب الالتزام السياسي نظام للإخطار، والتشاور العاجل، وخطوط الاتصال المباشر، وآليات لتقصي الحقائق، وإمكانات للوساطة. ولن يكون الهدف تحديد المسؤولية القانونية أو السياسية عن حادث ما بصورة فورية، بل منع استبدال الغموض بالشكوك فورًا، والحيلولة دون أن تؤدي هذه الشكوك إلى التصعيد.

وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في منطقة قد تتداخل فيها عدة أزمات في الوقت نفسه. فقد يُفسَّر حادث بحري، أو هجوم على بنية تحتية، أو عملية سرية، أو واقعة تُنسب إلى جهة من غير الدول، بسرعة على أنه تعبير عن سياسة وطنية. لذلك، ينبغي للميثاق أن ينشئ قدرة مؤسسية تمكّن الحكومات من التواصل قبل أن تصبح قراراتها أسيرة منطق الرد الانتقامي. وبذلك، لن يكون عدم الاعتداء مجرد وعد بعدم شن هجوم، بل آلية تهدف إلى الحد من احتمال وصول الدول إلى مرحلة يبدو فيها الهجوم الخيار الوحيد الممكن للرد.

94. الأمن الجماعي

توسّع الركيزة الثانية مفهوم الدفاع. فالأمن الجماعي لا يعني أن على جميع الدول التدخل عسكريًا بصورة تلقائية عندما يتعرض أحد الأعضاء للهجوم. إذ إن مثل هذا التصور سيعيد إنتاج منطق التحالفات التقليدية ويقلّص إمكان المشاركة الأوسع. بل يعني أن بعض التهديدات تُعترف بها باعتبارها ذات طابع إقليمي، وأنها تستدعي استجابة منسقة، ولا سيما في المجالات التي يمكن للتعاون المدني والمؤسسي فيها أن يمنع تفاقم الأزمة.

وتوفر البنى التحتية الحيوية مثالًا عمليًا على ذلك. فشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والمستشفيات والاتصالات والموانئ والأنظمة المالية وشبكات المياه قد تكون لها أهمية تتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها. وقد يؤدي تعطيلها إلى التأثير في مجتمعات متعددة في الوقت نفسه. ويمكن للميثاق أن ينظم آليات مشتركة للإنذار المبكر، وتعزيز القدرة على الصمود، وتقديم المساعدة التقنية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. ويمكن تطبيق المنطق نفسه على الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية ونزوح السكان واضطرابات الإمدادات الغذائية. وبذلك، لن يُفعّل الأمن الإقليمي فقط عندما تتعرض الحدود لتهديد مباشر، بل يمكن تفعيله أيضًا عندما تصبح الظروف المادية للاستقرار الجماعي مهددة.

95. الأمن النووي والاستراتيجي

من المرجح أن تكون الركيزة الثالثة الأكثر حساسية، لأنها تمس مباشرة تصورات الدول بشأن أمنها الوجودي. وينبغي ألا تقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل أن تشمل الأمن الاستراتيجي الإقليمي بصورة أوسع، بما في ذلك عدم الانتشار، والأمان النووي والأمن المادي للمنشآت النووية، والشفافية، والوقاية من الحوادث، والأنظمة الصاروخية، وغيرها من القدرات التي قد تؤثر في الحسابات الأمنية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأوضاع القانونية والعقائد والقدرات لدى الدول المختلفة، وتجنب إنشاء آلية إقليمية تدّعي استبدال الصكوك الدولية القائمة.

يوفر الإطار الدولي أساسًا قائمًا بالفعل. فقد انتهى مؤتمر استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2026، الذي انعقد في الفترة من 27 أبريل إلى 22 مايو، من دون اعتماد وثيقة ختامية توافقية. ويبرز هذا الإخفاق صعوبة التوصل إلى اتفاقات بشأن عدم الانتشار، والضمانات، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وآفاق إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. كما يعزز أهمية دراسة آليات إقليمية مكملة، من دون تقديمها باعتبارها بدائل للالتزامات الدولية.

ويمكن أن يتركز التعاون، في مرحلته الأولى، على سلامة المنشآت، وإجراءات الطوارئ، والإخطار بالحوادث، والتبادل العلمي الملائم. وبعد ذلك، يمكن بحث ترتيبات أكثر طموحًا بشأن الشفافية الاستراتيجية عندما تسمح الظروف السياسية بذلك. وهذا التدرج ضروري؛ إذ قد يكون الحد من المخاطر أكثر قابلية للتحقيق سياسيًا من تسوية جميع القضايا الاستراتيجية فورًا. ومن شأن إنشاء آلية تساعد الدول على فهم تداعيات الحوادث بصورة أفضل، والتواصل بسرعة، وتجنب الأخطاء في الحسابات، أن يمثل تقدمًا ملموسًا، حتى إذا استمرت الخلافات الأساسية.

96. الأمن البحري

تتناول الركيزة الرابعة المساحات البحرية التي تربط الشرق الأوسط ببقية العالم. ويُعد مضيق هرمز المثال الأوضح، لكن ينبغي النظر إليه ضمن منظومة تشمل خليج عُمان والبحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب والطرق التجارية الرئيسية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط. وقد ذكّرت أزمات عام 2026 بأن أمن هذه المساحات ليس مسألة عسكرية إقليمية فحسب، بل يتعلق أيضًا بالتجارة والطاقة والغذاء والنقل والاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي يونيو، شددت عدة دول خليجية أمام الأمم المتحدة على أهمية مضيق هرمز للازدهار الإقليمي والاقتصاد العالمي، داعية إلى الحفاظ على هذا الممر البحري وفقًا للقانون الدولي.

ويمكن للميثاق أن ينشئ آلية إقليمية للأمن البحري تضم الدول المشاطئة، والدول المستخدمة لهذه الممرات، والمنظمات الدولية المختصة. وقد تشمل مهامها تبادل المعلومات، والوقاية من الحوادث، وحماية البنى التحتية للموانئ، وتنسيق الاستجابة الإنسانية. ولن يُنظر إلى الأمن البحري بعد ذلك باعتباره مجرد امتداد للتنافس العسكري، بل باعتباره مسألة تؤثر في الوقت نفسه في التجارة والطاقة والغذاء والتنقل البشري والاستقرار الاقتصادي. ومن شأن هذا التصور أن يتيح إشراك دول تدريجيًا لا تتشارك التحالفات نفسها، لكنها تتقاسم مصلحة في الحفاظ على حرية الملاحة واستمرارية التبادل التجاري، مع احترام القانون الدولي.

97. أمن الطاقة

تنطلق الركيزة الخامسة من حقيقة أساسية مفادها أن الطاقة مصدر للقوة والإيرادات والنفوذ، كما أنها مصدر للهشاشة. فقد منحت المحروقات الشرق الأوسط مكانة استثنائية في الاقتصاد العالمي، لكن هذه المركزية تعرّض المنطقة وشركاءها أيضًا للمخاطر عندما تتعطل تدفقات الإمداد. وقد ذكّرت التوترات الإقليمية في عام 2026 بالآثار المحتملة للأزمات على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسمدة والغذاء والنشاط الاقتصادي العالمي. ولذلك، لم يعد من الممكن فصل أمن الطاقة عن الأمن البحري والاقتصادي والغذائي.

ويمكن للميثاق تحويل مواطن الهشاشة هذه إلى علاقات اعتماد متبادل منظمة، من خلال آليات للتشاور في شؤون الطاقة، وقدرات طوارئ منسقة، وتنويع مصادر الإمداد ومساراته، وتطوير شبكات الكهرباء، والتعاون في مجالي التخزين والطاقة المتجددة. ويمكن للمنطقة أن تجمع بين المحروقات والطاقة الشمسية والطاقة النووية المدنية والهيدروجين وشبكات الكهرباء، من دون اعتبار هذه الموارد متعارضة بالضرورة. وكلما امتلكت الاقتصادات مصادر متنوعة ومسارات متعددة للإمداد، قل احتمال تحول انقطاع مؤقت إلى أزمة منهجية واسعة. وهكذا، يصبح أمن الطاقة سياسة إقليمية لتعزيز القدرة على الصمود، بدلًا من أن يظل مجرد سياسة للإنتاج.

98. الأمن المائي والمناخي

توضح الركيزة السادسة لماذا لا يمكن لبنية إقليمية أن تظل عسكرية حصرًا. فالمياه لا تعترف بالحدود السياسية. وتؤدي الأحواض المائية العابرة للحدود، والمياه الجوفية المشتركة، والجفاف، والفيضانات، والتصحر، ودرجات الحرارة القصوى، إلى إنشاء علاقات اعتماد متبادل لا تستطيع حتى أقوى الدول إلغاءها. وتشير دراسات البنك الدولي إلى حجم الضغوط المائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإلى أهمية الإدارة التعاونية للموارد المشتركة. وتقع المياه عند تقاطع الصحة والغذاء والطاقة والاقتصاد والمناخ والاستقرار الاجتماعي.

ولذلك، يمكن للشرق الأوسط أن يجعل المياه أحد المجالات الأولى التي تقبل فيها دول ذات خلافات سياسية عميقة بناء تعاون مستدام. وقد تشكل تحلية المياه، وإعادة استخدام المياه العادمة، ورفع كفاءة الزراعة، ومراقبة طبقات المياه الجوفية، وتبادل البيانات الجوية، والوقاية من الفيضانات، والتكيف مع الجفاف، جدول أعمال إقليميًا متكاملًا. كما يوفر مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر عقده في ديسمبر 2026، والذي تنظمه الإمارات العربية المتحدة والسنغال بصورة مشتركة، إطارًا دوليًا لدفع المناقشات بشأن الموارد المائية والتزامات التعاون. ولن تتمكن مبادرة إقليمية من القضاء على الجفاف أو ارتفاع درجات الحرارة، لكنها تستطيع خفض التكلفة الجماعية لإدارتهما، وتحويل هشاشة مشتركة إلى مجال للتعاون الاستراتيجي.

99. التعاون الاقتصادي

تتمثل الركيزة السابعة في التعاون الاقتصادي. ولا يتعلق الأمر بإنشاء منطقة تجارة حرة تشمل الشرق الأوسط بأكمله على الفور، بل ببناء مصالح مشتركة بصورة تدريجية، على نحو يجعل الاستقرار مجديًا اقتصاديًا. ويمكن أن تشكل الممرات التجارية، والبنى التحتية للموانئ والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، وسلاسل الإمداد الغذائي، والاستثمارات العابرة للحدود، والتكنولوجيا المالية، وسلاسل القيمة الإقليمية، الأدوات الأولى لهذا التحول.

وقد ذكّرت تجربة عام 2026 بأن أزمة إقليمية يمكن أن تؤثر بسرعة في اقتصادات تقع على مسافة بعيدة من مركزها. وأظهرت الاضطرابات التي طالت الطاقة والتجارة والنقل وسلاسل الإمداد مدى الترابط الوثيق بين مواطن الهشاشة الاقتصادية. وفي هذا السياق، لن يكون التكامل الاقتصادي هدفًا للنمو فحسب، بل سيصبح أيضًا أداة لتعزيز القدرة على الصمود. فكلما زادت المصالح التجارية والصناعية ومصالح البنية التحتية المشتركة بين الاقتصادات الإقليمية، أصبحت عواقب القطيعة جماعية بدرجة أكبر، واكتسب الحفاظ على الاستقرار قيمة مادية أكثر وضوحًا.

ومع ذلك، ينبغي لهذا النهج أن يراعي التفاوتات الاقتصادية، والفوارق في القدرات المؤسسية، ومخاطر الاعتماد المفرط. ويتطلب التعاون ذو المصداقية قواعد للشفافية، وآليات لتسوية النزاعات، وضمانات ملائمة للاستثمارات، واهتمامًا خاصًا بالآثار الاجتماعية للمشروعات. ولن يكون الهدف استبدال علاقات الاعتماد الخارجي بعلاقات اعتماد إقليمية جديدة، بل تنويع الفرص الاقتصادية وضمان ألا تقتصر منافع التكامل على مجموعة محدودة من الأطراف.

100. التعاون العلمي والتكنولوجي

تتعلق الركيزة الثامنة بالمعرفة. ففي منطقة يمكن أن تتحول فيها الفجوات التكنولوجية إلى مصادر للقوة، يتيح التعاون العلمي مجالًا مختلفًا عن مجال المفاوضات العسكرية. ويمكن إطلاق برامج مشتركة في الطب والمياه والزراعة والمناخ والطاقة الشمسية والتخزين والأمن السيبراني الدفاعي والأرصاد الجوية والصحة العامة وإدارة الكوارث والذكاء الاصطناعي، بمشاركة الجامعات ومراكز البحوث والشركات، شريطة الالتزام بقواعد صارمة بشأن البيانات والاستخدامات الحساسة.

غير أن التحدي يتجاوز مجرد إنتاج المعرفة العلمية. فلا يمكن لبنية إقليمية أن تكون مستدامة إذا ظلت حكرًا على الأجهزة الدبلوماسية والأمنية. بل ينبغي لها أن تحقق منافع ملموسة في الحياة اليومية، مثل تحسين إدارة المياه، وتعزيز قدرة الزراعة على الصمود، وتطوير الرعاية الصحية، ورفع كفاءة أنظمة الإنذار، وزيادة متانة البنى التحتية للطاقة، وتوسيع فرص البحث أمام الأجيال الشابة. ويمكن للمجتمعات أن تحتفظ بخلافات سياسية عميقة، بينما تتبادل البيانات المناخية والبرامج العلمية والمشروعات الطبية. ولن تقضي المعرفة على الخصومات، لكنها ستتيح إنشاء مساحات لا تتحدد فيها العلاقات بين الشعوب بالكامل وفقًا لخلافاتها السياسية.

ومع ذلك، ينبغي أن يستند التعاون إلى قواعد واضحة بشأن الملكية الفكرية، والتمويل، وحماية البيانات، ومنع النقل غير المصرح به للتكنولوجيات الحساسة. كما يمكن تعزيزه من خلال آليات للتنقل العلمي، والمنح الدراسية، وبرامج التدريب، والشراكات الجامعية. وسيكون الهدف تطوير قدرات إقليمية مستدامة، بدلًا من حصر التعاون في مشروعات مؤقتة تعتمد على تمويل محدود المدة.

101. الحوكمة الإقليمية للذكاء الاصطناعي

تُخصَّص الركيزة التاسعة للذكاء الاصطناعي لأنه أصبح يتداخل مع جميع الركائز السابقة. فهو يؤثر في الأمن والاقتصاد والمعلومات والبحث العلمي والزراعة والصحة والأمن السيبراني والبنى التحتية الحيوية. ولذلك، لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره قطاعًا تكنولوجيًا معزولًا. ويمكن للمجلس الإقليمي للذكاء الاصطناعي المقترح في الفصل السابق أن يشكل إحدى الهيئات الدائمة الأولى للميثاق، على أن تتمثل مهمته في التنسيق، لا في ممارسة سلطة فوق وطنية. ويمكن للمجلس العمل على وضع معايير دنيا للأنظمة عالية المخاطر، وحماية البيانات، وتأمين البنى التحتية الرقمية، وتعزيز التعاون العلمي، والوقاية من الاستخدامات الخبيثة، وضمان بقاء الرقابة البشرية المناسبة على القرارات الأكثر حساسية.

وتُظهر المناقشات الدولية التي جرت في عام 2026 بشأن أنظمة الأسلحة المستقلة وضرورة الحفاظ على المسؤولية البشرية أن هذه القضايا تتجاوز مجال الابتكار، لتطال القانون والأمن الدولي والمسؤولية السياسية. ولذلك، ينبغي لأي إطار إقليمي أن يكمّل الصكوك الدولية القائمة، لا أن يدّعي الحلول محلها. كما ينبغي له التمييز بين الاستخدامات المدنية والتجارية والعسكرية، إذ تختلف متطلبات الشفافية والمخاطر المرتبطة بكل منها.

ولا ينبغي فهم الركائز التسع باعتبارها تسعة ملفات مستقلة، بل بوصفها أبعادًا مختلفة لنظام واحد. يسعى ميثاق عدم الاعتداء إلى الحد من اللجوء إلى القوة؛ وينظم الأمن الجماعي الاستجابة للمخاطر المشتركة؛ ويهدف الأمن النووي والاستراتيجي إلى تقليص مخاطر المواجهة الكبرى؛ ويحمي الأمن البحري طرق التجارة؛ ويعزز أمن الطاقة والمياه القدرة المادية على الصمود؛ وينشئ التعاون الاقتصادي مصالح مشتركة؛ ويوفر العلم مساحات للتقارب؛ أما الذكاء الاصطناعي، فيفتح مجالًا جديدًا للحوكمة تنتشر آثاره في جميع المجالات الأخرى.

ولن يكون الميثاق الإقليمي العالمي مبتكرًا حقًا إلا إذا استطاع جمع هذه الأبعاد ضمن بنية متماسكة، من دون الادعاء بإلغاء الاختلافات بين الدول. فهو لن يطلب منها التخلي عن تحالفاتها أو عقائدها أو مصالحها الوطنية. بل سيسعى إلى إنشاء فضاء يتجاوز خلافاتها، تستطيع فيه الأطراف اعتبار بعض المخاطر مشتركة بما يكفي لتبرير آليات للوقاية والإدارة الجماعية. ولن يُقاس نجاحه بالاختفاء الفوري للتنافسات، بل بقدرة المنطقة على منع تحول أزمة في مجال معين تلقائيًا إلى أزمة عامة.

غير أن هذا الطموح لا يمكنه تجاوز إحدى أكثر القضايا محورية في السياسة المعاصرة للشرق الأوسط. فالقضية الفلسطينية ليست مسألة هامشية بالنسبة إلى بنية الأمن الإقليمي، بل تمثل بُعدًا تاريخيًا وسياسيًا وإنسانيًا أساسيًا فيها. وأي مبادرة تدّعي بناء نظام مستدام من دون مراعاة حقوق السكان المعنيين وتطلعاتهم الوطنية ومتطلبات أمنهم ستظل ناقصة بصورة جوهرية. لذلك، ينبغي للقسم التالي أن يبحث الشروط التي يمكن في ظلها لبنية إقليمية أن تضم إسرائيل والدول العربية وإيران وسائر الأطراف، من دون تهميش القضية الفلسطينية أو اختزال تطلعات الشعوب إلى مجرد متغيرات في عملية التفاوض.

ولا يتمثل طموح الميثاق الإقليمي العالمي في الوعد بتحقيق سلام فوري، بل في تنظيم الظروف التي تجعل التعايش أكثر قابلية للتنبؤ، والتعاون أكثر فائدة، والمواجهة أقل عرضة للامتداد إلى النظام الإقليمي بأكمله، وذلك بصورة تدريجية. وفي هذه القدرة على ربط المصالح الوطنية بالاستقرار الجماعي يكمن جوهر الرهان الذي يقوم عليه الميثاق.

إسرائيل وفلسطين ومسألة العدالة الإقليمية

لا يمكن لمنظومة إقليمية أن تتجاوز القضية الفلسطينية

102. فلسطين في معادلة الأمن الإقليمي

لا يمكن لأي منظومة أمنية مستدامة في الشرق الأوسط أن تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الاستقرار الإقليمي. يُظهر التاريخ المعاصر أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يؤثر في العلاقات بين إسرائيل وجيرانها، ومواقف الدول العربية، والتحالفات الدولية، والتصورات المرتبطة بالعدالة والأمن. ولا تعني هذه العلاقة المتبادلة أن جميع أزمات الشرق الأوسط يمكن اختزالها في هذا الصراع. فالتنافس بين إيران وخصومها، وتباين مصالح الملكيات الخليجية، وطموحات تركيا، واستراتيجيات القوى الخارجية، لكل منها دينامياته الخاصة. لكنها تعني، بالأحرى، أن أي مشروع يسعى إلى تنظيم الأمن الإقليمي بصورة مستدامة لا يمكنه تجاهل التداعيات السياسية والإنسانية للقضية الفلسطينية.

في 22 سبتمبر 2026، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مجددًا أن حل الدولتين، القائم على الخطوط السابقة ليونيو 1967 وعلى القانون الدولي، يمثل المسار المرجعي نحو سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كما شدد على ضرورة الحفاظ على السلامة السياسية والاقتصادية والإقليمية لقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، في ظل حكومة فلسطينية شرعية وذات سيادة. وبعد بضعة أيام، أشار تقرير مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط إلى أن استئناف النشاط وإعادة إعمار غزة لا يمكن فصلهما عن عملية سياسية أوسع نطاقًا. وتؤكد هذه المواقف أن التهدئة المؤقتة للأعمال العدائية لا تكفي لحسم قضايا السيادة والحوكمة والحقوق الوطنية.

وعليه، فإن الصعوبة ذات طابع مؤسسي ودبلوماسي في آن واحد. فإذا كان الميثاق الإقليمي الشامل سيجمع تدريجيًا إسرائيل والدول العربية وإيران وأطرافًا أخرى، فكيف يمكنه أن يدعي امتلاك شرعية مستدامة إذا ظل المستقبل السياسي للفلسطينيين غير محدد؟ وفي المقابل، لا يمكن لأي تسوية أن تتجاهل بصورة دائمة المخاوف الأمنية للإسرائيليين، ولا سيما حماية السكان المدنيين ومنع وقوع هجمات جديدة. وينبغي لأي منظومة جادة أن تسعى إلى التوفيق بين هذه المتطلبات، من دون الخلط بين أسسها أو جعل أحدها شرطًا لإنكار الآخر. ويجب النظر إلى أمن إسرائيل وتقرير الفلسطينيين لمصيرهم باعتبارهما بُعدين لا غنى عنهما لأي تسوية سياسية مستدامة، لا هدفين متعارضين بالضرورة.

103. الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية

ينبغي أن تنطلق عملية البحث عن تسوية من حقيقة أساسية مفادها أن الإسرائيليين والفلسطينيين يمتلكون تجارب تاريخية وذاكرات جماعية وأولويات سياسية مختلفة، لكنهم يرتبطون بحيز جغرافي واحد وبصراع تتجاوز تداعياته حدودهما. وتعتبر إسرائيل أمن سكانها والاعتراف بوجودها من الثوابت الوطنية. أما الفلسطينيون، فيطالبون بحقهم في تقرير المصير والسيادة والاعتراف الفعلي بحقوقهم الوطنية والسياسية. ولا يمكن بناء منظومة إقليمية على محو أحد هذين البُعدين. بل ينبغي أن تسعى إلى إقامة إطار لا تتحول فيه الضمانات الأمنية إلى وسيلة لإدامة غياب الحقوق السياسية إلى أجل غير مسمى، ولا تنفصل فيه المطالبة بالحقوق الفلسطينية عن ترتيبات قادرة على حماية السكان على جانبي الصراع.

يشكل القانون الدولي مرجعًا أساسيًا، وإن لم يكن كافيًا وحده لحل النزاع. ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت الالتزامات المرتبطة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما أعاد قرار مجلس الأمن رقم 2334، المعتمد في ديسمبر 2016، التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية، وتشكل عقبة رئيسية أمام حل الدولتين. ولا تُغني هذه المرجعيات عن ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية، لكنها تمنع التعامل مع قضايا الأرض والاحتلال والحقوق الوطنية بوصفها مجرد متغيرات يمكن أن تجعلها موازين القوى أمرًا اختياريًا.

وتتمثل المهمة المؤسسية في تحويل المبادئ القانونية إلى ضمانات قابلة للتطبيق. ويمكن النظر في إنشاء آليات دولية وإقليمية لمواكبة الاتفاقات التي يتم التفاوض بشأنها، ومراقبة تنفيذها، وتيسير التعاون الحدودي، وحماية المدنيين، ومنع الحوادث التي قد تؤدي إلى تصعيد جديد. وينبغي تحديد ولايات هذه الآليات بدقة، بما يتوافق مع القانون الدولي وقرارات المؤسسات المختصة. ولن تتوقف مصداقية أي تسوية على عدد الضمانات المعلنة بقدر ما ستتوقف على قدرة الأطراف والجهات المكلفة بدعمها على احترام تلك الضمانات بمرور الوقت.

وتجسد إعادة إعمار غزة هذه الضرورة بصورة خاصة. ففي تقريرها الصادر في 24 سبتمبر 2026، أكدت الأمم المتحدة أن غزة يجب أن تظل جزءًا لا يتجزأ من دولة فلسطينية مستقبلية، وأن يعاد توحيدها سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا مع الضفة الغربية. كما يشير التقرير إلى أن ترتيبات المرحلة الانتقالية والتمويل لم تتحول بعد إلى عملية تعافٍ بالحجم المطلوب. لذلك، لا يمكن النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مجرد عملية هندسة مدنية. فهي تتطلب مؤسسات قادرة على الحكم، وخدمات عامة فعالة، ووصولًا إنسانيًا مستدامًا، وأفقًا سياسيًا موثوقًا. ومن دون هذه الشروط، ستظل البنية التحتية المعاد بناؤها معرضة لخطر التدمير مجددًا.

104. المسارات الدبلوماسية المختلفة

لا يزال حل الدولتين الإطار الذي تدعمه الأمم المتحدة، لكن هذا التوافق المبدئي لا يحسم الشروط اللازمة لتنفيذه. فما تزال قضايا الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين وحوكمة غزة والأمن والاعتراف المتبادل والجدوى الاقتصادية لدولة فلسطينية مستقبلية موضع خلاف بين الأطراف المعنية. وقد ربط إعلان نيويورك لعام 2025 بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية بين أفق إقامة دولتين وضمانات الأمن وإعادة توحيد غزة والضفة الغربية والتعاون الاقتصادي واستكشاف منظومة إقليمية شاملة. كما أشار، على وجه الخصوص، إلى تجارب رابطة دول جنوب شرق آسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بوصفها نماذج مرجعية محتملة، مع مراعاة التعديلات اللازمة لتناسب السياق الإقليمي.

وتُناقش في الأوساط السياسية والأكاديمية صيغ أخرى، من بينها إقامة كونفدرالية إسرائيلية فلسطينية، أو إنشاء مؤسسات مشتركة تقتصر على مجالات محددة، أو اعتماد ترتيبات للتعاون بين كيانات سياسية منفصلة. ولا تتمتع هذه المقترحات بالمستوى نفسه من الاعتراف الدولي، كما لا تتوافر لها الظروف ذاتها من حيث قابلية التنفيذ. وتكمن أهميتها التحليلية، أساسًا، في الأسئلة التي تتيح طرحها: كيف يمكن التوفيق بين السيادة وحرية التنقل؟ وكيف يمكن ضمان حقوق السكان؟ وكيف يمكن تنظيم تقاسم بعض الموارد وإدارة البنية التحتية؟ وكيف يمكن معالجة قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات من دون خلق أشكال جديدة من عدم المساواة المؤسسية؟

ولا يهدف الميثاق الإقليمي الشامل إلى اختيار الشكل النهائي للتسوية السياسية نيابة عن الإسرائيليين والفلسطينيين. بل ينبغي أن يسهم في تحديد الظروف التي يمكن أن تندرج فيها تسوية تفاوضية ضمن بيئة إقليمية أكثر استقرارًا. وينبغي لأي صيغة أن تحمي السكان المدنيين، وتتيح الممارسة الفعلية للحقوق السياسية الفلسطينية، وتستجيب للمخاوف الأمنية الإسرائيلية، وتحافظ على استقرار الدول المجاورة، وتستند إلى ضمانات موثوقة. كما يجب أن تكون قابلة للاستمرار اقتصاديًا. فالحل الإقليمي الذي يفتقر إلى الأمن سيظل هشًا، والحل الأمني الذي يترك الحقوق السياسية بلا معالجة بصورة دائمة سيظل هشًا بالقدر نفسه.

105. دور القانون الدولي

في منطقة تتسم بتضارب الروايات التاريخية، يوفر القانون الدولي لغة مشتركة تسمح بالتمييز بين الالتزامات القانونية القائمة، والتعهدات السياسية، والمطالب التي لا تزال بحاجة إلى التفاوض. وتشكل ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات وآراء المحاكم المختصة، والقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن، مرجعيات متكاملة. وقد أوضح الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024 عددًا من المسائل المتعلقة بالاحتلال والحق في تقرير المصير. ويظل قرار مجلس الأمن رقم 2334، من جهته، مرجعًا مهمًا فيما يتعلق بالمستوطنات وآفاق التسوية القائمة على دولتين.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الاستناد إلى مرجعية قانونية، مهما بلغت أهميتها، يكفي لتحقيق السلام. فالمبادئ تحتاج إلى إجراءات تنفيذية، وآليات للتشاور، ووسائل لتسوية النزاعات بالطرق السلمية. ويمكن لمنظومة إقليمية أن تيسر التواصل بين الأطراف، وتدعم مراقبة الالتزامات المتفق عليها، وتشجع على اللجوء إلى المؤسسات الدولية المختصة. وينبغي لها أن تتجنب الحلول محل المحاكم القائمة أو إنشاء إجراءات موازية قد تكون سلطتها موضع نزاع.

وتكمن قوة القانون تحديدًا في قدرته على الحد من التعسف وجعل الالتزامات أكثر قابلية للتوقع. ولكي تؤدي هذه الوظيفة بصورة موثوقة، لا يجوز الاستناد إلى القواعد القانونية فقط عندما تخدم مصالح طرف معين. لذلك، ينبغي للميثاق أن يضع احترام ميثاق الأمم المتحدة، وحماية المدنيين، والتسوية السلمية للنزاعات، وتقرير المصير في صميم نهجه، مع إتاحة المجال للأطراف للتفاوض بشأن الترتيبات العملية لتنفيذ الاتفاقات. فالاستقرار لن يتحقق بمجرد إعلان المبادئ، بل من خلال إدماجها تدريجيًا في السلوكيات والمؤسسات.

106. حل الدولتين والكونفدرالية والمنظومات البديلة الممكنة

يقوم حل الدولتين على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، تعيش في سلام وأمن إلى جانب إسرائيل. وفي سبتمبر 2026، أكد أنطونيو غوتيريش مجددًا أن هذا الحل ينبغي أن يستند إلى الخطوط السابقة لعام 1967، مع اعتبار القدس عاصمة للدولتين. ومع ذلك، لا يزال التنفيذ يواجه عقبات إقليمية ومؤسسية وأمنية كبيرة. فالاستمرارية الجغرافية للأرض الفلسطينية، وحوكمة غزة، ووضع القدس، والمستوطنات، وقدرة الدولة المستقبلية على ممارسة صلاحياتها فعليًا، كلها قضايا جوهرية وليست مجرد تفاصيل تقنية.

وتستكشف المقترحات الكونفدرالية احتمالًا آخر، يتمثل في احتفاظ كيانين سياسيين منفصلين بسيادتهما، مع تقاسم بعض المؤسسات والآليات الاقتصادية وترتيبات التنقل وأشكال التعاون. وقد تأخذ صيغة كهذه في الاعتبار التشابك الجغرافي للسكان والبنية التحتية، لكنها ستطرح صعوبات كبيرة. إذ ينبغي تنظيم توزيع الصلاحيات، والمساواة السياسية، ومراقبة الحدود، والأمن، واللاجئين، والموارد الطبيعية، ووضع القدس، بدرجة كافية من الدقة لتجنب تحول المؤسسات المشتركة إلى أداة للهيمنة.

ولا ينبغي تقديم أي من هذه الخيارات بوصفه حلًا قابلًا للتطبيق الفوري. فإمكانية تنفيذه تعتمد على القرارات السياسية والظروف الأمنية وإرادة السكان المعنيين. ويتمثل دور الميثاق في تهيئة بيئة إقليمية تسمح باستمرار المفاوضات من دون أن تقطعها التصعيدات بصورة متكررة، مع الحفاظ على حق الأطراف في تحديد مستقبلها. وبالتالي، فإن المسألة الحاسمة لا تتعلق فقط بالتسمية التي ستُمنح للمنظومة المختارة، بل بقدرتها على التوفيق بين السيادة والأمن والحقوق والشرعية الديمقراطية والجدوى الاقتصادية.

107. لماذا يتطلب السلام أكثر من مجرد وقف إطلاق النار؟

يمكن لوقف إطلاق النار أن يوقف القتال من دون أن يغير الظروف السياسية التي أدت إلى المواجهة. ويوضح وضع غزة في عام 2026 الفرق بين تعليق الأعمال العدائية والحوكمة والتعافي الاقتصادي والتسوية المستدامة. ويشير تقرير الأمم المتحدة الصادر في 24 سبتمبر إلى أن ترتيبات المرحلة الانتقالية لا تزال غير مكتملة، وأن التعافي ما زال أقل بكثير من الاحتياجات. كما يؤكد أن إعادة الإعمار والعملية السياسية مترابطتان، وأن أيًا منهما لا يمكن أن ينجح بصورة مستدامة بمعزل عن الآخر.

وينبغي للسلام المستدام أن يجمع بين عدة أبعاد. يتعلق البعد الأول بحماية السكان ومنع العودة إلى الأعمال العدائية. أما الثاني، فيتعلق بتسوية سياسية تسمح للإسرائيليين والفلسطينيين بتحديد مستقبلهم ضمن إطار معترف به. ويخص الثالث المؤسسات القادرة على إدارة الأراضي وتوفير الخدمات العامة والخضوع للمساءلة. أما البعد الرابع فهو اقتصادي، إذ ينبغي أن يتيح إعادة الإعمار واستئناف المبادلات وتطوير مصادر العيش. ويتعلق البعد الخامس بالمستوى الإقليمي، إذ لا يمكن عزل أي تسوية بصورة دائمة عن العلاقات الأمنية والتبادلات الاقتصادية والتنافسات التي تعصف بالشرق الأوسط.

وكان إعلان نيويورك لعام 2025 قد أقام بالفعل رابطًا واضحًا بين حل القضية الفلسطينية، والضمانات الأمنية للطرفين، والتكامل الاقتصادي، واستكشاف منظومة أمن إقليمية. ويقترح الميثاق الإقليمي الشامل إدراج هذا المنطق ضمن إطار أوسع، تُعالج فيه الخلافات السياسية بالتوازي مع قضايا التعاون والقدرة على الصمود. ولا يعني ذلك أن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيؤدي إلى اختفاء التنافس بين إيران وإسرائيل ودول الخليج وتركيا والقوى الأخرى. بل يعني أن تسوية عادلة وموثوقة يمكن أن تقلل أحد المصادر الرئيسية للتوتر، وأن تسهل بناء آليات إقليمية للثقة.

ومن ثم، لا يقتصر السلام على الغياب المؤقت لإطلاق النار. بل يتطلب مؤسسات تتمتع بشرعية كافية لمنع التصعيد، وضمانات موثوقة بما يكفي لحماية السكان، وظروفًا سياسية تسمح للمجتمعات بالعيش من دون أن يعتمد أمن أحدها على استمرار انعدام الأمن لدى الآخر. وهكذا ترتبط القضية الفلسطينية بالأطروحة المركزية لهذا الملف: يمكن للخصم أن يظل منافسًا سياسيًا من دون أن تتحول عداوته إلى المبدأ المنظم لمنظومة إقليمية بأكملها.

لكن حتى منظومة سياسية وأمنية أكثر صلابة ستظل تواجه قيودًا لا تستطيع المعاهدات إلغاءها، مثل ندرة المياه، والتغير المناخي، والاحتياجات الطاقية، وتدهور التربة، والأمن الغذائي. وقد تتطور هذه العوامل بوتيرة أبطأ أحيانًا من الأزمات العسكرية، لكنها قادرة على تحديد ظروف حياة الأجيال القادمة. وهذه هي مواطن الضعف المادية التي يتناولها الجزء التاسع.

المياه والمناخ والطاقة: تحديات القرن

الشرق الأوسط في مواجهة قيوده المادية

108. الإجهاد المائي

يدخل الشرق الأوسط القرن الحادي والعشرين وهو يواجه مفارقة استراتيجية: إذ تمتلك عدة دول فيه موارد مالية وطاقية وتكنولوجية هائلة، في حين تظل المياه العذبة موردًا شديد الندرة والقيود. ويشير تقرير الأمم المتحدة بشأن أهداف التنمية المستدامة، المنشور في عام 2026، إلى أن مستوى الإجهاد المائي يتجاوز 75% في شمال أفريقيا وغرب آسيا. وعلى الصعيد العالمي، تمثل الزراعة نحو 72% من إجمالي عمليات سحب المياه العذبة. غير أن هذه المتوسطات تخفي تفاوتات كبيرة بين البلدان وداخل أراضيها. فالهشاشة المائية لا تعتمد على توافر الموارد فحسب، بل تتأثر أيضًا بكفاءة الشبكات، وحجم الفاقد، والممارسات الزراعية، والتوسع الحضري، وجودة الحوكمة، والقدرة على إعادة استخدام المياه المتاحة.

ولا تؤدي ندرة المياه بالضرورة إلى نشوب نزاع. لكنها تتحول إلى عامل توتر عندما تعجز المؤسسات عن تنظيم عمليات السحب، وحماية المياه الجوفية، وتبادل البيانات، والتفاوض بشأن استخدام الموارد المشتركة. وتمتلك المنطقة بالفعل خبرات مهمة في تحلية المياه، والري، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وإدارة الموارد المائية. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، أنتجت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 12 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في عام 2024، وهو حجم يُتوقع أن يرتفع بدرجة كبيرة بحلول عام 2035، بفضل تقنيات التناضح العكسي التي تعمل أساسًا بالكهرباء. ويفتح هذا التطور آفاقًا جديدة، لكنه لا يلغي تكاليف الطاقة ولا القيود البيئية المرتبطة بالتحلية.

ويتمثل التحدي، بالتالي، في الجمع بين الابتكار التكنولوجي وإمكانية الوصول الاقتصادي والإدارة المستدامة. ويمكن للميثاق الإقليمي الشامل دعم آلية دائمة مخصصة للأحواض المائية المشتركة، تعتمد بيانات قابلة للمقارنة، وأنظمة إنذار، وبرامج بحثية، وإجراءات للتشاور بين الدول المتشاطئة. وسيكون التعاون مفيدًا على نحو خاص في منع سوء الفهم المرتبط بالسدود، وعمليات سحب المياه، وجودتها، أو حالات الجفاف. ولن يكون الهدف إخضاع الموارد المائية لسلطة فوق وطنية، بل ضمان ألا تعتمد إدارتها حصرًا على موازين قوى سياسية متغيرة. ويمكن للمورد النادر أن يتحول إلى مجال للتعاون عندما تتوافر للدول بيانات موثوقة وقواعد قابلة للتوقع وآليات حوار مستمرة.

109. التصحر

لا يقتصر التصحر على التقدم الآلي للصحارى نحو الأراضي الزراعية. بل يشير إلى عمليات تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، نتيجة التأثير المشترك للعوامل المناخية والأنشطة البشرية. ويمكن أن يؤدي فقدان الغطاء النباتي، وتعرية التربة، والاستغلال المفرط للموارد المائية، وبعض الممارسات الزراعية، وتزايد حالات الجفاف، إلى تقليص قدرة الأراضي تدريجيًا على دعم الأنشطة الاقتصادية. وفي منطقة تتسم أصلًا بدرجة عالية من الجفاف، قد تكون لهذه الظواهر آثار غير متناسبة على سبل العيش وأسعار الغذاء واستقرار المجتمعات الريفية.

وتنتقل الآثار البيئية إلى الاقتصاد والمجتمع. فقد يؤدي انخفاض المحاصيل إلى زيادة الاعتماد على الواردات، ويمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى تفاقم الصعوبات التي تواجه الأسر، فيما قد يؤدي تراجع الدخل الريفي إلى تسريع الهجرة الداخلية. وعندئذ، يتعين على المدن التي تستقبل سكانًا جددًا تلبية احتياجات إضافية من المياه والسكن والطاقة والخدمات العامة. وهذه العلاقات ليست حتمية ولا تتخذ الشكل نفسه في جميع البلدان، لكنها توضح كيف يمكن للهشاشة البيئية أن تضخم نقاط الضعف المؤسسية القائمة.

ويمكن أن تصبح مكافحة التصحر مجالًا محوريًا للتعاون الإقليمي. فاستعادة التربة، وحماية النظم البيئية، والزراعة المتكيفة مع الجفاف، والمراقبة بالأقمار الصناعية، والإدارة الذكية للري، كلها مجالات يمكن أن تفيد فيها المعارف المتولدة في بلد معين بلدانًا أخرى. ويمكن لسياسة إقليمية أن تجمع بين البحث العلمي والتمويل والتدريب وتبادل البيانات، بهدف تحويل استعادة الأراضي إلى استراتيجية للأمن الغذائي والتنمية. ولن يقتصر الأمر على حماية البيئة، بل سيشمل أيضًا الحفاظ على سبل العيش والحد من الضغوط التي قد تغذي الأزمات الاجتماعية.

110. الاحترار العالمي

يضيف التغير المناخي بُعدًا زمنيًا إلى هذه الهشاشات. فبينما قد تندلع أزمة عسكرية خلال ساعات، غالبًا ما تتراكم الآثار المناخية على مدى عقود. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة، وموجات الحر، وتغير أنماط هطول الأمطار، والجفاف الممتد، والأمطار الغزيرة، وارتفاع مستوى سطح البحر، إلى تغيير الظروف التي يتعين على المدن وشبكات الطاقة والأنظمة الصحية والاقتصادات الزراعية العمل في ظلها. ولا تتوزع هذه الآثار بالتساوي في أنحاء المنطقة، لكنها تتفاعل مع ندرة المياه والتوسع الحضري والطلب على الطاقة.

وينبغي للميثاق الإقليمي الشامل أن يدمج المناخ ضمن قضايا القدرة على الصمود والأمن على المدى الطويل. فالبنية التحتية التي تُبنى اليوم يجب أن تظل قادرة على العمل في ظروف مناخية قد تختلف بصورة ملحوظة عن الظروف السائدة عند تصميمها. وستحتاج المدن إلى تكييف شبكات المياه والكهرباء والنقل والخدمات الصحية. كما ستواجه النظم الزراعية قدرًا أكبر من عدم اليقين، بينما سيزيد الطلب على التبريد الضغط على شبكات الكهرباء. ومن شأن التعاون الإقليمي أن يتيح تبادل الرصد الجوي والنماذج المناخية وأساليب التكيف والمعارف اللازمة لتخطيط البنية التحتية.

وتتعلق المسألة أيضًا بالأجيال القادمة. فالمنظومة التي تقتصر على منع الأزمات العسكرية المقبلة ستكون غير مكتملة إذا تركت للأجيال التالية أنظمة مائية وطاقية وغذائية تزداد هشاشة بمرور الوقت. لذلك، ينبغي للميثاق أن يربط بين احتياجات الحاضر والتحولات طويلة الأجل، من خلال إدراج آفاق 2040 و2050 وما بعدهما في التخطيط الإقليمي. ولا يعني هذا النهج الادعاء بالقدرة على التنبؤ الدقيق بالأزمات المستقبلية، بل يتمثل في تقليص مواطن الضعف منذ الآن، قبل أن تصبح تداعياتها أشد صعوبة وأكثر كلفة في المعالجة.

111. الأمن الغذائي

يقع الأمن الغذائي عند تقاطع المياه والطاقة والمناخ والتجارة والاستقرار السياسي. وتعتمد عدة دول في الشرق الأوسط بدرجة كبيرة على واردات الغذاء، في حين تعاني محدودية الموارد المائية وصعوبة الظروف الزراعية. لذلك، لا يتوقف أمنها على الإنتاج المحلي فحسب، بل يعتمد أيضًا على عمل الموانئ، واستمرار الطرق التجارية، وإمكانية الحصول على الأسمدة، وتكلفة الوقود، واستقرار الأسواق الدولية. ويمكن لأي اضطراب في أحد هذه المجالات أن ينعكس سريعًا على تكاليف الإنتاج وأسعار المواد الغذائية.

وقد ذكّرت الأزمة الإقليمية لعام 2026 بالعواقب العالمية لهذه العلاقات المتبادلة. إذ ساهمت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز في زيادة حالة عدم اليقين بشأن تدفقات الطاقة والتجارة، في حين أدت التوترات المتعلقة بالأسمدة والوقود والنقل إلى زيادة المخاطر التي تواجه النظم الزراعية. وهكذا، يمكن أن تتأثر البلدان شديدة الاعتماد على الواردات حتى عندما لا تدور المعارك على أراضيها. لذلك، ينبغي اعتبار الأمن الغذائي جزءًا من الأمن الاقتصادي والإقليمي، لا مسألة زراعية معزولة.

ويمكن للميثاق دعم أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين مراقبة الأسواق، وتنويع الموردين، وإنشاء آليات لتنسيق الخدمات اللوجستية، وتشجيع الأبحاث المتعلقة بالبذور المتكيفة مع الظروف المناخية. كما يمكن دراسة إنشاء مخزون غذائي إقليمي، شريطة تحديد حوكمته وتكاليفه وقواعد تفعيله وتوزيع المسؤوليات بوضوح. ولن يكون الهدف تحقيق اكتفاء ذاتي مطلق، وهو أمر غير واقعي بالنسبة إلى عدة دول، بل الحد من التعرض للانقطاعات المفاجئة في حركة التجارة. فالأمن الغذائي المرن يعتمد على التنويع والاستعداد والتعاون أكثر مما يعتمد على الاكتفاء الذاتي المنغلق.

112. الاعتماد على الطاقة

يجسد قطاع الطاقة مفارقة أخرى في الشرق الأوسط. فالمنطقة تمتلك بعضًا من أكبر موارد المحروقات في العالم، لكن عدة دول فيها تواجه طلبًا داخليًا متزايدًا على الكهرباء، ولا سيما لأغراض التبريد وتحلية المياه والصناعة. وتشكل المحروقات مصدرًا للدخل والنفوذ الدولي، كما تؤدي دورًا مهمًا في الاستهلاك والإنتاج المحليين. وبالتالي، فإن أي اضطراب في البنية التحتية أو طرق التصدير يمكن أن يؤثر في الوقت نفسه على الموازنات العامة، وإمدادات الطاقة، وسلاسل الصناعة، والأسواق العالمية.

وقد أبرزت أحداث عام 2026 هذه الهشاشة. وحتى 12 أكتوبر، استمرت الاضطرابات التي طالت صناعة الغاز الطبيعي المسال في الخليج، إلى جانب حالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز، في التأثير على الأسواق الدولية. وكانت قطر، على وجه الخصوص، تعاني من تداعيات الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية للغاز. وتوضح هذه التطورات أن أمن الطاقة لا يقتصر على حجم الاحتياطيات أو القدرات الإنتاجية، بل يعتمد أيضًا على حماية البنية التحتية، واستمرار النقل البحري، وتنويع مصادر الإمداد، وقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات.

ولا يتمثل الحل في التخلي المفاجئ عن المحروقات، التي ستظل مهمة خلال فترة طويلة نسبيًا، بل في تنويع أنظمة الطاقة تدريجيًا. ويمكن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتخزين وكفاءة الطاقة والشبكات المترابطة، وكذلك الطاقة النووية المدنية في الدول التي تختارها، ضمن متطلبات صارمة للسلامة والحوكمة، أن تسهم في الحد من بعض مواطن الضعف. وينبغي تصميم التحول بطريقة تحافظ على الأمن الاقتصادي وتحد في الوقت نفسه من المخاطر البيئية والاعتماد المفرط على مصادر محددة. وكما توضح تحلية المياه، فإن المياه والطاقة مترابطتان بالفعل ارتباطًا وثيقًا. لذلك، ينبغي لاستراتيجية إقليمية متماسكة أن تتعامل مع هذين القطاعين بوصفهما عنصرين في منظومة واحدة للقدرة على الصمود.

تحويل مواطن الضعف إلى علاقات اعتماد متبادل

113. تحلية المياه

يمكن أن تصبح تحلية المياه أحد المجالات الرئيسية للتحول في الشرق الأوسط، لكنها ليست حلًا شاملًا لجميع المشكلات. فهذه التكنولوجيا تتطلب استثمارات كبيرة، وتستهلك الطاقة، وقد تنتج عنها محاليل ملحية مركزة يجب التحكم في آثارها. لذلك، ينبغي دمجها في سياسة أوسع تشمل الحد من فاقد المياه في الشبكات، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتحسين الكفاءة الزراعية، وحماية المياه الجوفية. وتُظهر توقعات وكالة الطاقة الدولية، التي تشير إلى زيادة كبيرة في إنتاج المياه المحلاة في المنطقة بحلول عام 2035، أن الاهتمام سينصب بصورة متزايدة على كفاءة التكنولوجيا ومصادر الطاقة التي تشغل المنشآت.

ويمكن للميثاق تشجيع التعاون العلمي والصناعي، لا سيما من خلال تبادل نتائج البحوث، ووضع المعايير البيئية، وتحسين كفاءة الطاقة في منشآت التحلية. ويمكن للدول التي تمتلك قدرات تكنولوجية أن تتعاون مع الدول التي تواجه احتياجات مائية مرتفعة بصورة خاصة، وفق ترتيبات مالية ومؤسسية يتم التفاوض بشأنها. ولن يكون الهدف استبدال الاعتماد على المياه الطبيعية بالاعتماد السياسي على بنية تحتية باهظة التكلفة، بل تنويع مصادر الإمداد وتعزيز الاستقلال المائي لكل دولة. ولن تحقق التكنولوجيا منفعة جماعية إلا إذا أُخذت إمكانية الوصول إليها وتكلفتها وتداعياتها البيئية في الحسبان.

114. شبكات الكهرباء الإقليمية

يمكن للربط الكهربائي بين الدول أن يعزز قدرة الأنظمة الوطنية على الصمود، من خلال إتاحة تبادل الكهرباء بين البلدان، شريطة توافر القدرات اللازمة ووجود قواعد متفق عليها. ويمكن لهذه الروابط أن تسهل دمج مصادر الطاقة المتجددة، وتخفف بعض قيود الإمداد، وتحسن استخدام قدرات التوليد. لكنها تفرض أيضًا متطلبات جديدة في مجالات الحوكمة والأمن السيبراني والحماية المادية للبنية التحتية واستمرارية الخدمة. ولذلك، فإن الربط الكهربائي ليس مشروعًا تقنيًا فحسب، بل يتطلب إطارًا سياسيًا يمكن التنبؤ به بدرجة كافية، بحيث تستطيع الدول الاعتماد على استمرار عمل المنشآت حتى عندما تتدهور علاقاتها.

ويمكن أن يشكل هذا التعاون اختبارًا مهمًا للميثاق الإقليمي الشامل. إذ يتعين على الحكومات الاتفاق على قواعد تقاسم الكهرباء، والمعايير التقنية، والإجراءات الواجب اتباعها عند وقوع الأعطال، وآليات تسوية النزاعات. ولن تضمن مبادلات الكهرباء السلام، لكنها قد تنشئ مصالح مشتركة وتجعل العواقب الاقتصادية للقطيعة أكثر وضوحًا. وعندئذ، يتجاوز التعاون في مجال الطاقة وظيفة توفير الكهرباء ليؤدي دورًا في ترسيخ ممارسات التشاور والمسؤوليات المشتركة.

وعلى المدى الطويل، يمكن أن تتكامل القدرات الشمسية في بعض المناطق مع الموارد المائية المتاحة في مناطق أخرى، ومع أنظمة التوليد التقليدية أو النووية في بعض الدول. غير أن هذا التطور سيعتمد على الاستثمارات والاستقرار التنظيمي وإرادة الدول. ولا يتمثل الهدف في افتراض أن شبكة إقليمية ستزيل التنافسات، بل في إظهار أن الاعتماد المتبادل المنظم جيدًا يمكن أن يوفر مزايا ملموسة، مع ضرورة دعمه بآليات لبناء الثقة.

115. الطاقة المتجددة

يمكن لتطوير الطاقة المتجددة أن يقلل بعض مواطن الضعف في قطاعي الطاقة والبيئة، وأن يتيح في الوقت نفسه فرصًا صناعية جديدة. وتتمتع منطقة الشرق الأوسط بإمكانات شمسية كبيرة، كما تتوافر في بعض أراضيها ظروف ملائمة لطاقة الرياح. غير أن الإمكانات الطبيعية وحدها لا تكفي؛ فالمشروعات تحتاج إلى شبكات، وقدرات تخزين، وتمويل، وكفاءات تقنية، وأسواق يمكن التنبؤ بها، وإطار تنظيمي مستقر. ومن دون هذه الشروط، قد تظل القدرات الجديدة معزولة أو تعجز عن تحقيق المنافع المتوقعة.

ويمكن لاستراتيجية إقليمية أن تشجع الاستثمار في الشبكات والبحوث والتخزين والتدريب، مع تعزيز التكامل بين الاقتصادات. ويمكن للدول المنتجة للمحروقات توظيف جزء من قدراتها المالية والصناعية لتسريع التنويع الاقتصادي، في حين يمكن للدول ذات الطلب المرتفع على الطاقة أن توفر أسواقًا للتكنولوجيات الجديدة. ولن يؤدي هذا التطور إلى إزالة التوترات المرتبطة بالتحول الطاقي، لكنه قد يساعد الاقتصادات المنتجة على تطوير أنشطة جديدة والاستعداد تدريجيًا لتغير أسواقها.

ويتمثل التحدي في تجاوز مجرد تجاور السياسات الوطنية وبناء مشروعات قادرة على تحقيق منافع مشتركة. فمحطة شمسية معزولة لا تغير وحدها جغرافيا الأمن الإقليمي. أما قدرات الإنتاج المرتبطة بشبكات موثوقة، وأنظمة تخزين، وبنية تحتية صناعية، واتفاقات لتبادل الطاقة، فيمكنها أن تسهم تدريجيًا في تغيير العلاقات الاقتصادية بين الدول.

116. الزراعة الذكية

تُعد الزراعة من القطاعات التي يمكن فيها للذكاء الاصطناعي والبيانات المستمدة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار والأدوات الرقمية تحسين استخدام الموارد. وفي عام 2026، عززت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» أعمالها الإقليمية بشأن الذكاء الاصطناعي في النظم الزراعية والغذائية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، ولا سيما في ما يتعلق بمنظومات البيانات والتطبيقات المرتبطة بالزراعة الذكية مناخيًا. وتذكرنا هذه المبادرات بأن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تخدم قدرة المجتمعات على الصمود، بما يتجاوز الاستخدامات الصناعية أو الأمنية.

ويمكن للتعاون الإقليمي أن يسهل تبادل البيانات الجوية والهيدرولوجية، والبحوث المتعلقة بالمحاصيل المتكيفة مع الظروف القاحلة، وتطوير أدوات تساعد المنتجين على اتخاذ القرارات. ولن يكون الهدف استبدال المزارعين بأنظمة آلية، بل تزويدهم بوسائل أفضل لتوقع احتياجات الري، ومراقبة التربة، والاستجابة للتغيرات المناخية. وفي المناطق التي تعاني ندرة المياه، يمكن لتحسين الكفاءة أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية كبيرة.

ومع ذلك، ينبغي لتحديث الزراعة أن يتجنب زيادة التفاوت بين المزارع الكبيرة القادرة على الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة وصغار المنتجين الذين لا يستطيعون الوصول إلى التمويل أو التدريب. لذلك، ينبغي للميثاق أن يجمع بين البحث والتدريب وإتاحة الأدوات ودعم المنتجين. ولن تصبح التكنولوجيا أداة للقدرة الجماعية على الصمود إلا إذا أمكن إيصال فوائدها إلى المجتمعات الريفية ومختلف مكونات النظم الغذائية.

117. الممرات الاقتصادية

يمكن للممرات الاقتصادية أن تمنح الميثاق بُعدًا جغرافيًا ملموسًا. فهي لا تقتصر على طريق أو خط للسكك الحديدية، بل تجمع الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات الطاقة والاتصالات ومراكز الخدمات اللوجستية والأسواق. وعندما تعمل بصورة موثوقة، فإنها تربط عدة مناطق ضمن منظومة اقتصادية واحدة. غير أن فعاليتها تعتمد على الاستقرار السياسي، واستمرارية التبادلات، وجودة البنية التحتية، والقدرة على تسوية الخلافات التي قد تنشأ بين الدول المعنية.

ويمتلك الشرق الأوسط بالفعل طموحات ومشروعات متعددة في مجال الربط والاتصال. ويتطلب تطويرها على مدى عقود ضمانات تتجاوز الاتفاقات التجارية التقليدية. فالممر الذي يعبر عدة حدود ينبغي أن يكون قادرًا على العمل رغم تغير الحكومات والتقلبات الاقتصادية والتوترات الدبلوماسية. ولذلك، فهو يحتاج إلى قواعد مشتركة، وتنسيق جمركي، وآليات لحماية البنية التحتية، وإجراءات للتشاور عند وقوع الأزمات.

ويمكن لهذه المشروعات أن تجسد منطق الاعتماد المتبادل الذي يدافع عنه هذا الملف. فعندما يربط ميناء وشبكة كهرباء وخط للسكك الحديدية وسلسلة لوجستية عدة اقتصادات، يصبح أمن الدولة المجاورة شرطًا عمليًا لتشغيل البنية التحتية الخاصة بالدول الأخرى. ولا يلغي هذا الاعتماد المتبادل خطر الإكراه، بل يتطلب، على العكس، ضمانات تحول دون الاستخدام السياسي للشبكات. ومع ذلك، يمكن للممرات، إذا أُحسن تنظيمها، أن تحول التعاون إلى مصلحة مادية مستدامة، وأن تجعل القطيعة أكثر كلفة على جميع المشاركين.

118. اقتصاد إقليمي من أجل السلام

ليست المياه والطاقة والزراعة والمناخ والبنية التحتية موضوعات هامشية بالنسبة إلى جيوسياسة الشرق الأوسط. فهي ستحدد بصورة متزايدة ظروف حياة السكان، وقدرة الاقتصادات على الصمود، ومدى قدرة الدول على امتصاص الأزمات. وقد تمتلك منطقة ما قوات عسكرية قوية، لكنها تظل عرضة للمخاطر إذا افتقرت مدنها إلى المياه، أو كانت شبكات الكهرباء فيها هشة، أو اعتمدت أنظمتها الغذائية بصورة مفرطة على التدفقات الخارجية، أو عجزت بنيتها التحتية عن مقاومة الصدمات المناخية. وفي المقابل، يمكن للتعاون الاقتصادي والبيئي المنظم جيدًا أن ينشئ مصالح مشتركة ويعزز القيمة العملية للاستقرار.

وقد أظهرت أحداث عام 2026 كيف يمكن لأزمة إقليمية أن تؤثر في الوقت نفسه على أسواق الطاقة والنقل البحري وسلاسل الإمداد وتكاليف الغذاء. وقد امتدت التداعيات إلى ما وراء الدول المتضررة مباشرة، مؤكدة أن الاعتماد المتبادل يمكن أن ينقل الصدمات بالسهولة نفسها التي يتيح بها النمو. لذلك، لا تتمثل المسألة الاستراتيجية في إلغاء كل اعتماد خارجي، وهو هدف غير واقعي في كثير من الأحيان، بل في الحد من مواطن الضعف المفرطة من خلال التنويع والتعاون والاستعداد للأزمات.

ولا يعني الاقتصاد الإقليمي من أجل السلام أن التجارة ستؤدي إلى اختفاء النزاعات. فالتاريخ لا يتيح استخلاص مثل هذه النتيجة. بل يعني أن الدول تستطيع بناء مصالح مشتركة كافية لجعل الاستقرار شرطًا ماديًا للتنمية، وليس مجرد تفضيل دبلوماسي. ويمكن للمياه أن تشجع التعاون بين الدول التي تتشارك أحواضًا مائية أو طبقات جوفية؛ ويمكن للطاقة أن تقرب بين المنتجين والمستهلكين؛ ويمكن للشبكات الكهربائية أن تربط بين القدرات المتكاملة؛ ويمكن للزراعة أن تجمع بين البحث والبيانات والأمن الغذائي؛ كما يمكن للممرات أن تعزز التبادلات. وقد يسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية في تحسين أداء هذه الأنظمة، شريطة تنظيم استخدامها وإتاحة منافعها للجميع.

وبالتالي، فإن التحول في النموذج الذي يسعى إليه الميثاق لا يتمثل في اختفاء التنافسات بقدر ما يتمثل في إدراجها ضمن بيئة يصبح فيها التعاون أكثر فائدة وانتظامًا وقابلية للتوقع. فلن تعود المنطقة تسعى فقط إلى منع جيرانها من أن يصبحوا أقوى منها، بل ستعمل على تعزيز قدرتها الجماعية على الصمود أمام الأزمات التي تهددها. ولن يكون هذا التحول تلقائيًا أو غير قابل للانتكاس. فهو يتطلب استثمارات ومؤسسات موثوقة وإرادة سياسية مستدامة. لكنه قد يمنح الميثاق الإقليمي الشامل مضمونًا عمليًا يتجاوز حدود المقترح الدبلوماسي المجرد.

وتتمثل الخطوة التالية في دراسة المؤسسات القادرة على إدارة علاقات الاعتماد المتبادل هذه. ولهذا، يتناول الجزء التالي مؤتمرًا دائمًا للشرق الأوسط، وآليات لمنع الأزمات، وخطوط اتصال للطوارئ، وآليات للرصد المستقل، والتسوية السلمية للنزاعات، وإمكانية إنشاء «منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط» تتكيف مع الحقائق الإقليمية بدلًا من نسخ النموذج الأوروبي.

دبلوماسية جديدة للقرن الحادي والعشرين

نحو مؤسسة إقليمية دائمة

119. مؤتمر دائم للشرق الأوسط

يمتلك الشرق الأوسط قنوات دبلوماسية متعددة ووسطاء ومنظمات إقليمية وعلاقات ثنائية، لكنه لا يمتلك إطارًا دائمًا وشاملًا يجمع جميع الأطراف حول برنامج مشترك للوقاية والأمن والتعاون. فكثيرًا ما تُعالَج الأزمات بعد اندلاعها، وأحيانًا حين تكون هوامش التحرك الدبلوماسي قد تقلصت بالفعل. وينبغي لأي بنية مستدامة أن تقلب هذه المعادلة، بحيث يصبح الحوار بنية تحتية دائمة للأمن الإقليمي، بدلًا من أن يظل خيارًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عندما تصبح التوترات عصية على الاحتواء.

ويمكن أن يصاحب الميثاق الإقليمي العالمي إنشاء مؤتمر دائم للأمن والتعاون في الشرق الأوسط، لا بوصفه سلطة فوق وطنية، بل إطارًا مؤسسيًا للتشاور. وينبغي أن تحدد الدول المعنية تشكيلته وفق مقاربة شاملة وتدريجية. ويمكن أن تشارك فيه إسرائيل وإيران ودول الخليج وتركيا ومصر والعراق والأردن وسائر البلدان المعنية، وفق ترتيبات يجري التفاوض بشأنها. كما ينبغي أن يحظى التمثيل الفلسطيني بمكانة مناسبة، بالنظر إلى المحورية التي تحتلها القضية الفلسطينية في الأمن الإقليمي. ويمكن للشركاء الدوليين أيضًا الإسهام في بعض أعماله متى رأى المشاركون أن ذلك مفيد، من دون أن يؤدي حضورهم إلى تحويل المؤسسة إلى أداة للتنافس بين القوى الخارجية.

يوفر ميثاق الأمم المتحدة بالفعل أساسًا قانونيًا للتعاون الإقليمي. فالفصل الثامن منه يعترف بدور الترتيبات الإقليمية في التسوية السلمية للنزاعات، مع الحفاظ على مسؤوليات مجلس الأمن في مجال السلم والأمن الدوليين. وتورد المادة 33، على وجه الخصوص، التفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية ضمن الوسائل التي يمكن للأطراف اللجوء إليها. ولذلك، ينبغي لمؤسسة شرق أوسطية أن تكمل النظام الدولي، لا أن تنافسه. ويمكنها أن توفر فضاءً للحوار أقرب إلى واقع المنطقة، وأن تيسر إدارة بعض التوترات قبل أن تستدعي تعبئة دولية أوسع.

120. آلية إقليمية للوقاية من الأزمات

مع ذلك، لن يكون المؤتمر الدوري وحده كافيًا لترسيخ ثقافة حقيقية للوقاية. إذ يتطلب الأمر آلية دائمة قادرة على متابعة المخاطر، وتيسير المشاورات، واقتراح مسارات لخفض التصعيد عندما تقبل الأطراف بذلك. ويمكن دعم أمانة عامة محدودة الحجم بوحدة للتحليل ومجموعات خبراء تتناول المخاطر السياسية والاقتصادية والبيئية والرقمية والإنسانية. ويمكن أن تستند أعمالها إلى البيانات المتاحة والمعلومات التي تقدمها الدول والتحليلات المستقلة، في إطار ولايات محددة بوضوح. ولن يكون الهدف إنشاء جهاز استخبارات إقليمي، بل تحسين فهم المخاطر العابرة للحدود وتشجيع الاستجابات الدبلوماسية المبكرة.

وتكتسب هذه المقاربة متعددة الأبعاد أهمية خاصة في منطقة يمكن فيها لأزمة محلية أن تؤثر سريعًا في النقل والطاقة والأسواق والبنى التحتية الرقمية أو الموارد المائية. فقد يؤدي اضطراب في إمدادات الطاقة إلى آثار اقتصادية تتجاوز الحدود؛ وقد يؤثر حادث بحري في حركة التجارة؛ ويمكن لكارثة طبيعية أن تختبر قدرات عدة دول؛ كما قد يخلّف هجوم على نظام رقمي تداعيات تمس الخدمات الأساسية. لذلك، ينبغي للوقاية أن تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والبيئية والإنسانية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجالات منفصلة.

ويمكن أن تعمل الآلية وفق إجراء متدرج يشمل رصد المخاطر، وإجراء مشاورات سرية، واللجوء إلى الوساطة الطوعية، وعقد اجتماع استثنائي للدول المعنية، ثم الاستعانة، عند الضرورة، بالمؤسسات الدولية المختصة. ومن شأن هذا التدرج أن يتيح توضيح ملابسات بعض الحوادث قبل تحولها إلى أزمات كبرى، من دون فرض الوساطة على أطراف ترفضها. فالوقاية لا تعني التنبؤ بكل نزاع، بل تقليص الحالات التي تجد فيها الحكومات نفسها بلا قناة موثوقة للتواصل والبحث عن مخرج سلمي.

121. خطوط اتصال مباشرة بين الدول

أصبحت سرعة الاتصال الدبلوماسي عاملًا مهمًا من عوامل الأمن. فقد تدفع معلومات خاطئة إلى رد فعل قبل التحقق من الوقائع؛ ويمكن تفسير حادث محدود باعتباره مقدمة لعملية أوسع؛ كما قد يتضخم تصريح ما على شبكات التواصل الاجتماعي إلى درجة تزيد التوترات. وفي بيئة تتسم بوجود الصواريخ والطائرات المسيّرة والحوادث السيبرانية والتداول الفوري للمعلومات، يمكن أن يسهم التحقق السريع من واقعة ما في تفادي أخطاء التقدير.

ولذلك، يمكن لنظام إقليمي أن ينص على مستويات متعددة من الاتصال في حالات الطوارئ: بين المسؤولين السياسيين، وبين الأجهزة الدبلوماسية، وبين السلطات الفنية المختصة. وتتيح هذه القنوات توضيح ملابسات الحوادث، ونقل الإنذارات، وتنسيق الاستجابات في المجالات التي قد يؤدي التأخر فيها إلى تفاقم العواقب. ولا يتطلب وجودها قيام ثقة عميقة بين الدول. بل إنه يقر، على العكس، بأن الخصوم لديهم مصلحة في امتلاك وسائل اتصال موثوقة عندما تهدد أزمة ما بالخروج عن السيطرة.

ويمكن أيضًا استخدام هذه الآليات في حالات الطوارئ غير العسكرية، ولا سيما الكوارث الطبيعية والحوادث البحرية واضطرابات الطاقة والأزمات التي تطال البنى التحتية الحيوية. وهكذا، يمكن للتعاون الفني أن يتقدم حتى عندما تظل العلاقات السياسية صعبة. والهدف هو منع غياب الاتصال من التحول في حد ذاته إلى عامل للمواجهة.

122. مراقبون إقليميون

تتطلب الوقاية أيضًا وسائل موثوقة لإثبات الوقائع. ففي الأزمات المعاصرة، يمكن للتفسيرات المتعارضة لحدث ما أن تعقّد سريعًا البحث عن حل دبلوماسي. ويزيد انتشار المحتوى المتلاعب به، ومقاطع الفيديو المنزوعة من سياقها، والوثائق الاصطناعية التي يولدها الذكاء الاصطناعي من صعوبة هذه المهمة. لذلك، يمكن لبنية إقليمية أن تدرس إنشاء آليات للرصد تهدف إلى توثيق أحداث معينة والتحقق من احترام الالتزامات المتفق عليها، من دون أن تحل محل المؤسسات القضائية أو الهيئات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.

وينبغي أن يستند نشر المراقبين إلى ولاية تقبل بها الأطراف المعنية، وقواعد منهجية شفافة، وضمانات للاستقلال تتناسب مع طبيعة مهمتهم. ووفقًا للاتفاقات المبرمة، يمكنهم متابعة التزامات محددة، أو مراقبة آليات خفض التصعيد، أو الإسهام في إعداد تسلسل زمني موثوق للحوادث. كما ينبغي تحديد نطاق وصولهم إلى المعلومات، وطرق نشر استنتاجاتهم، وإجراءات الاعتراض عليها مسبقًا. ولن تتوقف مصداقية هذا النظام على التسمية التي يحملها بقدر ما ستتوقف على صرامة أساليبه والثقة التي يمكن أن تكتسبها نتائجه تدريجيًا.

وهكذا، تصبح المعلومات عنصرًا من عناصر الأمن الإقليمي. فمع تسهيل الأدوات الرقمية إنتاج محتوى يصعب التحقق من صحته ونشره، ستحتاج المؤسسات إلى تعزيز قدرتها على التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المتحقق منها. ولا يمكن لبنية إقليمية أن تضمن تفسيرًا مشتركًا لكل حدث، لكنها تستطيع مساعدة الدول على امتلاك قاعدة واقعية أكثر صلابة قبل اتخاذ قراراتها بشأن كيفية الاستجابة. والهدف هو الحد من عدم اليقين وتقليص مخاطر التصعيد الناجم عن معلومات خاطئة.

123. التحكيم وتسوية النزاعات

لا تستطيع أي بنية أمنية إزالة جميع الخلافات، لكنها تستطيع السعي إلى منع تحولها تلقائيًا إلى مواجهات. ولذلك، يمكن للميثاق أن ينص على مستويات متعددة للتسوية، تبدأ بالمفاوضات المباشرة، ثم الوساطة والتوفيق ولجان التحقيق والتحكيم، مع اللجوء إلى المحاكم الدولية عندما توافق الدول على ذلك أو تنص عليه الصكوك القانونية السارية. ويتوافق هذا التدرج مع روح المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تعترف بعدة وسائل سلمية لتسوية النزاعات.

ويظل الرضا شرطًا حاسمًا. فلن تكتسب المؤسسة الإقليمية مزيدًا من الشرعية إذا ادعت القدرة على فرض اختصاص قضائي إلزامي فورًا على دول لا تقبله. ويمكنها أن تبدأ بتوفير آليات طوعية لفئات معينة من النزاعات، ثم توسع نطاقها عندما تثبت فعاليتها وحيادها. فالثقة المؤسسية تُبنى من خلال التجربة، عبر إجراءات واضحة وقرارات معللة والتزامات يجري احترامها فعلًا.

وعندئذ فقط، يمكن أن تصبح ركائز الميثاق أكثر من مجرد إعلان سياسي. إذ ينبغي أن ترافقها مؤسسات قادرة على تحويل الالتزامات إلى إجراءات، ثم تحويل الإجراءات إلى ممارسات راسخة للتشاور والتسوية السلمية. ومن غير المرجح أن يولد السلام الإقليمي في لحظة واحدة يقرر فيها جميع الخصوم فجأة أن يثق بعضهم ببعض. بل يمكن أن ينشأ من عملية تدريجية وشاقة وقابلة للتراجع، تقلل فيها القواعد المشتركة، شيئًا فشيئًا، احتمال تحول الأزمات إلى مواجهات.

نحو «منظمة للأمن والتعاون على غرار النموذج الأوروبي في الشرق الأوسط»؟

124. دروس التجربة الأوروبية

تمثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مرجعًا مفيدًا عند بحث الحوار والوقاية والشفافية والتعاون بين دول تختلف مصالحها. غير أن أهميتها لا تكمن بقدر ما تكمن في نموذج مؤسسي جاهز، بل في كونها ثمرة مسار تاريخي. ففي الأول من أغسطس 1975، وقّعت خمس وثلاثون دولة الوثيقة الختامية لهلسنكي، بعد عدة سنوات من المفاوضات التي جرت في سياق الحرب الباردة. وأرست العملية التزامات تتعلق بالأمن السياسي والعسكري، والتعاون الاقتصادي والبيئي، والقضايا الإنسانية. وبذلك، أسهمت في إضفاء طابع مؤسسي على الحوار بين حكومات ظلت منقسمة بعمق.

ويتمثل الدرس المفيد للشرق الأوسط في أن الدول تستطيع قبول الحوار ضمن إطار مشترك من دون أن تكون قد حلت خلافاتها الأساسية مسبقًا. فقد أسهمت تدابير بناء الثقة والأمن التي تطورت في إطار عملية هلسنكي تدريجيًا في تعزيز الشفافية والقدرة على التنبؤ في بعض المجالات. ولا تثبت هذه التجربة أن الحوار كافٍ لمنع جميع الحروب، لكنها تبين أن وجود إطار دائم يمكن أن يساعد على إدارة الخلافات وجعل بعض القرارات أقل عرضة للمفاجأة.

وتذكرنا التجربة الأوروبية أيضًا بأن التعاون المؤسسي لا يشترط بالضرورة مصالحة أيديولوجية مسبقة. إذ يمكن للحوار أن يكون وسيلة لإدارة الاختلافات بدلًا من إنكارها. وهذا التمييز جوهري بالنسبة إلى الشرق الأوسط: فلا يتعين على بنية إقليمية أن تنتظر زوال الخصومات كي تبدأ العمل. بل يمكنها أن تشجع أولًا على التعايش، وتحسن الاتصالات، وتضع بعض القواعد المشتركة، قبل توسيع نطاق عملها تدريجيًا.

125. لماذا لا يمكن نسخ النموذج الأوروبي؟

مع ذلك، فإن الشرق الأوسط ليس أوروبا عام 1975. فالمسارات التاريخية والحدود والهياكل السياسية والعلاقات بين السيادة والأمن والتحالفات الخارجية وتصورات التهديد تختلف من منطقة إلى أخرى. ويشهد الشرق الأوسط نزاعات إقليمية ممتدة، وتنافسًا بين الدول، وتوترات مرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية، وقضايا طاقة بالغة الأهمية، وأزمات إنسانية. كما يواجه قيودًا خاصة تتعلق بالمياه والأمن الغذائي والبنى التحتية الرقمية وتغير المناخ. ومن شأن الاستنساخ الآلي للمؤسسات الأوروبية أن يتجاهل هذه الاختلافات، وأن ينتهي إلى إنشاء هيكل لا يلائم الاحتياجات الفعلية للمنطقة.

كما يختلف السياق الاستراتيجي. فقد تطورت عملية هلسنكي في بيئة تميزت بوجود كتلتين كبيرتين ومنظمتين. أما الشرق الأوسط المعاصر، فهو أكثر تشتتًا؛ إذ تتداخل فيه المنافسات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والتكنولوجية والعابرة للحدود. ولا تتوزع مصالح الدول وفق خط مواجهة واحد، كما يمكن أن تتفاوت فرص التعاون تفاوتًا كبيرًا من مجال إلى آخر. لذلك، ينبغي لمؤسسة إقليمية أن تكون قادرة على العمل بصورة تدريجية ومتفاوتة، من دون اشتراط التوصل مسبقًا إلى اتفاق شامل بشأن جميع المسائل الأمنية.

وأخيرًا، ينبغي إدماج القضايا البيئية والاقتصادية منذ البداية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها إضافات إلى بنية يغلب عليها الطابع العسكري. فالمياه والطاقة والزراعة والنقل والبنى التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي أصبحت بالفعل قضايا استراتيجية في الشرق الأوسط المعاصر. وينبغي للمؤسسة المستقبلية أن تنطلق من هذا الواقع، وأن تنظم التعاون حول المخاطر التي تمس السكان والاقتصادات بصورة ملموسة، مع الحفاظ على القدرة على الحوار بشأن أكثر القضايا السياسية والأمنية حساسية.

126. مؤسسة تتكيف مع واقع المنطقة

يمكن لمؤسسة إقليمية أن تحمل اسمًا يعكس هذه المقاربة متعددة الأبعاد، مثل المؤتمر الدائم للأمن والتعاون والتنمية في الشرق الأوسط. وفي مرحلتها الأولى، يمكن أن يظل هيكلها محدودًا: اجتماعات دورية رفيعة المستوى، ومجلس وزاري، وأمانة عامة دائمة، وآلية للوقاية من الأزمات، ومجموعات عمل متخصصة. كما يمكن تنظيم حوارات مع الأوساط الجامعية والعلمية والاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني، وفق القواعد التي تتفق عليها الدول المشاركة. وينبغي أن يظل هذا الهيكل مقترحًا قيد الدراسة، لا أن يُعرض باعتباره هيئة تقرر إنشاؤها بالفعل.

وسيكون الشمول أحد مبادئها الحاسمة. فالبنية التي تهدف إلى الحد من منطق التكتلات لا يمكن أن تبدأ بإنشاء تكتل جديد في مواجهة تكتلات أخرى. بل ينبغي أن تسعى إلى استيعاب دول تربطها علاقات صعبة، بما فيها الدول التي لا تتشارك التحالفات نفسها ولا التصورات السياسية ذاتها. ويمكن أن تكون المشاركة تدريجية ومتفاوتة بحسب المجالات؛ فقد تسهم دولة في أعمال تتعلق بالمياه أو الصحة أو الكوارث الطبيعية من دون أن تكون مستعدة فورًا للانضمام إلى آلية أمنية أكثر حساسية. ومن شأن هذه المرونة أن تمنع خلافًا بشأن قضية واحدة من تعطيل التعاون في جميع المجالات الأخرى.

وينبغي أن يوازن أسلوب العمل بين احترام السيادة الوطنية وإمكانية التنبؤ بالالتزامات. ويمكن إعطاء الأولوية للتوافق في القرارات السياسية الأساسية، بينما تعمل المجموعات الفنية وفق قواعد متفق عليها مسبقًا. ولن تكون المؤسسة حكومة إقليمية أو سلطة مكلفة بإحلال نفسها محل الدول. بل ستتمثل وظيفتها في تيسير التشاور، واقتراح معايير للسلوك، ودعم الوساطة، ونشر التحليلات الإقليمية، ومواكبة المشاريع المشتركة. وسيتوقف تأثيرها أساسًا على فائدتها العملية، وجودة أعمالها، ومستوى الثقة الذي تكون الدول الأعضاء مستعدة لمنحها إياه.

127. من التعايش إلى التعاون

لن يكون الاختبار الحقيقي لهذه البنية هو جودة صياغة معاهدة تأسيسها، بل قدرتها على تغيير السلوكيات تدريجيًا. ففي المرحلة الأولى، يمكن أن يكون الهدف محدودًا: تفادي أخطاء التقدير، والحفاظ على قنوات الاتصال، ومنع التصعيد، وإرساء بعض قواعد التشاور. ويمكن للمرحلة الثانية أن تشجع مزيدًا من الشفافية وفهمًا أفضل للمخاطر المشتركة. وإذا أثبتت هذه الآليات مصداقيتها، أمكن توسيع التعاون لاحقًا ليشمل المياه والطاقة والتجارة والبنى التحتية والعلوم والصحة والمناخ والذكاء الاصطناعي.

ويقر هذا التدرج بأن المجتمعات لا تنتقل بالضرورة من العداء إلى الصداقة. فقد تنتقل أولًا من العداء إلى القدرة على التنبؤ، ومن القدرة على التنبؤ إلى تعايش أكثر استقرارًا، ثم من هذا التعايش إلى ترابط منظم بين المصالح. وتبين تجربة هلسنكي أن بناء إطار للحوار ممكن قبل تسوية جميع الخلافات الأساسية. وهي لا تضمن نجاح مسار مماثل في الشرق الأوسط، لكنها توفر مرجعًا تاريخيًا للتفكير في كيفية إسهام المؤسسات في الحد من المخاطر الناجمة عن انعدام الثقة.

ولذلك، لن يطلب الميثاق الإقليمي العالمي من الإسرائيليين أو الإيرانيين أو الفلسطينيين أو العرب أو الأتراك أو غيرهم من شعوب المنطقة التخلي عن تاريخهم أو ذاكرتهم أو مصالحهم. بل سيسعى إلى إيجاد بيئة لا تعود فيها أمن دولة ما متوقفًا حصريًا على قدرتها على إبقاء جيرانها في حالة ضعف. ويمكن أن تستمر الخلافات، وأن تبقى المنافسات السياسية قائمة، وأن تواصل التباينات تشكيل العلاقات بين الحكومات. لكن التحول المنشود يكمن في موضع آخر: في إمكانية تعزيز الأمن الذاتي من خلال قواعد يمكن التنبؤ بها، واتصالات موثوقة، وآليات قادرة على احتواء الأزمات.

ومن ثم، لن تختفي «العداوة» بالضرورة من المعجم السياسي، لكنها ستكف تدريجيًا عن كونها المبدأ المنظم لجميع العلاقات الإقليمية. فقد يظل الخصم منافسًا من دون أن يُفسر كل خلاف معه باعتباره مقدمة لمواجهة حتمية. ولن يقتصر الشرق الأوسط على محاولة منع الحرب المقبلة، بل سيبدأ في بناء مؤسسات يمكنها جعل التصعيد أقل تلقائية، والأزمات أكثر قابلية للإدارة، والتعاون أكثر عقلانية. وسيكون ذلك انتقالًا تدريجيًا من نظام تهيمن عليه الشكوك إلى بنية يصبح فيها التدبير الجماعي للمصالح خيارًا عمليًا، من دون ضمان للنجاح، ولكن بطموح واضح المعالم.

2030 و2050 و2100: ثلاثة آفاق زمنية

أفق 2030

128. سيناريو التفتت

أصبح أفق عام 2030 قريبًا بما يكفي كي لا تتمكن دول الشرق الأوسط من التعامل مع التحولات الجارية باعتبارها ظواهر بعيدة المدى. ومن المتوقع أن تستمر عدة اتجاهات في التعزز بالتزامن خلال السنوات المقبلة، ومنها إعادة تشكيل التحالفات، وتنويع الشراكات الخارجية، وتسارع التطور التكنولوجي، وتغير أسواق الطاقة، والضغط على الموارد المائية، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد هشاشة البنى التحتية الرقمية. وقد أظهرت الأزمة الإقليمية لعام 2026 بالفعل مدى سرعة تجاوز المواجهة العسكرية حدود الدول المنخرطة فيها مباشرة، وتأثيرها في النقل والطاقة والأسواق المالية وسلاسل الإمداد وآفاق النمو في بلدان قد تكون بعيدة عن مسرح العمليات المباشر. وقد وثق البنك الدولي، على وجه الخصوص، العواقب الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية للطاقة والمرافق العامة.

وفق السيناريو الأول، قد تقود هذه الاتجاهات إلى تفتت مستدام. فستعزز الدول قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتنّوع مورديها وشركاءها الاقتصاديين، ثم تمنح الأولوية للاتفاقات الثنائية أو للتحالفات محدودة العضوية. ولن يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة ستغرق في حرب دائمة. فقد تشهد سلسلة من الأزمات والهدنات والمواجهات غير المباشرة والحوادث السيبرانية والضغوط الاقتصادية والمنافسات التكنولوجية. وقد يتحقق الاستقرار على فترات متقطعة، من دون أن يؤدي إلى نشوء نظام إقليمي حقيقي. ومن ثم، لن يقتصر الخطر على احتمال اندلاع حرب كبرى جديدة، بل سيشمل أيضًا تطبيع بيئة تعتبر فيها كل جهة الاستعداد للأزمة المقبلة عنصرًا دائمًا في سياستها الوطنية.

وقد تكون كلفة هذا التفتت أقل إثارة للانتباه، لكنها أعمق أثرًا في بعض الأحيان. فقد تستمر النفقات الأمنية في الارتفاع، بينما يتعين على الدول في الوقت نفسه تمويل التكيف المناخي وتوفير المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم وتنويع اقتصاداتها. وتشكل ندرة المياه بالفعل نقطة ضعف هيكلية في عدة بلدان بالمنطقة. وتشير توقعات البنك الدولي إلى المخاطر الاقتصادية الكبيرة المرتبطة بتناقص الموارد المائية وتغير المناخ، في حين تتشارك دول عديدة موارد مائية مع جيرانها. ولن يؤدي التفتت إلى إزالة أوجه الترابط المتبادل، بل قد يتركها من دون مؤسسات قوية بما يكفي لإدارتها.

129. سيناريو الاستقرار الجزئي

يتمثل السيناريو الثاني في تحقيق استقرار جزئي. إذ ستحافظ الدول على اختلافاتها الاستراتيجية وتحالفاتها وعقائدها الأمنية، لكنها ستقبل بتطوير آليات دائمة تهدف إلى منع بعض الأزمات من التحول إلى مواجهات متفاقمة. ولن يكون الهدف تحقيق سلام سياسي كامل أو مصالحة شاملة، بل تنظيم التعايش. ويمكن للخطوط المباشرة للاتصال، وآليات الإنذار المبكر، والترتيبات البحرية، والاتفاقات المتعلقة بالطاقة، وأطر التعاون في إدارة المياه، وإجراءات الوقاية أن تحد من المخاطر المباشرة من دون أن تحل فورًا النزاعات الأساسية.

ويبدو هذا السيناريو متوافقًا مع التنوع السياسي والمؤسسي في الشرق الأوسط، حيث توجد بالفعل أشكال متعددة من التعاون، لكنها لا تشكل نظامًا إقليميًا موحدًا. ويمكن للميثاق الإقليمي العالمي المقترح في هذا الملف أن يبدأ عمله بوصفه بنية متعددة السرعات. فقد تحرز بعض الدول تقدمًا في مجالي الطاقة أو المياه، بينما تركز دول أخرى على الأمن البحري أو الأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي. وقد تعطي دول أخرى الأولوية للوساطة وإدارة الأزمات والتسوية السلمية للنزاعات. ولذلك، لن تستلزم المشاركة في مجال من مجالات التعاون وجود هوية سياسية مشتركة أو اتفاق مسبق بشأن جميع قضايا المنطقة، بل يمكن أن تنطلق من مصالح ملموسة ومنافع متبادلة.

ويتسق هذا النهج أيضًا مع الأهداف الدولية المحددة لعام 2030. فخطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 تشجع، على وجه الخصوص، على تحسين كفاءة استخدام المياه، والإدارة المتكاملة للموارد المائية، والتعاون عبر الحدود. كما تدعم أهدافها المتعلقة بالطاقة توفير طاقة موثوقة وميسورة التكلفة وتطوير التقنيات النظيفة. وفي شرق أوسط يواجه في الوقت نفسه الإجهاد المائي، وتزايد الطلب على الكهرباء، وتداعيات أزمات الطاقة، يمكن لهذه الأهداف أن تتوقف عن الظهور باعتبارها برامج منفصلة، لتصبح عناصر في سياسة واحدة لتعزيز القدرة الإقليمية على الصمود.

130. سيناريو التعاون الإقليمي

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تحول مؤسسي حقيقي. فبحلول عام 2030، قد لا يكون الشرق الأوسط قد حل جميع نزاعاته، لكنه ربما يكون قد بدأ بناء بنية تنظيمية تُدار ضمنها الأزمات من خلال إجراءات إقليمية دائمة. ويمكن للميثاق الإقليمي العالمي عندئذ أن يصبح منصة للتنسيق بين الأمن والطاقة والمياه والمناخ والاقتصاد والعلوم والذكاء الاصطناعي. ويوفر المؤتمر الدائم للدول إطارًا منتظمًا للحوار، بينما تتولى آلية الوقاية معالجة الأزمات الناشئة، وتنظم الاتفاقات القطاعية أوجه الترابط المتبادل، وتتيح إجراءات تسوية النزاعات بدائل عن التصعيد.

وسيكون الفرق بين هذا النهج ومجرد تكاثر الاتفاقات الثنائية فرقًا جوهريًا: إذ سيبدأ النظام الإقليمي في توفير القدرة على التنبؤ. ولن تعرف الحكومات الجهات التي ينبغي التفاوض معها فحسب، بل ستعرف أيضًا الإجراءات التي ينبغي تفعيلها عند وقوع حادث. ويمكن للجهات الاقتصادية والمؤسسات العلمية والسكان أن يدمجوا هذه القدرة على التنبؤ تدريجيًا في قراراتهم. ولن يكون السلام قد تحقق بصورة نهائية، لكن المنطقة ستبدأ في تكوين ذاكرة مؤسسية للتعاون قادرة على الصمود أمام الأزمات وتغير الحكومات.

ولا يتوقف الاختيار بين هذه المسارات الثلاثة على حكومة واحدة أو أزمة واحدة، بل سينتج من تراكم القرارات التي ستُتخذ خلال السنوات المقبلة. ولهذا، لا يمثل عام 2030 وجهة نهائية بقدر ما يمثل اختبارًا أوليًا. ولن يكون السؤال الأساسي ما إذا كان الشرق الأوسط قد أصبح منطقة يسودها السلام، بل ما إذا كانت لديه آليات أكثر صلابة مما كانت عليه في عام 2026 لمنع أزماته من الانتشار والتحول إلى أزمات منهجية شاملة.

الفصل الخامس والعشرون. أفق 2050

131. التحول في قطاع الطاقة

بحلول عام 2050، لن يكون من الممكن فصل قضية الطاقة عن قضية المناخ. وسيظل الشرق الأوسط مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالوقود الأحفوري، لكن الظروف الاقتصادية والتكنولوجية للطاقة ستكون قد تغيرت. وتشير وكالة الطاقة الدولية بالفعل إلى النمو السريع في الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بفعل النمو السكاني والتوسع الحضري واحتياجات التبريد والتصنيع وتحلية المياه. ووفقًا لتوقعاتها القائمة على السياسات الحالية، يُنتظر أن تشهد الطاقة الشمسية الكهروضوئية توسعًا كبيرًا بحلول عام 2035، في حين سيحتفظ الغاز الطبيعي بدور مهم في توليد الكهرباء.

وعلى المدى الأبعد، يمكن لهذا التحول أن يغير جغرافية القوة. فلن تعتمد الميزة الاستراتيجية على امتلاك النفط والغاز وحدهما، بل أيضًا على القدرة على إنتاج كهرباء وفيرة وتخزينها وتحلية المياه وتشغيل مراكز البيانات وتطوير صناعات جديدة. وقد تتحول الدول التي تمتلك موارد شمسية ورؤوس أموال وبنى تحتية وكفاءات علمية إلى مراكز للطاقة والتكنولوجيا ضمن اقتصاد إقليمي متحول. ولن يختفي المنتجون التقليديون للهيدروكربونات من الجغرافيا السياسية للطاقة، بل قد يسعون إلى تحويل عائداتهم وبناهم التحتية وقدراتهم الاستثمارية إلى مزايا صناعية وتكنولوجية مستدامة.

ويمكن لهذا التحول أن يغذي المنافسة أو يشجع التعاون. ففي الحالة الأولى، ستسعى كل دولة إلى بناء نظامها الخاص للطاقة وبناها التحتية وسلاسل إمدادها، بما قد يترتب على تكرار الاستثمارات من تكاليف ومواطن ضعف. أما في الحالة الثانية، فستتيح شبكات الكهرباء المترابطة، والاستثمارات المنسقة في الطاقة المتجددة، وبنى تخزين الطاقة، وممرات الطاقة، تحويل تنوع الموارد الوطنية إلى قدرة جماعية على الصمود. وعندئذ، لن يكون التحول مجرد استجابة لتغير المناخ، بل سيصبح أداة للأمن الإقليمي، شريطة أن تحترم الاتفاقات سيادة المشاركين وأن توزع التكاليف والمنافع بصورة عادلة.

132. الذكاء الاصطناعي والتحول الاقتصادي

بحلول عام 2050، من المرجح ألا يعود الذكاء الاصطناعي قطاعًا تكنولوجيًا منفصلًا عن بقية الاقتصاد. بل سيصبح مدمجًا في الصناعة والطب والزراعة والطاقة والنقل وإدارة المياه والتمويل والتعليم والإدارة العامة. وقد أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالفعل أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الإمكانات البشرية وعالم العمل والمؤسسات والخيارات الجماعية. ومع انتشار هذه التقنيات، ستصبح القدرة على التحكم فيها مسألة تنمية بقدر ما هي مسألة قوة.

وسيتمثل التحدي أمام الشرق الأوسط في تحديد ما إذا كان قادرًا على تطوير قدراته الخاصة في مجالات البيانات والبحث والحوسبة والتدريب العلمي والحوكمة الخوارزمية، أم أنه سيظل معتمدًا بصورة دائمة على تقنيات تُصمم وتُدار في أماكن أخرى. وستؤثر الإجابة في استقلاله الاستراتيجي. فالمنطقة القادرة على تحويل استثماراتها وجامعاتها وبناها التحتية الرقمية ومواردها البشرية إلى منظومات تكنولوجية متكاملة تستطيع تقليص بعض أشكال الاعتماد الخارجي. أما المنطقة التي تكتفي باستيراد الحلول، فستظل أكثر عرضة لقرارات القوى التي تتحكم في البنى التحتية والنماذج وسلاسل التكنولوجيا.

ومن هذا المنظور، تكتسب فكرة إنشاء مجلس إقليمي للذكاء الاصطناعي، المطروحة في هذا الملف، معناها الكامل. فلن تقتصر مهمته على المخاطر الأمنية، بل يمكن أن تشمل البحث والصحة والتعليم والزراعة والترجمة متعددة اللغات وإدارة المياه والتنبؤ المناخي والإدارة الحضرية. ومن شأن البرامج المشتركة ومعايير الشفافية وآليات التدريب ومشروعات البحث المتقاسمة أن تجعل التكنولوجيا رافعة للتنمية الجماعية، من دون اشتراط أن تعتمد جميع الدول النماذج السياسية أو التنظيمية نفسها.

133. المياه والمناخ

قد يكون العامل الأصعب في التفاوض هو ذلك الذي لا تستطيع الحدود الوطنية التحكم فيه إلا بقدر محدود: التحول المادي للمناخ. فالشرق الأوسط من بين المناطق الأكثر تعرضًا للحرارة الشديدة والجفاف ونقص المياه والفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر. وفي عدة بلدان، يعتمد الأمن المائي أيضًا على موارد مشتركة أو أنهار عابرة للحدود أو طبقات مياه جوفية لا يمكن فصل إدارتها بالكامل عن القرارات التي يتخذها الجيران.

وبحلول عام 2050، قد تنتقل المسألة من منطق اقتسام مورد نادر إلى إدارة منسقة لمنظومة مائية إقليمية. ويمكن لتحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي وتقليص الفاقد في شبكات التوزيع وتكييف الزراعة وحماية المياه الجوفية والتخزين والتعاون العلمي أن تشكل عناصر سياسة واحدة. وقد تزيد التكنولوجيا من حجم الإمدادات المتاحة، لكنها لن تلغي الحاجة إلى إدارة الطلب. فتحلية المياه تتطلب الطاقة والاستثمارات وإدارة بيئية صارمة، ولا سيما بسبب تصريف المحلول الملحي المركز. ولذلك، لا يمكن لأي حل تقني أن يحل محل سياسة متماسكة للحفاظ على المياه واستخدامها على نحو مستدام.

وهكذا، يمكن أن يصبح المناخ أحد أقوى المبررات للتعاون الإقليمي. فقد تختلف الدول بشأن حدودها وأنظمتها وتحالفاتها وتفسيراتها للتاريخ، لكنها لا تستطيع التفاوض كل على حدة مع موجة حر أو جفاف طويل أو اضطراب إقليمي في أنماط هطول الأمطار. وعندما يصبح الضعف مشتركًا، يتوقف التعاون تدريجيًا عن كونه مثالًا مجردًا، ويتحول إلى ضرورة استراتيجية. ولا يتطلب ذلك تخلي الدول عن مصالحها، بل اعترافها بحدود النهج الذي يقتصر على المستوى الوطني.

134. أجيال سياسية جديدة

لن يعتمد تحول الشرق الأوسط بحلول عام 2050 على عامل ظاهر مثل القدرات العسكرية أو الأسواق أو التكنولوجيا فحسب، بل أيضًا على عامل أقل وضوحًا: تجدد الأجيال. فالأجيال الشابة التي ستعيش في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن ستكون قد نشأت في بيئة تختلف عن البيئة التي شكلت الأجيال التي وضعت العقائد الإقليمية الكبرى في القرن العشرين. وستكون قد عاشت في ظل الشبكات الرقمية العالمية، والتحولات في عالم العمل، والأزمات المناخية، وأشكال تداول المعلومات التي تجعل حصر النقاشات داخل الحدود الوطنية أكثر صعوبة.

وكان تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد شدد بالفعل على أهمية منح الشباب دورًا حقيقيًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وأشار إلى الثقل الديمغرافي لهذه الفئة، وإلى الصعوبات التي تواجه تحويل المهارات إلى فرص ملموسة. ولذلك، ستتعلق المسألة بحلول عام 2050 أيضًا بانتقال السلطة وقدرة المؤسسات على استيعاب التطلعات الجديدة. فهل ستظل الآليات الإقليمية منظمة أساسًا حول الذاكرات السياسية للقرن العشرين، أم ستتمكن من مراعاة المجتمعات التي عاشت الإنترنت والذكاء الاصطناعي والأزمات المناخية وتحولات سوق العمل في وقت واحد؟

ومن غير المرجح أن تظل بنية إقليمية مستدامة حكرًا على الحكومات. بل ستحتاج أيضًا إلى إنشاء فضاءات للبحث والتبادل الجامعي والتعاون بين رواد الأعمال والحوار بين المهنيين الشباب وتداول المعارف. فقد يبدأ السلام بين الدول في وزارات الخارجية، لكن استدامته تعتمد كذلك على المجتمعات ومؤسساتها التعليمية وشبكاتها العلمية وقدرتها على بناء علاقات تصمد أمام التوترات السياسية.

135. تحول العلاقات مع القوى الخارجية

من المرجح أن تتغير علاقات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا وغيرها من القوى بحلول عام 2050. ولا ينبغي الخلط بين الاستقلال الاستراتيجي والعزلة. فالمنطقة التي تتمتع باستقلال استراتيجي يمكنها مواصلة التجارة وجذب الاستثمارات والتعاون مع شركاء خارجيين في المجالات العسكرية والعلمية والتكنولوجية. ويكمن الاختلاف في قدرتها على تجنب أن يصبح مركز قوة واحد لا غنى عنه في جميع أبعاد أمنها.

ويمكن للميثاق الإقليمي العالمي أن يسهم في هذا التحول من خلال توفير إطار للدول لتحديد بعض مصالحها المشتركة قبل التفاوض مع شركائها الدوليين. وستظل القوى الخارجية مهمة، لكن الحكومات الإقليمية قد تمتلك قدرة جماعية أكبر على تحديد أولوياتها وتنويع علاقاتها وتقييم عواقب خياراتها. وعندئذ، ستصبح التعددية الإقليمية مكملة للدبلوماسية العالمية، لا نقيضًا لها. ولن يكون الهدف استبدال أشكال الاعتماد الوطني باعتماد جماعي، بل تعزيز قدرة الدول على اختيار شراكاتها.

أفق 2100

136. شرق أوسط قد يصبح أكثر تكاملًا

يفرض أفق عام 2100 تغييرًا في طريقة التفكير والتعبير. فالادعاء بمعرفة شكل الشرق الأوسط السياسي بعد أربعة وسبعين عامًا سيكون ادعاءً هشًا من الناحية الفكرية. إذ قد تتغير الحدود والتقنيات والاقتصادات والأنظمة السياسية، بل وربما بعض المفاهيم الجيوسياسية المستخدمة اليوم، تغيرًا عميقًا. ولذلك، من الأدق النظر إلى عام 2100 باعتباره أفقًا للتأمل التاريخي، يتيح بحث المدى الذي يمكن أن يصل إليه، من الناحية النظرية، تحول يبدأ اليوم.

وفي حال تحقق تعاون تدريجي، قد يشهد الشرق الأوسط شكلًا من أشكال التكامل الوظيفي من دون أن يتحول بالضرورة إلى دولة اتحادية أو اتحاد سياسي. ويمكن أن تبقى الحدود الوطنية قائمة، بينما تصبح بعض البنى التحتية إقليمية، مثل شبكات الكهرباء وممرات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية والمنظومات المائية والمنصات العلمية وآليات إدارة الكوارث والبنى التحتية الرقمية والأسواق المتخصصة. ومن ثم، لن يعني التكامل اختفاء الدول، بل قدرتها على تقاسم بعض الوظائف طوعًا من دون التخلي عن هويتها السياسية.

ويندرج هذا التطور ضمن منطق لوحظ بالفعل في مناطق أخرى من العالم: فعندما تصبح بعض الموارد والبنى التحتية مترابطة إلى درجة تجعل إدارتها بمعزل عن الآخرين أمرًا بالغ الصعوبة، تستطيع الدول تنسيق جزء من سياساتها من دون التخلي عن سيادتها. وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، سيكون السؤال هو ما إذا كان هذا التنسيق يمكن أن يمتد تدريجيًا من المياه والطاقة إلى الأمن والتكنولوجيا، ثم إلى إدارة التنافسات السياسية في نهاية المطاف.

137. إمكانية قيام أمن إقليمي مشترك

قد يتطور مفهوم الأمن نفسه بحلول عام 2100. فلن يُقاس أمن الدولة بقدراتها العسكرية وحدها، بل أيضًا بقدرة بنيتها التحتية على الصمود، وموثوقية إمدادات الطاقة، وتوافر المياه، وحماية البيانات، ومتانة المؤسسات، وجودة نظام الرعاية الصحية، والقدرة على استيعاب الكوارث المناخية أو التكنولوجية.

وفي مثل هذه البيئة، لن يعني الأمن الإقليمي المشترك بالضرورة قيام منظومة دفاع عسكري متكاملة. فقد يقوم على الاعتراف بوجود مواطن ضعف مشتركة بما يكفي لتبرير آليات دائمة للحماية والتنسيق. ومن ثم، يمكن مواجهة كارثة مناخية كبرى أو جائحة أو انقطاع في إمدادات الطاقة أو هجوم إلكتروني واسع النطاق أو اضطراب في الإمدادات الغذائية باستجابة إقليمية قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية خارجة عن السيطرة.

وسيكون التحول في المقام الأول تحولًا مفاهيميًا. فخلال جزء كبير من القرن العشرين، فُهم الأمن غالبًا باعتباره قدرة الدولة على مقاومة البيئة المحيطة بها. وقد يفرض القرن الحادي والعشرون تدريجيًا تعريفًا مختلفًا: قدرة الدولة على الحفاظ على أمنها بالتعاون مع محيطها. ولن يتوقف الجار عن كونه طرفًا له مصالح متميزة، لكنه قد يصبح عنصرًا لا غنى عنه لتعزيز القدرة الجماعية على الصمود.

138. مكانة إسرائيل

لا يمكن اليوم تحديد مكانة إسرائيل في شرق أوسط متحول على نحو يقيني. فذلك سيتوقف على تطور علاقاتها مع جيرانها، وتسوية القضية الفلسطينية، وخياراتها الاستراتيجية، وقدرة المنطقة على إنشاء آليات أمنية مقبولة لدى الجميع. ومع ذلك، وفي ظل افتراض قيام بنية إقليمية مستدامة، لن يكون من الممكن إلى ما لا نهاية جعل الإقصاء الدائم لدولة رئيسية مبدأً منظمًا لأمن جماعي حقيقي.

وقد تحتفظ إسرائيل بهويتها الوطنية وقدراتها العسكرية وعلاقاتها الدولية وسياسة دفاع مستقلة، مع مشاركتها تدريجيًا في بعض الآليات الإقليمية. ويمكن أن تبدأ هذه المشاركة في المجالات التي تبدو فيها المصالح المشتركة أكثر وضوحًا، مثل المياه والمناخ والصحة والبحث العلمي والتكنولوجيا والوقاية من الكوارث والطاقة وحماية البنى التحتية. أما المسائل الأكثر حساسية، فيمكن أن تظل موضع معالجة منفصلة إلى أن تسمح الظروف السياسية بإحراز تقدم أكبر.

لكن هذا التصور ينبغي ألا يقلب متطلبات تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. فالبنية الإقليمية ذات المصداقية يجب أن تعترف بحقوق الفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير وبضرورة التوصل إلى حل سياسي يتفق مع القانون الدولي. ولا يجوز للتعاون الإقليمي أن يحل محل هذه التسوية أو أن يصبح وسيلة للالتفاف عليها. لكنه قد يسهم في تهيئة بيئة تجعل الاتفاقات السياسية أكثر استدامة، ولا يُنظر فيها إلى أمن الإسرائيليين وأمن الفلسطينيين باعتبارهما أمرين متعارضين بالضرورة.

وبذلك، يختلف هذا المنطق عن النهج الذي ينتظر تسوية مثالية قبل الشروع في أي تعاون. فقد تسهم بعض أشكال التعاون في تهيئة الظروف السياسية اللازمة لمعالجة القضايا الأصعب تدريجيًا، شرط ألا تضفي شرعية على الظلم أو تستبدل الحقوق السياسية بمشروعات اقتصادية.

139. مكانة إيران

ينطبق التفكير نفسه على إيران. فثقلها السكاني والجغرافي والطاقوي والعلمي والتاريخي يعني أن أي بنية مستدامة للشرق الأوسط لن تستطيع تجاهل وجودها بسهولة. ولا يعني ذلك اختفاء الخلافات الراهنة أو مطالبة الدول الأخرى بقبول السياسات الإيرانية من دون نقاش. بل يعني أن النظام الإقليمي المتكامل ينبغي أن يوفر لإيران، في نهاية المطاف، إطارًا تُبحث فيه مصالحها وفق المبادئ نفسها التي تطبق على المشاركين الآخرين، وهي القدرة على التنبؤ والتبادلية والتسوية السلمية للنزاعات.

وتزداد أهمية هذا التحدي في المجالين النووي والاستراتيجي. إذ لا يمكن للاستقرار الطويل الأمد أن يستند حصريًا إلى الردع أو التفوق العسكري لطرف واحد. بل يتطلب آليات للشفافية والتحقق وتسوية الأزمات، تقبل بها الأطراف المعنية وتتوافق مع القانون الدولي. ومن هذا المنظور، لن يكون إدماج إيران في بنية إقليمية مكافأة سياسية، بل عنصرًا في السعي إلى إقامة نظام تستطيع فيه الأطراف التعبير عن مصالحها الأمنية ومناقشتها وإخضاعها لإجراءات منظمة بدلًا من تركها رهينة المواجهة وحدها.

وسيظل هذا التطور مشروطًا بخيارات سياسية ملموسة، ولا سيما احترام الالتزامات الدولية، والشفافية في المجالات الحساسة، والاستعداد لمعالجة المخاوف الأمنية لدى الدول الأخرى. ولا يعني الشمول غياب القواعد، بل يفترض، على العكس، أن تكون القواعد مشتركة وصريحة ومطبقة بصورة متسقة.

140. مكانة الدول العربية

لن تشكل الدول العربية بدورها كتلة متجانسة. فمصالحها الاقتصادية وأنظمتها السياسية وعلاقاتها الخارجية وتصوراتها للتهديدات تختلف فيما بينها. ومع ذلك، قد يمنحها المستقبل الإقليمي وزنًا جماعيًا كبيرًا إذا نجحت في تنسيق بعض سياساتها من دون السعي إلى توحيد مواقفها بالكامل.

ويمكن للسعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر والأردن والعراق وسائر الدول العربية أن تسهم في بنية إقليمية بأدوار مختلفة. فقد توفر بعض الدول القدرات المالية، بينما تقدم دول أخرى البنى التحتية أو موارد الطاقة أو المواقع الجغرافية أو القدرات الدبلوماسية أو الأسواق أو الكفاءات البشرية أو المؤسسات العلمية. ومن ثم، لن يتطلب التعاون أن تصبح الدول متشابهة، بل أن تتعلم تحويل اختلافاتها إلى عناصر تكامل، وأن تنظم خلافاتها من دون السماح لها بتعطيل كل مبادرة مشتركة.

141. مكانة القوى الخارجية

قد يقيم الشرق الأوسط في عام 2100 علاقات مع القوى الخارجية تتسم بقدر أقل من التبعية. فمن الممكن أن تظل الولايات المتحدة شريكًا مهمًا، وأن تحتفظ الصين بنفوذ اقتصادي وتكنولوجي كبير، وأن تظل أوروبا جارًا استراتيجيًا، وأن تظهر قوى أخرى خلال العقود المقبلة. ومع ذلك، قد تتمكن منطقة أكثر نضجًا من الناحية المؤسسية من التفاوض مع كل منها انطلاقًا من قاعدة جماعية أكثر صلابة.

ولن يعني هذا التطور اختفاء المنافسة العالمية، بل أن هذه المنافسة لن تعود محددًا كاملًا للتنظيم الداخلي للشرق الأوسط. فقد تتحول المنطقة إلى فاعل جيوسياسي قائم بذاته، بدلًا من أن تكون مساحة تُعرَّف أساسًا وفق استراتيجيات القوى الخارجية. ولن يتجسد استقلالها في العزلة، بل في قدرتها على اختيار شراكاتها من دون السماح لعلاقة بعينها بتحديد مجمل بنيتها الأمنية والتنموية والتعاونية.

142. فرضية شرق أوسط ما بعد النزاعات

لا ينبغي فهم مصطلح «ما بعد النزاعات» على أنه اختفاء كل خلاف. فلا يوجد نظام سياسي مستدام قادر على إزالة تضارب المصالح بالكامل. والمقصود هو شرق أوسط لا تعود فيه الحرب الأداة المعتادة لحل الأزمات الإقليمية الكبرى. وستستمر الخلافات الإقليمية والسياسية والاقتصادية والأيديولوجية، لكنها ستُعالج ضمن بيئة مؤسسية تكتسب فيها المفاوضات والوساطة والتحكيم والآليات الجماعية وزنًا أكبر من التصعيد العسكري.

وسيكون هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه سيغير الممارسات الحكومية والتصورات الجماعية معًا. فقد تشكلت مجتمعات عديدة في المنطقة، على مدى أجيال، بفعل سرديات الحرب والنزوح والفقد والتهديد والرغبة في الانتقام. ولن تتمكن بنية إقليمية مستقرة من محو هذه الذاكرات أو فرض قراءة موحدة للتاريخ، لكنها تستطيع منع هذه الذاكرات من تحديد المستقبل إلى أجل غير مسمى.

ومن المرجح أن يظل شرق أوسط عام 2100 منطقة تتعايش فيها حضارات وأديان وأمم ولغات ومصالح مختلفة. ولن يكون نجاحه في أن يصبح متجانسًا، بل في أن يتعلم العيش مع تنوعه بصورة مستدامة. وإذا نجح الميثاق الإقليمي العالمي في تحويل أوجه الترابط المتبادل إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ممارسات راسخة، والممارسات إلى ثقافة سياسية، فقد تتراجع تدريجيًا فكرة بناء الأمن في مواجهة الجار لتحل محلها فكرة بنائه بالتعاون معه.

ولا يتيح أفق عام 2100 أي يقين. لكنه يتيح طرح سؤال يتجاوز الجغرافيا السياسية الآنية: ماذا سنورث للأجيال التي لا تعرف بعد شرق أوسط عام 2026؟ هل سنورثها منطقة أسيرة حروبها المتعاقبة، أم منطقة استخدمت أزمات عصرها لابتكار مؤسسات العصر التالي؟ لا توجد حتمية تاريخية بين هذين الاحتمالين، بل سلسلة طويلة من القرارات البشرية.

اليوم الذي لن يعود فيه العدو قدرًا محتومًا

143. هل يمكن لأعداء اليوم أن يصبحوا شركاء الغد؟

في بداية هذا الملف، ربما بدا سؤال ما بسيطًا أكثر مما ينبغي بالنسبة إلى منطقة تمزقها الحروب والثورات وعمليات النزوح والتنافس على النفوذ والذاكرات المتعارضة: كيف أصبحت إسرائيل وإيران عدوّتين، بعدما أقامتا قبل عام 1979 علاقة تعاون استراتيجي مهمة إلى حد يجعل استحضارها اليوم أشبه باستعادة واقع يكاد يكون غير قابل للتصديق؟ ويحتوي هذا التساؤل التاريخي على سؤال آخر أعمق وأكثر عمومية: هل العداء المستدام قدر تاريخي محتوم، أم تستطيع المجتمعات والدول تغيير الأنظمة السياسية التي جعلت هذا العداء، تدريجيًا، جزءًا بنيويًا من واقعها؟ لا يمنح التاريخ أي ضمانات، لكنه يبين أن العلاقات الدولية ليست ثابتة تمامًا. فقد يتحول الحلفاء إلى خصوم، وقد يدخل الخصوم في مفاوضات، كما تستطيع مجتمعات تواجهت على مدى أجيال أن تنشئ مؤسسات تهدف إلى جعل تعايشها أقل خطورة. ولا يمحو أي من ذلك الجراح أو تضارب المصالح أو التصورات الأمنية التي أفضت إلى النزاع. إنما يعني ببساطة أن التاريخ يفسر الحاضر من دون أن يحكم بالضرورة على المستقبل بالبقاء أسيرًا له.

وتوضح تطورات العلاقات بين إسرائيل وإيران منذ عام 1979 هذا التمييز. فقد شكلت الثورة الإيرانية قطيعة أيديولوجية وسياسية كبرى، لكن تحول العلاقة إلى مواجهة استراتيجية مستدامة جرى تدريجيًا، من خلال الحروب الإقليمية، وصعود حزب الله، والتحولات التي شهدها النظام الشرق أوسطي، والبرنامج النووي الإيراني، والعمليات السرية، والهجمات السيبرانية، والمواجهات غير المباشرة، وصولًا إلى المواجهات العسكرية المباشرة. ولذلك، لم يظهر العدو في يوم واحد، بل ترسخ تدريجيًا في العقائد الأمنية والمؤسسات والأجهزة الاستخباراتية والتحالفات والتقنيات والتصورات السياسية. ولهذا السبب، فإن تجاوز هذه العداوة، إذا أصبح ممكنًا يومًا ما، لن يتحقق بمجرد إصدار إعلان دبلوماسي، بل سيتطلب تغيير جزء من المنظومة التي تعيد إنتاج انعدام الثقة وتحول كل قدرة جديدة يكتسبها طرف إلى مصدر إضافي للقلق لدى الطرف الآخر.

ولا يعني هذا الاستنتاج بأي حال إنكار التهديدات أو مطالبة الدول بالتخلي عن أمنها أو الاعتقاد بأن حسن النية وحده قادر على حل الخلافات. فلا يمكن بناء بنية موثوقة للسلام بمعزل عن الواقع، بل ينبغي أن تنطلق منه. وستواصل إسرائيل اعتبار أمنها مسألة وجودية، وستدافع إيران عن مصالحها الاستراتيجية وسيادتها، وستسعى الدول العربية إلى حماية أراضيها وسكانها واقتصاداتها، وستظل القضية الفلسطينية محورية، كما ستواصل القوى الخارجية ممارسة نفوذها. ولن تختفي المنافسات الإقليمية لمجرد إنشاء مؤسسة جديدة. ولذلك، لا تكمن المشكلة في إزالة الخلاف، بل في منع تحوله تلقائيًا إلى تصعيد.

ويتضمن القانون الدولي بالفعل مبادئ تتيح التفكير في هذا التحول. فالمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة تعترف بالتفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية والترتيبات الإقليمية ضمن الوسائل المتاحة للبحث عن حل سلمي للنزاعات. ولا يجعل هذا التصور السلام مشروطًا بقيام الصداقة بين الأطراف، بل يقر بإمكان استمرار الخلاف العميق مع إخضاعه لإجراءات تهدف إلى منعه من الانحدار إلى العنف. ومن ثم، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بكيفية إزالة العدو، وأكثر ارتباطًا بكيفية بناء بيئة مؤسسية لا يجعل فيها وجود الخصم المواجهة الدائمة أمرًا لا مفر منه.

وهكذا، يمكن لأعداء اليوم أن يصبحوا شركاء الغد، لكن الشراكة ليست على الأرجح نقطة البداية. فقد تكون نتيجة سلسلة من التحولات المحدودة: الإبقاء على قناة اتصال مفتوحة أثناء أزمة، والتحقق من حادث قبل تفسيره، وقبول الوساطة قبل الرد، وحماية بنية تحتية مشتركة لأن تدميرها سيضر بالجميع، أو إدارة مورد مائي بصورة مشتركة لأن أي دولة لا تستطيع الادعاء بالسيطرة عليه وحدها. وليست الثقة الكاملة شرطًا مسبقًا للتعاون بالضرورة. ففي بعض الحالات، يكون التعاون المتكرر هو الذي يخلق تدريجيًا الحد الأدنى من الشروط اللازمة لبناء الثقة.

144. السلام بوصفه بنية متكاملة، لا مجرد غياب الحرب

يكتسب هذا التمييز أهمية أكبر عندما نوسع نطاق النظر إلى ما يتجاوز المواجهة العسكرية. فقد تمر منطقة بفترة خالية من الحرب المفتوحة، بينما تظل معرضة لنقص المياه والصدمات المناخية وانقطاع الطاقة والأزمات الغذائية والهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي والنزوح السكاني وتدهور البنى التحتية والاضطرابات الاقتصادية. ويجعل القرن الحادي والعشرون الفصل بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي والأمن البيئي والأمن الإنساني أكثر صعوبة يومًا بعد يوم. فقد يؤدي هجوم على شبكة كهرباء إلى عواقب اقتصادية وصحية؛ ويمكن لاضطراب في الطاقة أن يؤثر في أسعار الأسمدة والإنتاج الزراعي؛ وقد يؤدي الجفاف إلى تفاقم التوترات الاجتماعية؛ كما يمكن لأزمة مناخية أن تزيد من حركة النزوح، ويمكن لهجوم سيبراني أن يعطل البنى التحتية من دون عبور أي حدود مادية. ولذلك، لم يعد من الممكن تعريف السلام بغياب القتال وحده.

بل ينبغي النظر إلى السلام تدريجيًا باعتباره بنية متكاملة. وهذه البنية تحتاج إلى الدبلوماسيين والعسكريين، لكنها تحتاج أيضًا إلى الحقوقيين والعلماء والمهندسين والاقتصاديين والمتخصصين في المياه والطاقة والمناخ والصحة والتقنيات الرقمية. وهي تحتاج إلى اتفاقات أمنية، لكنها تحتاج كذلك إلى شبكات كهرباء مترابطة، وآليات مشتركة لإدارة المياه، وأنظمة إنذار مبكر، وقدرات إقليمية للاستجابة للكوارث، ومعايير للذكاء الاصطناعي، وإجراءات لحماية البنى التحتية الحيوية. ومن هذا المنظور، تتضح وحدة الركائز التسع للميثاق الإقليمي العالمي. فالامتناع عن العدوان والأمن الجماعي والأمن النووي والاستراتيجي والأمن البحري والطاقة والمياه والمناخ والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا وحوكمة الذكاء الاصطناعي ليست تسعة ملفات منفصلة، بل تمثل أبعادًا مختلفة لمشكلة واحدة: كيف يمكن الحفاظ على سيادة الدول مع الاعتراف بأن بعض الشروط الأساسية لأمنها باتت تعتمد على استقرار جيرانها؟

ولا يقوم هذا التصور على خيال منفصل عن التجربة الدولية. فقد طورت الأمم المتحدة مبادئ الدبلوماسية الوقائية والوساطة، فيما يعترف الفصل الثامن من ميثاقها بالدور الذي يمكن أن تؤديه الترتيبات الإقليمية في التسوية السلمية للنزاعات، مع الالتزام بأحكام الميثاق. كما تقدم التجربة الأوروبية درسًا يستحق الدراسة من دون تحويله إلى نموذج يُنسخ حرفيًا. فقد أرست الوثيقة الختامية لهلسنكي، التي وقعتها خمس وثلاثون دولة عام 1975، إطارًا للحوار والالتزامات المشتركة بين دول كانت متعارضة بعمق في سياق الحرب الباردة. وتبين العملية التي تطورت لاحقًا إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن بنية أمنية يمكن أن تبدأ العمل حتى عندما لا تختفي الخلافات الأساسية بين المشاركين فيها.

ومع ذلك، لا يمكن للشرق الأوسط أن يتحول إلى نسخة من أوروبا. فتاريخه وحدوده وأنظمته السياسية ونزاعاته الإقليمية وموارده الطاقوية ومواطن ضعفه المائية وعلاقاته بالقوى الخارجية ومساراته الدينية والحضارية تختلف عن التجربة الأوروبية. ولذلك، لا يكمن الدرس الحقيقي من هلسنكي في نموذج مؤسسي ضيق، بل في دلالته التاريخية: تستطيع الدول قبول بناء آليات مشتركة قبل أن تحل جميع خلافاتها. ويمكن للحوار أن يكون أداة لإدارة النزاع قبل أن يصبح، ربما، أداة لتحويله. وهذا التمييز أساسي بالنسبة إلى الشرق الأوسط. فلا ينبغي انتظار تسوية جميع القضايا قبل البدء بالتعاون، لأن بعض أشكال التعاون قد تساعد على تهيئة الظروف السياسية اللازمة لمعالجة القضايا الأكثر صعوبة تدريجيًا.

ولا يعني السلام وفق هذا التصور مصالحة مصطنعة أو اختفاء الهويات الوطنية. فهو لا يطلب من الإسرائيليين نسيان تاريخهم، ولا من الإيرانيين التخلي عن سيادتهم، ولا من الفلسطينيين التنازل عن حقوقهم، ولا من الدول العربية التضحية بمصالحها. بل يتطلب أمرًا أكثر واقعية، وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: قبول إمكانية تنظيم التعايش قبل اكتمال الثقة. فقد لا تكون الصداقة هي الخطوة الأولى، بل القدرة على التنبؤ بالسلوك؛ وقد تفضي هذه القدرة إلى تعايش أكثر استقرارًا، ثم إلى ترابط متبادل بين المصالح، قبل أن يجعل هذا الترابط التعاون أكثر عقلانية من المواجهة. وعندئذ، يصبح السلام عملية مؤسسية مستمرة، لا حدثًا عابرًا، وقادرًا على الصمود أمام الأزمات وتغير الحكومات.

145. الرهان الحقيقي للقرن الحادي والعشرين

لعل الرهان الحقيقي للقرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على تحديد القوة التي ستفرض هيمنتها على الشرق الأوسط. فهذا السؤال يظل مهمًا، لأن القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية ستواصل تحديد جانب من موازين القوى. لكن هذه الأدوات لن تكفي وحدها لقياس القوة الحقيقية لأي مجتمع. فقد تمتلك دولة جيشًا ضخمًا وتظل معرضة لأزمة مائية؛ وقد تحوز موارد مالية هائلة وتبقى عرضة لانقطاع الطاقة؛ وقد تطور ذكاءً اصطناعيًا متقدمًا بينما تعتمد على بنى تحتية تكنولوجية أجنبية؛ أو تحقق تفوقًا عسكريًا من دون أن تتمكن من إنهاء عدم الاستقرار الإقليمي الذي يستنزف مواردها باستمرار. وهكذا، يصبح السؤال الاستراتيجي الأساسي مختلفًا: ما البنية السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والإنسانية التي ستختار مجتمعات الشرق الأوسط بناءها حول أوجه الترابط المتبادل بينها؟

ويتجاوز هذا السؤال إسرائيل وإيران بكثير. فهو يخص الدول العربية وتركيا وإسرائيل وإيران وفلسطين وسائر المجتمعات التي تتأثر مباشرة بالتحولات الإقليمية. كما يخص الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا والقوى الأخرى التي تربطها بالمنطقة علاقات استراتيجية أو اقتصادية أو تكنولوجية. لكنه يخص، قبل كل شيء، الأجيال التي ستعيش مع نتائج الخيارات المتخذة اليوم. فبوسع الشرق الأوسط أن يواصل تنظيم جانب من مستقبله حول الاستعداد للأزمة المقبلة، أو أن يبدأ بتخصيص قدر أكبر من الموارد والخيال السياسي لبناء قدرة جماعية على استيعاب الأزمات من دون أن تتحول تلقائيًا إلى حروب.

ولا يتطلب المسار الأول اندلاع حرب دائمة بالضرورة. فقد يتخذ شكلًا أكثر خفاءً: منافسات متقطعة، وتحالفات متغيرة، وردع مستمر، وأزمات متكررة، ومواجهات غير مباشرة، وهجمات سيبرانية، واتفاقات مؤقتة. وقد تشهد المنطقة في ظل هذا المسار فترات من النمو والازدهار، لكنها ستظل معرضة بنيويًا لخطر أن تؤدي كل أزمة جديدة إلى تدمير جزء من المكاسب السابقة. أما المسار الثاني، فلا يضمن السلام بدوره. لكنه يفترض أن تخصص الدول جزءًا من مواردها لآليات تجعل الأزمات أكثر قابلية للتنبؤ، والاتصالات أسرع، والوساطة أكثر إتاحة، والتعاون أكثر فائدة. ومن ثم، لا يكمن الفرق بين عالم مثالي وآخر خطير، بل بين نظام يعيد إنتاج مواطن ضعفه في المقام الأول، ونظام يسعى إلى تحويلها تدريجيًا.

وفي أفق عام 2030، سيكون السؤال هو ما إذا كانت آليات الوقاية قد أصبحت متينة بما يكفي لمنع انتشار بعض الأزمات. أما في أفق عام 2050، فسيتعلق الأمر بقدرة المنطقة على إدارة المياه والطاقة والمناخ والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية الكبرى بصورة مشتركة. وفي أفق عام 2100، إذا ظل هذا الاحتمال قابلًا للتصور، فقد يصبح السؤال ما إذا كانت دول الشرق الأوسط قد نجحت في الحفاظ على هوياتها وسياداتها، مع بناء قدر كافٍ من الترابط المتبادل يجعل الحرب تتوقف عن كونها الآلية الرئيسية لتنظيم المنافسات. ولا تمثل هذه الآفاق تنبؤات بالمستقبل، بل ثلاث محطات يمكن من خلالها قياس تحول محتمل في النظام الإقليمي.

ومن غير المرجح أن يبدأ مثل هذا التحول بإعلان تاريخي عظيم. فقد ينشأ من قرارات أكثر تواضعًا وملموسية: الإبقاء على قناة اتصال مفتوحة أثناء أزمة، وقبول التحقق من حادث قبل إسناد المسؤولية عنه علنًا، وإتاحة الفرصة لوساطة إقليمية قبل أن تصبح المواقف غير قابلة للتراجع، وحماية بنية تحتية تعتمد عليها عدة دول، وتنسيق إدارة مورد مائي عابر للحدود، وتبادل البيانات المناخية، أو وضع معايير مشتركة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد تبدو هذه الخطوات صغيرة عند مقارنتها بالحروب والاستراتيجيات العسكرية الكبرى، لكنها تشكل المادة التي تكتسب منها المؤسسات واقعها السياسي. فالبنية الإقليمية لا تنشأ من المعاهدات التي توقعها فحسب، بل من السلوكيات التي تجعل تلك المعاهدات ممارستها ممكنة بصورة تدريجية.

وهنا يعود السؤال الذي يمنح هذا الملف عنوانه: متى يصبح العدو هو النظام نفسه؟ يحدث ذلك عندما لا يعود الخوف من الآخر مجرد استجابة لتهديد يمكن تحديده، بل يتحول إلى المبدأ الذي تنتظم حوله منظومة الأمن والدبلوماسية والتحالفات والتكنولوجيا والاستثمارات والتصورات الجماعية. وفي مثل هذا النظام، قد يتصرف كل طرف بعقلانية لحماية نفسه، لكنه يسهم، من خلال تراكم تدابير الحماية التي يتخذها، في تعزيز انعدام الأمن العام. وهذه هي المفارقة المركزية للأمن الإقليمي: ما يبدو معقولًا على مستوى دولة واحدة قد يصبح عاملًا لزعزعة الاستقرار عندما تكرره جميع الدول الأخرى في الوقت نفسه.

ولا يعني تغيير هذا النظام إزالة العدو بقرار إداري أو إعلان سياسي. بل يعني تقليص قدرة العداوة تدريجيًا على تنظيم المنطقة بأكملها. فقد يظل الجار خصمًا في بعض القضايا من دون أن يُنظر إليه في الوقت نفسه باعتباره تهديدًا في جميع المجالات الأخرى. ويمكن لدولة أن تحتفظ بقدراتها الدفاعية بينما تتعاون مع جيرانها في إدارة المياه. وقد تظل حكومتان على خلاف عميق بشأن قضية سياسية، بينما تحميان معًا بنية تحتية للطاقة. كما يمكن لمجتمعات أن تحتفظ بذاكرات تاريخية مختلفة، مع قبولها آليات مشتركة لتسوية النزاعات. وقد يشكل هذا الفصل بين الاختلاف والتدمير أحد أهم الابتكارات الدبلوماسية في هذا القرن.

ولذلك، إذا حدث تحول تاريخي، فلن يقع بالضرورة في اليوم الذي تعلن فيه إسرائيل وإيران صداقتهما، ولا حتى في اليوم الذي تُسوّى فيه جميع نزاعات الشرق الأوسط نهائيًا. فقد يبدأ عندما تعترف الحكومات بأن الأمن المستدام لكل دولة يعتمد أيضًا على قدرة جيرانها على البقاء مستقرين وقادرين على التنبؤ بسلوكهم والتواصل فيما بينهم. وعندئذ، يمكن أن يتغير مفهوم المصلحة الوطنية نفسه تدريجيًا. فحماية الطرف الآخر من بعض أشكال الانهيار لن تُعد بالضرورة تنازلًا للخصم، بل قد تصبح وسيلة لحماية المصالح الذاتية.

وربما يكمن هنا المعنى الحقيقي لنظام إقليمي جديد. فالمسألة لا تقتصر على معرفة القوة التي ستحل محل قوة أخرى، أو الدولة التي ستسيطر على منطقة نفوذ معينة، أو التحالف الذي سيخلف تحالفًا سابقًا. إن النظام الجديد حقًا هو الذي لا تُقاس فيه القوة فقط بالقدرة على فرض الخسائر على الخصم، بل أيضًا بالقدرة على خلق الاستقرار والقدرة على الصمود والمعرفة والابتكار والازدهار في المحيط الإقليمي. ومن هذا المنظور، لن تختفي السيادة، بل ستكتسب بُعدًا إضافيًا: القدرة على المشاركة الطوعية في آليات جماعية تعزز الأمن الوطني بدلًا من أن تنتقص منه.

ولا توجد أي ضمانة بأن يسلك الشرق الأوسط هذا المسار. فالتاريخ لا يقدم سيناريو إلزاميًا، وتظل الجغرافيا السياسية محكومة بالخيارات وموازين القوى والحوادث والقرارات البشرية. لكن هذا تحديدًا هو السبب الذي يمنع اعتبار المستقبل أمرًا محسومًا سلفًا. فلا تزال الأجيال التي تعيش اليوم تداعيات الأزمات الإقليمية قادرة على الإسهام في تحديد المؤسسات التي سترثها الأجيال اللاحقة. ولذلك، لا يتمثل السؤال في معرفة ما إذا كان السلام المثالي ممكنًا، بل في معرفة ما إذا كانت منطقة خصصت موارد ضخمة للاستعداد للحرب تستطيع أن تخصص قدرًا مماثلًا من ذكائها السياسي للاستعداد للتعايش.

وربما ينظر المؤرخون يومًا ما إلى الشرق الأوسط في مطلع القرن الحادي والعشرين باعتباره منطقة واجهت مفترق طرق تاريخيًا. فمن جهة، هناك إغراء الاستمرار في تطوير آليات المواجهة إلى ما لا نهاية، والتعامل مع كل تقنية جديدة باعتبارها سلاحًا، وكل جار باعتباره تهديدًا محتملًا، وكل أزمة باعتبارها تأكيدًا على ضرورة الاستعداد للأزمة التالية. ومن جهة أخرى، هناك إمكانية أبطأ بكثير، وأكثر صعوبة بلا شك، لابتكار مؤسسات تتلاءم مع منطقة لا تتشارك شعوبها التاريخ نفسه ولا المصالح نفسها ولا الرؤى نفسها للعالم، لكنها ترتبط بوقائع لا تستطيع أي حدود احتواءها بالكامل: المياه والمناخ والطاقة والأسواق والهجرة والتكنولوجيا والمعلومات والمخاطر المشتركة.

لا نعرف اليوم أي المسارين سيحتفظ به التاريخ. لكن يمكننا أن ندرك أن المستقبل لن تحدده الأسلحة المتاحة والتحالفات القائمة وموازين القوى الموروثة من الماضي وحدها. بل سيتوقف أيضًا على قدرة المجتمعات على تصميم مؤسسات قوية بما يكفي لمنع خلافاتها من إنتاج العنف بصورة تلقائية. وإذا تمكن الشرق الأوسط يومًا ما من اجتياز هذه المرحلة، فلن يكون السلام مجرد غياب حرب جديدة، بل سيصبح طريقة لتنظيم التعايش على نحو مستدام.

وعندئذ، لن يكون العدو قد اختفى بالضرورة. فلن تكون الخلافات قد مُحيت، ولا الذاكرات قد أُبطلت، ولا السيادات قد ذابت. لكن العدو سيكون قد كف عن أن يكون قدرًا محتومًا، لأن وجوده لن يعود وحده هو الذي يحدد بنية العالم الذي يعيش فيه من يوجدون على جانبي الحدود. وربما يكون هذا أعظم طموح يستطيع القرن الحادي والعشرون أن يقدمه إلى الشرق الأوسط: ليس الوعد بأن شعوبه ستتوقف يومًا عن الاختلاف، بل إتاحة الفرصة لها لاكتشاف أن الاختلاف لا يفرض عليها العيش إلى الأبد في خوف بعضها من بعض.

نظرة CPGNNews

إسرائيل وإيران: هل يمكن للتاريخ أن يتحول من جديد إلى جسر للتواصل؟

هناك في تاريخ الشرق الأوسط حقائق غطّتها الأزمات المتعاقبة إلى حدّ كبير، حتى كادت تختفي من الذاكرة الجماعية. ومن أبرز هذه الحقائق طبيعة العلاقة بين إسرائيل وإيران. ففي الوقت الراهن، ترتبط أسماؤهما بالمواجهة والردع والاستخبارات والصواريخ والبرنامج النووي والتحالفات المتنافسة ومخاطر التصعيد الإقليمي. غير أن هذه العلاقة لم تكن قائمة على العداء في جميع مراحلها. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، أقامت إيران الشاه وإسرائيل، على مدى عدة عقود، علاقات يصفها المؤرخون بأنها تفاهم استراتيجي غير رسمي. ولا تمثل هذه الحقيقة مجرد تفصيل ثانوي أو دعوة إلى الحنين السياسي إلى الماضي، بل تشكل مفتاحاً لفهم الكيفية التي يمكن بها لشريك أن يتحول إلى خصم، ولماذا لا ينبغي اعتبار أي ترتيب جيوسياسي ثابتاً إلى الأبد.

ومن الضروري التذكير بنقطة البداية بدقة. ففي 6 مارس 1950، اعترفت إيران بإسرائيل اعترافاً بحكم الأمر الواقع، من دون أن تقيم معها علاقات دبلوماسية رسمية مماثلة للعلاقات القائمة بين حليفين معلنين. وأغلقت حكومة محمد مصدق القنصلية الإيرانية في القدس في يوليو 1951، لكنها لم تسحب ذلك الاعتراف. واستمر التعاون الاقتصادي، ولا سيما في مجالات التجارة والزراعة والمساعدة التقنية. كما أُنشئ خط ائتمان عام 1953، وأسهمت شركة التجارة الإيرانية الإسرائيلية، المعروفة باسم IRIS، في تنمية المبادلات التجارية. وبذلك، لم تبدأ العلاقة بتحالف عسكري سري، بل تطورت تدريجياً انطلاقاً من مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية تلاقت في بيئة إقليمية اتسمت بالحرب الباردة والقومية العربية والتنافس بين القوى الكبرى.

ومنذ أواخر خمسينيات القرن العشرين، اتخذ هذا التقارب بُعداً استراتيجياً أكثر وضوحاً. فإسرائيل، التي واجهت عزلة إقليمية، سعت إلى إقامة علاقات مع دول غير عربية أو تقع على أطراف المجال العربي، لتعويض غياب العلاقات الطبيعية مع جزء كبير من جيرانها. ووجدت إيران الشاه بدورها مصلحة في هذا التقارب. فقد سعت طهران إلى تعزيز أمنها، واحتواء بعض ديناميات القومية العربية، والحفاظ على استقلالية قرارها في مواجهة التحولات الإقليمية والنفوذ السوفياتي. وأسهم صعود جمال عبد الناصر، والاضطرابات التي أحدثتها الثورة العراقية عام 1958، وتوترات الحرب الباردة، في تقريب الدولتين. ولم يقم هذا التقارب على هوية أيديولوجية مشتركة، بل على قراءة براغماتية لمصالح كل طرف. وتصف الدراسات التاريخية المتعلقة بما يُعرف بالعقيدة الإسرائيلية القائمة على «المحيط» مساعي إسرائيل إلى بناء شراكات خارج دائرة الدول العربية المعادية.

ثم أصبحت الطاقة أحد أكثر الأسس الملموسة لهذه العلاقة. فقد بدأت إسرائيل شراء النفط الإيراني منذ خمسينيات القرن العشرين. وبعد إغلاق قناة السويس عام 1967، طورت إيران وإسرائيل مشروع خط أنابيب إيلات عسقلان، الذي أتاح الربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط وتسهيل نقل النفط. وهكذا، لم تعد العلاقة مقتصرة على اتصالات دبلوماسية محدودة، بل أفضت إلى ترابط اقتصادي وطاقوي ملموس. كما امتدت الروابط إلى الزراعة والمياه والطب والبنية التحتية والطيران والاستخبارات والتعاون العسكري.

ومع ذلك، ظل هذا التعاون قائماً أساساً على اعتبارات براغماتية. فلم تتحول إيران وإسرائيل إلى حليفين أيديولوجيين بالمعنى التقليدي، بل أصبحتا شريكتين لأن قيادتيهما رأتا أن العلاقة تخدم مصالحهما الخاصة. وهذه نقطة جوهرية لفهم الحاضر. فهي لا تبرر القول إن التعاون يمكن استعادته بسهولة، ولا إن المصالحة باتت وشيكة. لكنها تثبت حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن طبيعة العلاقة بين الدولتين سبق أن تغيرت بصورة جذرية. وتبين هذه السابقة أن المصالح الاستراتيجية، وتصورات التهديد، والهياكل الإقليمية، قادرة على إحداث تحولات عميقة في العلاقات الدولية.

ثم جاء عام 1979. فقد أطاحت الثورة الإيرانية بالنظام السياسي للشاه، وأحدثت تحولاً جذرياً في العقيدة الخارجية لإيران. وانقطعت العلاقات مع إسرائيل، واعتمدت السلطة الجديدة سياسة عدائية معلنة تجاه الدولة الإسرائيلية، مع وضع القضية الفلسطينية في صلب خطابها الإقليمي. ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل دبلوماسي عابر، بل أدى تدريجياً إلى تغيير نظرة كل دولة إلى الأخرى. فتحولت العلاقة التي كانت تقوم على مصالح متلاقية إلى علاقة تتشكل بفعل الأيديولوجيا والأمن والشبكات الإقليمية والاستخبارات والتنامي المستمر للإحساس بالتهديد.

فالعدو ليس مجرد الطرف الذي نطلق عليه هذه التسمية، بل قد يتحول تدريجياً إلى محور تنظم الدولة حوله عقيدتها الأمنية وتحالفاتها وأجهزتها الاستخباراتية وقدراتها التكنولوجية واستثماراتها العسكرية. ومع ترسخ هذا المنطق، يمكن لتصور التهديد أن يولّد دينامية مستقلة بذاتها: يعزز كل طرف قدراته خوفاً من قدرات الطرف الآخر، بينما يفسر الخصم التدابير المتخذة لتعزيز الأمن باعتبارها تهديداً إضافياً. وتجسد العلاقة الإسرائيلية الإيرانية معضلة الأمن هذه بوضوح استثنائي.

بعد ذلك، انتقلت المواجهة إلى مسارح متعددة في المنطقة. فقد أصبح لبنان وسوريا والعراق وغزة ومناطق أخرى ساحات للتنافس غير المباشر. وأتاحت الشبكات المسلحة والشركاء الإقليميون والعمليات السرية والاستخبارات والفضاء السيبراني للدولتين، لفترة طويلة، خوض المواجهة من دون الانخراط بصورة منتظمة في حرب مفتوحة. لكن كلما طال أمد هذه المواجهة غير المباشرة، تحولت المناطق الطرفية نفسها إلى مكونات أساسية في الصراع المركزي.

وأضاف البرنامج النووي الإيراني بُعداً آخر إلى هذه المعادلة. فمن وجهة نظر إسرائيل، يشكل احتمال امتلاك إيران القدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، منذ زمن طويل، قضية رئيسية تتعلق بالأمن القومي. أما إيران، فتنظر إلى العقوبات والعمليات السرية والضغوط الرامية إلى تقييد برنامجها النووي ضمن سياق المواجهة والدفاع عن السيادة الوطنية. وقد أنشأ الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران وعدد من القوى الدولية إطاراً يهدف إلى الحد من بعض الأنشطة النووية الإيرانية ومراقبتها. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 غيّر السياق بصورة عميقة. وهكذا، أصبحت القضية النووية في آن واحد مسألة تتعلق بمنع الانتشار النووي ورمزاً لأزمة الثقة الإقليمية والدولية.

وشكلت المواجهات المباشرة التي وقعت عام 2024 مرحلة جديدة في هذا المسار. فقد أظهرت الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران أن مناطق الغموض والمواجهة غير المعلنة باتت تتعايش مع عمليات عسكرية معلنة تتحمل أطرافها مسؤوليتها. وفي يونيو 2025، وسّعت حرب الأيام الاثني عشر، التي بدأت بضربات إسرائيلية ضد إيران ثم شهدت تدخلاً عسكرياً أمريكياً استهدف منشآت نووية إيرانية، نطاق الصراع بصورة أكبر. ولم يؤد وقف إطلاق النار الذي أعقب ذلك إلى إزالة الأسباب البنيوية للتنافس.

وفي 28 فبراير 2026، فتحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران مرحلة جديدة من المواجهة. وامتدت تداعياتها إلى الخليج ومضيق هرمز، بينما استمرت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الأعمال العدائية. وحتى 12 أكتوبر 2026، ظلت الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران محاطة بالغموض. وكانت إيران تدرس الرد الأمريكي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، في حين لم تفضِ جهود الوساطة، ولا سيما عبر قطر وباكستان، إلى تسوية مؤكدة حتى ذلك التاريخ. وظلت حركة الملاحة البحرية وصادرات الطاقة متأثرتين بالصراع.

ويذكّر هذا التطور بحقيقة أساسية: ففي الشرق الأوسط المعاصر، يمكن لحرب بين قوى إقليمية أن تتحول سريعاً إلى أزمة عالمية. فقد جعل مضيق هرمز وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والبنى التحتية الحيوية والاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، من المستحيل تقريباً فهم المواجهة باعتبارها شأناً ثنائياً محضاً. وأصبح الأمن الإقليمي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة والملاحة البحرية والغذاء والاقتصاد في نطاق جغرافي أوسع بكثير. وتُظهر الاضطرابات التي شهدها عام 2026 بصورة ملموسة مدى قدرة القرارات العسكرية على إحداث تداعيات تتجاوز بكثير مسرح العمليات المباشر.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية في العلاقة الإسرائيلية الإيرانية. فالدولتان تفصل بينهما اليوم خلافات عميقة وتراكم هائل من انعدام الثقة. ومع ذلك، يثبت تاريخهما أن العلاقة لم تكن جامدة في أي مرحلة. فقد شهدت الاعتراف والتعاون الاقتصادي والترابط في مجال الطاقة والتبادل التقني والتعاون الأمني، ثم القطيعة والمواجهة. ولا يسمح هذا المسار بالتنبؤ بمصالحة مستقبلية، لكنه يتيح التمييز بين حقيقتين أساسيتين: العداء الراهن واقع سياسي واستراتيجي، لكنه ليس قانوناً طبيعياً يحكم العلاقات بين الدولتين.

إن القول إن العدو يمكن أن يتغير لا يعني إنكار التهديدات القائمة، أو التقليل من معاناة ضحايا النزاعات، أو محو الخلافات الأيديولوجية، أو التخلي عن مقتضيات الأمن. بل يعني أن السياسة الإقليمية لا يمكن أن تُبنى على نحو مستدام على افتراض أن المواجهة يجب أن تظل المبدأ الوحيد المنظم لها. ويتمثل التحدي التحليلي الحقيقي في تحديد ما إذا كان بالإمكان إنشاء آليات لاحتواء الخلافات قبل تحولها إلى حروب، وما إذا كانت المصالح المشتركة قادرة تدريجياً على تغيير الحسابات الاستراتيجية للأطراف المعنية.

ويقدم التاريخ الدولي أمثلة عدة على تحولات مماثلة، وإن لم يكن من الممكن نقل أي منها آلياً إلى الشرق الأوسط. فقد انتقلت الولايات المتحدة وفيتنام من الحرب إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتطوير الروابط الاقتصادية. وحولت فرنسا وألمانيا تنافساً عسكرياً تاريخياً إلى تعاون مؤسسي في صميم المشروع الأوروبي. كما أبرمت مصر وإسرائيل معاهدة سلام عام 1979 بعد حروب عدة، ووقعت الأردن وإسرائيل معاهدة السلام بينهما عام 1994. ولا تثبت هذه التجارب أن كل مواجهة قابلة للحل تلقائياً، لكنها تبين أن العلاقات الدولية يمكن أن تتغير عندما تتبدل المصالح والمؤسسات والتصورات. ومن ثم، فالسؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل وإيران ستصبحان شريكتين في المستقبل القريب، إذ سيكون مثل هذا الاستنتاج سابقاً لأوانه. بل إن السؤال الاستراتيجي أعمق من ذلك: هل يمكن بناء نظام في الشرق الأوسط يسمح بإدماج إسرائيل وإيران يوماً ما، رغم خلافاتهما، في بنية إقليمية للأمن والحوار والتعاون؟

يمثل هذا السؤال الحد الفاصل بين مستويين ينبغي التمييز بينهما بدقة. فما سبق يندرج في نطاق التحليل، إذ يتناول المسار التاريخي، ويحدد التحولات الاستراتيجية، ويرصد آليات التنافس، ويكشف أوجه الترابط التي باتت تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على التحكم فيها. وتساعد هذه العناصر على فهم طبيعة المشكلة، لكنها لا تحدد الحل بصورة آلية. ومن هذه المرحلة، تنتقل CPGNNews بوضوح من التشخيص إلى الاقتراح. ولذلك، فإن الميثاق الإقليمي الشامل ليس حقيقة قائمة، ولا منظمة موجودة، ولا تنبؤاً بمستقبل الشرق الأوسط، بل هو مقترح معياري ومؤسسي صيغ انطلاقاً من المشكلة التي كشفها التحليل. وبعبارة أخرى، يسأل التحليل عما يمكن فهمه من الواقع الإقليمي، بينما يسأل المقترح عما يمكن للدول أن تقرر بناءه.

أطروحة الميثاق الإقليمي الشامل

ترى CPGNNews، وفقاً للتحليل الذي تدافع عنه، أن الشرق الأوسط لن يتمكن على الأرجح من الحد بصورة مستدامة من تكرار نزاعاته من خلال التفوق العسكري لطرف واحد، أو تكاثر التحالفات المتنافسة، أو الاعتماد على وساطات ظرفية لقوى خارجية فحسب. فقد تؤدي هذه الأدوات دوراً مهماً في الردع والدفاع وخفض التصعيد، لكنها لا تكفي بالضرورة لمعالجة جميع مواطن الضعف التي باتت تشكل بنية المنطقة.

وانطلاقاً من هذه الملاحظة، تقترح CPGNNews دراسة إمكانية إنشاء بنية إقليمية دائمة للتعايش والأمن والتعاون والتنمية بصورة تدريجية. ويُطرح الميثاق الإقليمي الشامل باعتباره مقترحاً للسياسة الإقليمية والتنظيم المؤسسي، لا معاهدة قائمة، ولا منظمة تأسست بالفعل، ولا تنبؤاً بمسار تطور الشرق الأوسط.

ولا ينطلق المشروع من افتراض أن التنافسات ستختفي، بل على العكس، يقوم على احتمال استمرارها فترة طويلة، وعلى ضرورة بناء آليات قادرة على العمل رغم عدم اكتمال الثقة. ومن ثم، لن يكون الميثاق مجرد معاهدة سلام، ولا تحالفاً عسكرياً جديداً، بل سيسعى إلى إدراج موازين القوى تدريجياً ضمن منظومة تحظى فيها الوقاية والتفاوض والشفافية والترابط المتبادل والتسوية السلمية للنزاعات بمكانة مؤسسية دائمة.

ولن يطلب الميثاق من إسرائيل التخلي عن أمنها، ولا من إيران التخلي عن مصالحها الاستراتيجية، ولا من الدول العربية التنازل عن سيادتها، ولا من تركيا أو مصر التخلي عن طموحاتهما الإقليمية. كما لن يهدف إلى استبدال علاقات الدول بواشنطن أو بكين أو موسكو أو بروكسل أو غيرها من الشركاء. بل سيضيف مستوى من التعاون الإقليمي لمعالجة المشكلات التي لا تستطيع الآليات الوطنية أو الثنائية وحدها السيطرة عليها دائماً.

وسيكون المبدأ المركزي هو الترابط الاستراتيجي. فالمياه والطاقة والأمن الغذائي والممرات البحرية والمناخ والبنى التحتية الرقمية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، كلها قضايا تتجاوز الحدود الوطنية بالفعل. ومن ثم، يمكن أن تشكل مواطن الضعف المشتركة هذه أسساً لتعاون براغماتي. ولن تكون الثقة شرطاً مسبقاً مطلقاً، بل يمكن أن تصبح تدريجياً نتيجة لتعاون منتظم وقابل للتحقق ومؤسسي.

وسيقوم الميثاق أيضاً على مبدأ التدرج. فلا ينبغي تصميمه بوصفه مؤسسة نهائية تُفرض جميع مكوناتها دفعة واحدة منذ تأسيسها، بل يمكن أن يبدأ بآليات عملية ثم يتوسع كلما ثبتت فائدتها. ومن بين المكونات الأولى الممكنة: آلية دائمة للوقاية من الأزمات وإدارتها، وخطوط اتصال مباشرة بين مراكز القرار الرئيسية، ومؤتمر إقليمي للأمن والتعاون، ونظام للإنذار المبكر، وإجراءات للإخطار ببعض الأنشطة العسكرية الحساسة، وآلية للتسوية السلمية للنزاعات، ومجموعات عمل مخصصة للمياه والطاقة والبنى التحتية الحيوية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وبذلك، لن يسعى الميثاق إلى إنشاء جماعة سياسية متجانسة على الفور، بل إلى إقامة منظومة تعاون متينة بما يكفي لتمكين دول لا تتشارك التاريخ نفسه أو المصالح ذاتها أو التوجهات السياسية نفسها من التعايش داخل إطار مؤسسي واحد. وينبغي أن تظل جدوى المشروع وقابليته للتنفيذ وآلياته المقترحة موضع نقاش وتعديل واعتراض من جانب الدول المعنية والدبلوماسيين والباحثين والمنظمات الإقليمية والدولية والمجتمعات المدنية.

النطاق الإقليمي المقترح

يجب تحديد النطاق الجغرافي للميثاق بدقة. ففي هذا المقترح، يشير الشرق الأوسط إلى مجال استراتيجي يتمحور حول شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وإيران وتركيا، مع إشراك مصر والدول المطلة على البحر الأحمر وظيفياً عندما تقتضي القضايا المطروحة ذلك. ومن ثم، فإن النواة الإقليمية المقترحة ستضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عُمان واليمن والعراق وإيران والأردن وإسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا ومصر.

وهذا التعريف مقترح مؤسسي من CPGNNews، وليس نقلاً للنطاق الجغرافي لمنظمة قائمة. فهو يعكس مجالاً ترتبط فيه قضايا الأمن والطاقة والمياه والتجارة والتنقل والتكنولوجيا والاستقرار ارتباطاً وثيقاً. غير أن النطاق الوظيفي سيكون أكثر مرونة من النطاق الجغرافي. فباكستان، على سبيل المثال، تقع خارج النواة الجغرافية المعتمدة، لكنها ترتبط بعلاقات استراتيجية مهمة مع عدد من دول الخليج، ولذلك يمكن إشراكها في بعض الآليات. كما يمكن لدول من القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر المشاركة في الترتيبات المتعلقة بالأمن البحري والطرق التجارية والطاقة والغذاء وإدارة المخاطر.

وسيكون المبدأ الموجّه هو نواة إقليمية، ومحيط استراتيجي مشارك، وتعاون دولي منفتح. ويمكن للقوى الخارجية أن تسهم في بعض الآليات من دون أن تتحول إلى مراكز لصنع القرار فيها.

بنية مؤسسية من ثلاثة مستويات

لتجنب اشتراط الانضمام الكامل لجميع الدول منذ تأسيس الميثاق، تقترح CPGNNews ثلاثة أوضاع للمشاركة: الدول الأعضاء، والدول المنتسبة، والشركاء الخارجيون. ويستجيب هذا التمييز لصعوبة أساسية تواجه أي بنية إقليمية، إذ قد تكون بعض الدول مستعدة للمشاركة في آليات تقنية أو اقتصادية قبل قبول مجمل الالتزامات السياسية والأمنية.

ستشكل الدول الأعضاء النواة المؤسسية وصاحبة القرار في الميثاق. وستقبل المبادئ الأساسية له، وتشارك في مؤسساته الدائمة، وتتحمل الالتزامات المشتركة المتعلقة بعدم الاعتداء والتسوية السلمية للنزاعات والوقاية من الأزمات والتعاون. ووفقاً للقواعد التي يجري التفاوض بشأنها، يمكن لهذه الدول الاستفادة من آليات الإنذار المبكر والتشاور الطارئ والتعاون الأمني وإدارة المياه والطاقة والأمن السيبراني وحماية البنى التحتية الحيوية والتعاون العلمي والتكنولوجي وتسوية النزاعات. كما يمكنها اقتراح آليات جديدة، وطلب إدراج مسائل على جدول الأعمال، والمشاركة في القرارات المتعلقة بالتطور المؤسسي وقبول أعضاء جدد.

أما الدول المنتسبة، فستشكل دائرة للمشاركة التدريجية. ويمكنها الانضمام إلى آليات محددة، ولا سيما في مجالات الأمن البحري والمياه والطاقة والمناخ والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والوقاية من الكوارث. كما يمكنها تقديم المقترحات والمشاركة في مجموعات العمل، والتشاور معها بشأن المسائل التي تمس مصالحها مباشرة، من دون أن تتمتع بسلطة اتخاذ القرارات العامة نفسها التي تتمتع بها الدول الأعضاء. وسيتيح هذا الوضع، على وجه الخصوص، لدول تقع في المحيط الاستراتيجي الإقليمي المشاركة في بعض المجالات من دون إدراجها بصورة مصطنعة ضمن النواة الجغرافية.

ويمكن أن تشمل الشراكات الخارجية الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند واليابان ودولاً أخرى، فضلاً عن المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والهيئات العلمية. ويمكن لهذه الجهات تقديم الخبرات والمساهمة في تمويل البرامج ودعم مشروعات البنية التحتية أو البحث العلمي وإبرام اتفاقات قطاعية مع الميثاق. لكنها لن تتمتع بحق تصويت عام في الهيئات السياسية المركزية. ووفقاً لهذا التصور، سيكون الميثاق إقليمياً في صنع قراره ودولياً في تعاونه.

الحقوق المرتبطة بأوضاع المشاركة

يجب أن يقترن اختلاف أوضاع المشاركة بحقوق مؤسسية فعلية ومحددة بوضوح. وستتمتع الدول الأعضاء بأوسع الحقوق، بما يشمل التمثيل في هيئات صنع القرار والمشاركة في القرارات السياسية والوصول إلى الآليات المشتركة وإمكانية اقتراح تطورات مؤسسية. ويمكنها أيضاً الاستفادة من آليات التضامن المنصوص عليها في الميثاق، وفقاً للشروط والحدود التي سيحددها إطاره القانوني المستقبلي.

أما الدول المنتسبة، فستتمتع بحقوق المشاركة، وبحقوق اتخاذ القرارات القطاعية في المجالات التي انضمت إليها. ويمكنها المشاركة في المشاورات ومجموعات العمل والآليات التقنية المعنية، من دون أن تمتلك سلطة اتخاذ القرارات العامة نفسها التي تتمتع بها الدول الأعضاء. وستستفيد الشراكات الخارجية من حقوق التشاور والخبرة والتعاون. ويمكنها المساهمة في البرامج التي تدعمها والمشاركة في بعض الآليات التقنية وفقاً للاتفاقات المبرمة، من دون تحديد التوجهات السياسية العامة للميثاق.

وسيؤسس هذا التنظيم علاقة تناسب بين مستوى الالتزام ومستوى المشاركة المؤسسية. ولن ينشئ تراتبية في السيادة بين الدول، بل سيميز بين مستويات المسؤولية وصنع القرار داخل بنية واحدة.

حقوق التصويت وآليات اتخاذ القرار

سيكون المبدأ الأساسي هو المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء، بحيث تتمتع كل دولة عضو بصوت واحد داخل الهيئة السياسية المركزية. ويمكن اعتماد القرارات العادية بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين والمصوتين، مع مراعاة النصاب القانوني. أما القرارات المؤسسية الكبرى، فقد تتطلب أغلبية موصوفة تبلغ الثلثين، ولا سيما القرارات المتعلقة بقبول أعضاء جدد أو إدخال تعديلات جوهرية على البنية المؤسسية أو اعتماد التزامات مشتركة جديدة.

أما القرارات التي تؤثر مباشرة في الأمن الجماعي، فستتطلب إجراءً يوفر ضمانات أقوى. إذ ينبغي ألا تتمكن أغلبية بسيطة من فرض قرار جوهري على دولة يمس أمنها القومي بصورة مباشرة. ويمكن إخضاع هذه القرارات لموافقة معززة، على أن يجري التفاوض بشأن تفاصيلها ضمن الإطار القانوني للميثاق. ومع ذلك، يجب أن يتجنب النظام تمكين دولة واحدة من تعطيل جميع القرارات الجماعية بصورة منهجية. ولذلك، ينبغي حصر شرط الموافقة المعززة في عدد محدود من المسائل التي تُحدد صراحة باعتبارها قضايا أساسية.

ولن تتمتع الدول المنتسبة بحق تصويت عام، لكنها قد تستفيد من حقوق اتخاذ قرارات قطاعية داخل الآليات التي تشارك فيها مشاركة كاملة. أما الشركاء الخارجيون، فلن يصوتوا في الهيئات السياسية المركزية. ويمكن أيضاً اعتماد قاعدة للحياد الإجرائي تمنع دولة من المشاركة في بعض القرارات المتعلقة مباشرة بمخالفة منسوبة إليها، مع ضمان حقها في الاستماع إليها، وعرض دفاعها، والطعن في الأدلة المعتمدة ضدها.

الالتزامات المقابلة

سيقوم منطق الميثاق على التناسب بين الحقوق والمسؤوليات. وستتحمل الدول الأعضاء الالتزامات الأساسية المتعلقة بعدم الاعتداء والتسوية السلمية للنزاعات والمشاركة في آليات الوقاية من الأزمات والتعاون بحسن نية واحترام الالتزامات المشتركة والمساهمة في التمويل المؤسسي وفق صيغة لم تُحدد بعد.

أما الدول المنتسبة، فستتحمل الالتزامات المرتبطة بالآليات التي تشارك فيها. فالدولة المنتسبة المنخرطة في منظومة للأمن البحري، على سبيل المثال، يتعين عليها احترام القواعد المشتركة لتلك المنظومة. والدولة المنتسبة المشاركة في برنامج للمياه، ينبغي لها تطبيق الالتزامات المتفق عليها بشأن تبادل المعلومات والتعاون. أما الشركاء الخارجيون، فستكون التزاماتهم محكومة بالاتفاقات المحددة المبرمة مع الميثاق، سواء تعلقت بالتمويل أو الجوانب التقنية أو العلمية أو العملياتية، مع احترام السرية والقواعد المتفق عليها وسيادة المشاركين.

ويمكن أن يسري على جميع المشاركين التزام عام يتمثل في عدم استغلال آليات التعاون التابعة للميثاق للتحضير لتصعيد ضد مشارك آخر أو تسهيله. فلا يمكن لبنية تهدف إلى الحد من المخاطر أن تؤدي وظيفتها إذا استُخدمت المعلومات والمشاورات والإجراءات المنشأة لهذا الغرض لتفاقم المواجهة.

الركائز التسع للميثاق

ستقوم البنية المقترحة على تسع ركائز متكاملة: عدم الاعتداء والتسوية السلمية للنزاعات؛ الأمن الجماعي والوقاية من الأزمات؛ الأمن النووي والاستراتيجي؛ الأمن البحري؛ أمن الطاقة؛ الأمن المائي والمناخي؛ التعاون الاقتصادي؛ التعاون العلمي والتكنولوجي؛ والحوكمة الإقليمية للذكاء الاصطناعي.

ولا تمثل هذه الركائز تسع سياسات منفصلة، بل تشكل منظومة واحدة. فأمن الطاقة يعتمد على الممرات البحرية، والاستقرار الاقتصادي يرتبط بالمياه والمناخ، والبنى التحتية للطاقة والمياه معرضة للهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاستخبارات والأنظمة العسكرية والمعلومات وحماية البنى التحتية. وهكذا، يسعى الميثاق إلى الانتقال من مفهوم مجزأ للأمن إلى مفهوم أكثر شمولاً وترابطاً للأمن الإقليمي.

الدلالة التاريخية للمشروع

ينبع الأساس الفكري لمقترح الميثاق الإقليمي الشامل من ملاحظة تاريخية مفادها أن العلاقات بين الدول يمكن أن تتغير جذرياً عندما تتبدل المصالح وتصورات الأمن والمؤسسات. ويقدم تاريخ العلاقات بين إيران وإسرائيل قبل عام 1979 مثالاً لافتاً على ذلك. كما توضح التحولات التي شهدتها العلاقات بين فرنسا وألمانيا، والولايات المتحدة وفيتنام، وبعض الخصوم السابقين في الشرق الأوسط، أن التنافس والتعاون ليسا بالضرورة حالتين ثابتتين لا تتغيران.

ولا يدّعي الميثاق أنه يستطيع تكرار هذه التجارب. بل يستخلص منها درساً مؤسسياً: لا يمكن للسلام المستدام أن يعتمد حصراً على إرادة القادة المتعاقبين، وإنما ينبغي أن تدعمه آليات قادرة على الصمود أمام التغيرات السياسية. ومن ثم، لا يقوم المقترح على افتراض ضرورة أن تثق الدول بعضها ببعض فوراً، بل على إمكانية وضع قواعد تمكّنها من العمل رغم انعدام الثقة، ثم تتيح للثقة أن تنمو مع مرور الوقت من خلال تفاعلات قابلة للتحقق.

اختبار إسرائيل وإيران

تمثل إسرائيل وإيران الاختبار الأصعب لهذه البنية. فلو اقتصر الميثاق على الدول التي تربطها بالفعل علاقات منسجمة، لما فعل سوى إعادة إنتاج التحالفات القائمة. أما قيمته الحقيقية فتبدأ عندما يصبح قادراً على استيعاب دول متعارضة بعمق، بصورة تدريجية.

ولا يعني ذلك أن على إسرائيل وإيران أن تصبحا عضوين فوراً، أو أن تحلا جميع خلافاتهما قبل أي مشاركة. بل يعني أن البنية ينبغي أن تُصمم بطريقة تتيح التعايش المؤسسي بينهما عندما تسمح الظروف السياسية بذلك. ومن ثم، لا يتمثل السؤال الجوهري في مطالبة الخصوم بأن يصبحوا أصدقاء، بل في بناء نظام يسمح لهم بأن يصبحوا جيراناً قادرين على إدارة خلافاتهم من خلال إجراءات معترف بها.

من توازن الخوف إلى توازن المصالح

يتمثل التحول في النموذج الذي تقترحه CPGNNews في الانتقال التدريجي من منطق يقوم حصراً على الردع وموازين القوة إلى منطق يضيف إليهما توازناً قائماً على المصالح المشتركة. فقد تشكل الشرق الأوسط طويلاً بفعل التنافسات والتحالفات والضمانات الخارجية والسعي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية. ومن المرجح أن تستمر هذه الأدوات في الوجود. ولن يسعى الميثاق إلى إلغائها، بل إلى إضافة مستوى مؤسسي يجعل الدول حريصة أيضاً على حماية البنى التحتية والموارد والسلاسل الاقتصادية والقدرات المشتركة.

وكلما ازداد عدد المشروعات والآليات المشتركة التي يتعين على الدول حمايتها، ارتفعت كلفة المواجهة المحتملة. وكلما أصبحت قنوات الاتصال دائمة، تراجعت احتمالات سوء الفهم. وكلما ترسخت إجراءات الوقاية مؤسسياً، ازدادت فرص معالجة بعض الأزمات قبل تحولها إلى حروب. ومن ثم، لن يؤدي التعاون بالضرورة إلى إزالة التنافس، لكنه سيغير تدريجياً البيئة التي يجري فيها.

بنية مؤسسية، لا معاهدة بعد

من الضروري التمييز بين المقترح الاستراتيجي للميثاق وصياغته القانونية المستقبلية. فهذه الوثيقة ليست المعاهدة التأسيسية للميثاق الإقليمي الشامل، وإنما تحدد بنيته الفكرية والجيوسياسية والمؤسسية، بما يشمل مبررات وجوده ونطاقه ومستويات المشاركة فيه والحقوق ومبادئ التصويت والالتزامات والآليات الأولى والركائز التسع.

وينبغي أن تشكل صياغة الميثاق مرحلة مستقلة. إذ ستعمل على تحويل هذه البنية إلى أحكام قانونية دقيقة تشمل الديباجة والمبادئ والتعريفات وفئات العضوية والمؤسسات والاختصاصات وإجراءات اتخاذ القرار وآليات الأمن والتمويل وتسوية النزاعات والانضمام والتعليق والانسحاب والتعديلات والعلاقات مع المنظمات الدولية والأحكام الختامية. وهذا الفصل مقصود. فقبل صياغة مواد أداة قانونية، ينبغي تحديد المؤسسة المراد إنشاؤها بدقة كافية، والمشكلات التي يُفترض أن تعالجها، والحدود التي يتعين عليها احترامها.

خاتمة النظرة

يثبت تاريخ العلاقات الإسرائيلية الإيرانية حقيقة أساسية: ليست العلاقات الدولية محكومة بإعادة إنتاج ماضيها إلى ما لا نهاية. فلا يمكن استعادة التعاون الذي كان قائماً قبل عام 1979 بالصورة نفسها، كما لا يمكن محو عقود المواجهة. غير أن هذا التاريخ يوضح أن طبيعة العلاقة بين دولتين يمكن أن تتغير عندما تتحول مصالحهما وتصوراتهما الأمنية وبيئتهما الإقليمية.

وينطلق الميثاق الإقليمي الشامل من هذه الحقيقة من دون تقديم وعود غير واقعية. فهو لا يطلب من الدول التخلي عن مصالحها أو سيادتها أو تحالفاتها، بل يقترح بناء مستوى إضافي من الأمن تدريجياً، يقوم على الوقاية والاتصال والشفافية والترابط والتعاون. ويتمثل طموحه في تحويل فضاء تسعى فيه الدول أساساً إلى حماية نفسها بعضها من بعض، إلى فضاء تمتلك فيه أيضاً مؤسسات تمكّنها من مواجهة المخاطر المشتركة التي لا تستطيع أي دولة السيطرة عليها بمفردها.

فالمياه والطاقة والمناخ والممرات البحرية والبنى التحتية الحيوية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي لا تعترف بالحدود السياسية. وهي تجبر الدول بالفعل على مراعاة حقائق لم يعد ممكناً التعامل معها بصورة منفصلة. ولذلك، لن يكون الميثاق نهايةً لمسار السلام، بل بنية تحتية مؤسسية يمكن أن تجعل تحقيق سلام مستدام أمراً أكثر قابلية للتحقق.

ولن يكون هدفه الأول مطالبة الأعداء بأن يصبحوا أصدقاء فوراً، بل تمكين دول شديدة الاختلاف من أن تصبح جيراناً قادرين على إدارة خلافاتهم من دون تحويل كل أزمة إلى تهديد للمنطقة بأسرها. لقد أظهر التاريخ أن الشريك يمكن أن يصبح عدواً. أما تحدي القرن الحادي والعشرين، فهو بناء مؤسسات تمنع العداوة من أن تصبح قدراً محتوماً.

ملاحظة منهجية

يعتمد هذا الملف مقاربة تاريخية وجيوسياسية ومؤسسية واستشرافية، بهدف وضع المواجهة بين إسرائيل وإيران ضمن إطار زمني أوسع من إطار الأزمات العسكرية المعاصرة. ويتناول تاريخ العلاقات بين الدولتين قبل عام 1979، وتطور التصورات المتبادلة بينهما، وآليات المواجهة غير المباشرة، والمواجهات المباشرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، والتحولات التي طرأت على البيئة الاستراتيجية الإقليمية. ثم يوسع نطاق التحليل ليشمل قضايا الأمن الجماعي والطاقة والمياه والمناخ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

ويميز المنهج بين الوقائع الموثقة تاريخياً، والتصريحات الرسمية، والتحليلات المؤسسية، وتفسيرات الباحثين ووسائل الإعلام، والفرضيات الاستشرافية المطروحة في هذا الملف. ويُولى اهتمام خاص لأحداث الفترة الممتدة من عام 2024 إلى عام 2026، وهي مرحلة شهدت تطورات سريعة في المواجهة الإسرائيلية الإيرانية وتداعياتها الإقليمية. وفي سياق تظهر فيه بعض المعلومات أولاً في صورة تصريحات صادرة عن أطراف منخرطة في الصراع، أو معلومات استخباراتية غير مكتملة، أو تقييمات قابلة للمراجعة، تُقارن الادعاءات، حيثما أمكن، بفئات متعددة من المصادر. وعندما تظل معلومة ما غير مؤكدة أو موضع خلاف أو مرتبطة بتفسير معين، ينبغي الحفاظ على هذا التمييز بدلاً من تحويل فرضية إلى حقيقة ثابتة.

أما الجزء المخصص للميثاق الإقليمي الشامل، فينتمي إلى منطق مختلف. فهو يمثل مقترحاً استشرافياً ومعيارياً من CPGNNews، ولا يصف معاهدة قائمة أو مؤسسة تأسست بالفعل. بل يدرس إمكانية إنشاء بنية إقليمية قادرة على تنظيم التعايش والتعاون تدريجياً بين دول تنتمي اليوم إلى منظومات أمنية مختلفة أو تربطها علاقات عدائية. وينبغي فهم المقترحات المتعلقة بالأمن الجماعي وعدم الاعتداء والأمن النووي والأمن البحري والطاقة والمياه والمناخ والتعاون الاقتصادي والتكنولوجيا وحوكمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها مكونات لتصور مؤسسي يهدف إلى إثراء النقاش.

كما ينبغي فهم الآفاق الزمنية للأعوام 2030 و2050 و2100 في السياق نفسه. فهي ليست تنبؤات بالمستقبل، وإنما أدوات لدراسة مسارات محتملة انطلاقاً من الاتجاهات القابلة للرصد، وتقدير ما قد ينتج عن استمرار التجزئة أو تحقيق استقرار جزئي أو بناء أشكال جديدة من الترابط الإقليمي بصورة تدريجية. ويتيح هذا المنهج طرح سؤال محوري: ما المؤسسات والضمانات وأشكال التعاون اللازمة حتى تتمكن منطقة طالما هيمن عليها انعدام الثقة من تحويل مواطن ضعفها المشتركة تدريجياً إلى مصالح متقاسمة؟

ويستند الملف، في مجمله، إلى مبدأ تحريري أساسي: إن فهم الصراع لا يعني تبني رواية أحد أطرافه. ويتمثل طموح CPGNNews في دراسة مصالح مختلف الأطراف وتصوراتها وقيودها وخياراتها ومسؤولياتها، من دون إغفال العواقب الإنسانية للقرارات الاستراتيجية. ويُنظر إلى التاريخ والقانون الدولي وأمن السكان والتنمية الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والكرامة الإنسانية باعتبارها أبعاداً متكاملة لمسألة واحدة. ومن هذا المنظور، يشكل هذا الملف مساهمة مستقلة في النقاش الدولي. وهو لا يدعي استنفاد تعقيدات الشرق الأوسط، بل يسعى إلى فتح مجال للتفكير يستطيع فيه التاريخ إضاءة الحاضر، ويمكن فيه للخيال المؤسسي أن يسهم في استشراف المستقبل.

شكر وتقدير

إن إعداد ملف بهذا الحجم يستند إلى عمل بحثي وتوثيقي وتدقيقي، وإلى قراءة ومقارنة فكرية لمجموعة واسعة من الوثائق التاريخية والدبلوماسية والأكاديمية والمؤسسية والصحفية. وتعرب CPGNNews عن تقديرها للمؤرخين والباحثين والأكاديميين والدبلوماسيين والصحفيين والمنظمات الدولية ومراكز الأبحاث والمراقبين المستقلين، الذين تسهم أعمالهم في فهم تطورات الشرق الأوسط والعلاقات بين إسرائيل وإيران والأمن الإقليمي وقضايا الطاقة والمياه والتداعيات الاستراتيجية للتكنولوجيات الجديدة. وتؤدي المؤسسات التي تتيح الوصول إلى أرشيفاتها وتقاريرها وبياناتها ووثائقها المرجعية دوراً أساسياً، لأن جودة التحليل تعتمد إلى حد كبير على جودة الوثائق التي يستند إليها.

كما تتقدم CPGNNews بالتقدير إلى الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام الذين يؤدون مهامهم في بيئات الأزمات، التي غالباً ما تكون شديدة الصعوبة. ويسهم عملهم في توثيق الأحداث وإظهار العواقب الإنسانية للنزاعات ومتابعة المفاوضات الدبلوماسية ومقارنة الروايات الرسمية بالواقع المرصود ميدانياً. ولا يعني ذكر هذه المصادر الموافقة التلقائية على جميع تحليلاتها أو مواقفها، بل يمثل اعترافاً بقيمة العمل التوثيقي والصحفي الضروري لفهم الأحداث فهماً جاداً.

وإلى جانب المؤسسات والمهنيين العاملين في الإعلام، يكرم هذا الملف شعوب الشرق الأوسط، التي تظل أولى الجهات المعنية بالقرارات المتخذة باسم الأمن والسيادة والقوة والجغرافيا السياسية. فخلف العقائد العسكرية والخرائط الاستراتيجية والمفاوضات الدبلوماسية وموازين القوى، توجد مجتمعات بشرية تتطلع إلى الحياة والعمل ونقل المعرفة إلى الأجيال المقبلة والتنمية وبناء مستقبل لا تحدده الخشية والحرب إلى ما لا نهاية. وانطلاقاً من هذه الحقيقة الإنسانية أيضاً، تعتزم CPGNNews مواصلة عملها لفهم تحولات العالم بصرامة، من دون التخلي عن كرامة الذين يعيشون هذه التحولات.

المصادر والمراجع والوثائق التي جرت مراجعتها

تستند الوثائق المستخدمة في إعداد هذا الملف إلى فئات متعددة ومتكاملة من المصادر. وتشكل الأرشيفات الدبلوماسية والوثائق التاريخية قاعدة مهمة لإعادة بناء العلاقات بين إسرائيل وإيران قبل ثورة عام 1979 وبعدها. ويُولى اهتمام خاص لوثائق وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب المؤرخ (U.S. Department of State, Office of the Historian)، ولا سيما مجلدات العلاقات الخارجية للولايات المتحدة (Foreign Relations of the United States, FRUS) المخصصة للفترات 1958–1960 و1964–1968 و1969–1976. وتُستكمل هذه الأرشيفات بأعمال موسوعة إيرانيكا (Encyclopaedia Iranica)، ولا سيما دراستها المتعلقة بالعلاقات بين إسرائيل وإيران، التي تتناول الاعتراف بحكم الأمر الواقع عام 1950، والتبادلات الاقتصادية والتقنية، والتعاون الأمني، والقطيعة التي أحدثتها الثورة الإيرانية.

وفيما يتعلق بالقضايا المعاصرة المرتبطة بالبرنامج النووي والأمن الإقليمي والقانون الدولي والتداعيات الإنسانية للنزاعات، يستند الملف، على وجه الخصوص، إلى منشورات ووثائق الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتتيح هذه المصادر المؤسسية أيضاً تناول القانون الدولي الإنساني وحماية السكان المدنيين والتكنولوجيات العسكرية الناشئة والأنظمة المستقلة والتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في مجالي الأمن والحرب.

وتُدرس الأبعاد الاقتصادية والطاقوية والمائية والمناخية بالاستناد إلى أعمال المنظمات الدولية والمؤسسات المتخصصة، ولا سيما وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. كما تشمل الوثائق البيانات والتحليلات المتعلقة بأسواق الطاقة وحركة الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد والدور الاستراتيجي لمضيق هرمز. وتكتسب منشورات البنك الدولي الصادرة في يونيو وأكتوبر 2026 أهمية خاصة لتقدير التداعيات الاقتصادية الإقليمية للصراع والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة البحرية. ومع ذلك، ينبغي تفسير هذه المنشورات في ضوء نطاقها الجغرافي والافتراضات التي تستند إليها توقعاتها.

كما أخذ الملف في الاعتبار أعمال مراكز الأبحاث والمؤسسات المتخصصة في العلاقات الدولية وأمن الشرق الأوسط والانتشار النووي والجغرافيا السياسية للطاقة والتكنولوجيات الناشئة وتحولات النظام الدولي، ومن بينها مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، إلى جانب منشورات أكاديمية ومتخصصة متنوعة. وتُستخدم هذه الأعمال لوضع الأحداث في سياقها، ومقارنة التفسيرات، وتحديد أبرز الخلافات التحليلية، من دون اعتبار أي مؤسسة أو تيار فكري مصدراً نهائياً لا يقبل المراجعة.

ولمتابعة أحدث الأحداث، ولا سيما التطورات العسكرية والدبلوماسية خلال الفترة 2024–2026، والمفاوضات ومبادرات خفض التصعيد والاضطرابات التي أثرت في مضيق هرمز، يستعين الملف أيضاً بوسائل إعلام دولية مرجعية، وفي مقدمتها رويترز (Reuters). وينبغي تقييم المعلومات الصحفية مع مراعاة تاريخ نشرها، وما إذا كانت مؤكدة أو مجرد تصريحات منسوبة إلى أطراف، والتمييز بين الوقائع المنقولة وتصريحات الأطراف والتفسيرات التحليلية. وعندما تكون معلومة ما ذات أهمية حاسمة، ينبغي إعطاء الأولوية، كلما أمكن، لمقارنتها بمصادر مؤسسية أو أولية.

وتستند الأجزاء المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة إلى وثائق صادرة عن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات علمية وتكنولوجية ومراكز أبحاث متخصصة في الأمن السيبراني والأنظمة المستقلة والتضليل الإعلامي والبنى التحتية الحيوية والاستخدامات الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه الوثائق دراسة الذكاء الاصطناعي ليس فقط بوصفه أداة للقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً باعتباره مجالاً قد تواجه فيه دول الشرق الأوسط مخاطر مشتركة، ويمكنها، عند الاقتضاء، تطوير آليات للتعاون.

ويمثل الميثاق الإقليمي الشامل الوارد في هذا الملف مقترحاً استشرافياً أصيلاً من CPGNNews. فهو ليس معاهدة نافذة ولا منظمة إقليمية قائمة. ومع ذلك، يستلهم تصميمه من الدراسة المقارنة للتجارب الدولية في مجال الوقاية من النزاعات والتعاون الإقليمي والحد من التسلح والدبلوماسية متعددة الأطراف والتكامل الاقتصادي. وتمثل الركائز التسع المقترحة حصيلة تركيب استشرافي يهدف إلى دراسة الشروط المؤسسية التي قد تسمح للشرق الأوسط، على المدى الطويل، بالانتقال من منطق تهيمن عليه الردعية وانعدام الثقة إلى بنية تقوم بدرجة أكبر على القدرة على التنبؤ والتعاون والترابط المتبادل.

وبوجه عام، ينبغي تقييم المصادر وفقاً لأصولها وتواريخها وأهدافها ومناهجها ودرجة إمكانية التحقق منها. وتُعطى الأولوية للمصادر الأولية عندما تتيح إثبات الوقائع، بينما تساعد المصادر الثانوية على وضع الأحداث في سياقها ومقارنة التفسيرات. ولا ينبغي اعتبار أي مصدر معصوماً من الخطأ بحكم طبيعته. كما أن إدراج مرجع ضمن هذه الوثائق لا يعني أن CPGNNews تتبنى جميع المواقف أو التحليلات أو الاستنتاجات الواردة فيه. وتظل الآراء والتصريحات والتقييمات المنسوبة إلى الحكومات أو المنظمات أو الباحثين أو وسائل الإعلام منسوبة إلى أصحابها. أما التحليل والتركيب والمقترحات الواردة في هذا الملف، فتقع ضمن المسؤولية التحريرية لـ CPGNNews.

CPGNNews — إعلام دولي مستقل لخدمة الصالح العام │ البحث • الاستقصاء • التحليل • الصحافة

وُلد في منطقة البحر الكاريبي، ومنفتح على العالم!

بقلم Yvon BONHOMME

باحث مستقل، وكاتب مقالات، ومحلل جيوسياسي، وخبير في الحوكمة

رئيس التحرير، CPGNNews

البريد الإلكتروني: info@cpgnnews.com │ © جميع الحقوق محفوظة.

You may also like

Leave a Comment